الخميس 15 نوفمبر 2018 3:36 م القاهرة القاهرة 24.6°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

المشهد الدستوري يزداد تعقيدا ... فهل من مخرج؟

نشر فى : الثلاثاء 30 أكتوبر 2012 - 10:50 ص | آخر تحديث : الثلاثاء 30 أكتوبر 2012 - 10:50 ص

المشهد الدستوري يزداد تعقيدا يوما بعد يوم. كلما بدا أن هناك انفراجة ممكنة أو مخرج من الأزمة التي تمر بها البلاد إذا بنا نعود للمربع الأول مرة أخرى أو ما دونه. والخلاف لم يعد على نصوص أو مواد أو حتى على تشكيل الجمعية التأسيسية، بل تحول إلى أزمة ثقة بين الأطراف كلها، وانهيار في الحوار بين الأحزاب والقوى السياسية، وإصرار على المضى في مسار معيب مهما كانت العواقب وعلى الدفع بمسودة للدستور بعيدة كل البعد عن التوافق الذي كان مأمولا، وعن ضمان وحماية الحقوق الرئيسية للمواطن في القرن الواحد والعشرين، وعن تنظيم ركائز الدولة بشكل متوازن.

 

ما الجديد في المشهد الحالي؟

 

هناك أولا حكم المحكمة الإدارية الذي لم يحسم أمر الجمعية التأسيسية وأحال الموضوع إلى المحكمة الدستورية العليا استنادا إلى أن مجلس الشعب كان قد أصدر في جلسته الأخيرة قانونا بمعايير تشكيل الجمعية بغرض غل يد القضاء الإداري عن الحكم في صحة تشكيل الجمعية. ومع أن المحكمة الإدارية لم تجد أمامها بديلا إلا إحالة الموضوع للمحكمة الدستورية، إلا أن أسباب حكمها قد عبرت بوضوح عن اقتناعها بأن الجمعية التأسيسية معيبة وبأن العوار القانوني الذي أدى إلى إبطال الجمعية الأولى قد تكرر في الثانية.   

 

من جهة أخرى فإن إحالة الموضوع إلى المحكمة الدستورية يضيف تعقيدا إضافيا إلى ما كان مشهدا معقدا بالفعل. فحكم المحكمة الدستورية بشأن الجمعية التأسيسية لا يتوقع صدوره قبل شهرين أو ثلاثة، وبالتالي فنحن أمام جمعية مطعون في شرعيتها ولكن مستمرة في عملها بل ومتاح أمامها الوقت لكي تنتهي منه قبل أن يصدر بشأنها حكم المحكمة المختصة. وبذلك فإن عملية كتابة الدستور التي تعتبر في حياة الشعوب والأمم لحظة تاريخية للتوحد ولضم الصفوف ولنبذ الفرقة، تكون قد تحولت إلى مباراة مع الزمن، ومحاولة ل"خطف" الدستور قبل انطلاق صفارة الحكم، لعل الكأس يكون من نصيب الفائز. 

 

أما المحكمة الدستورية نفسها فقد صارت في وضع لا تحسد عليه إذ أنها – وقد أصبحت المختصة بالحكم في دستورية القانون الذي تشكلت الجمعية التأسيسية بموجبه – سوف تطاردها حقيقة أنها كانت قبل أسابيع قليلة خصما في الموضوع حينما أعلن قضاتها ومستشاروها عن اعتراضهم على مسودة الدستور في مؤتمر صحفي يشبه المناسبات السياسية والحزبية ويعرض حكمهم – أيا كان – لانتقادات لاحقة.  

 

هذا على المستوى القانوني. أما على المستوى السياسي فإن المشهد لا يقل تعقيدا. محاولات اللحظة الأخيرة التي قام بها نائب رئيس الجمهورية لتقريب وجهات النظر بين الأحزاب لم تفض إلى شئ لأن الأحداث تجاوزتها. وخصوم الدستور المطروح للنقاش يتزايدون كل يوم بعد أن صارت له معارضة مدنية متمثلة في الأحزاب المدنية والقومية واليسارية، ومعارضة سلفية تطالب بالتطبيق الكامل لأحكام الشريعة وليس مبادئها، و معارضة متصاعدة من داخل الجمعية التأسيسية يمثلها سبعة عشر عضوا أعلنوا عدم قبولهم للمسودة الدستورية، ومعارضة اسلامية وسطية يمثلها د. عبد المنعم أبو الفتوح ومعه آخرون وتيار لا يستهان به، وفوق كل هذا شعور عام في المجتمع بأن الموضوع ليس سليما ولا توافقيا.

 

وأخيرا فإن مبادرة رئيس الجمهورية بدعوة الأحزاب إلى حوار في اليوم التالي لصدور الحكم لم تنجح لأنها تحولت إلى محاضرة من الرئيس لمن قبلوا الحضور بينما غاب عن اللقاء أحزاب أخرى لم توافق على المشاركة في مناسبة إعلامية توحي بأن هناك توافقا وتفاهما بينما الحقيقة أن الأزمة أكبر من أن يحلها لقاء مذاع تلفزيونيا. ولكي يكتمل المشهد بفقرة ساخرة، فقد تبين أن بعض الأحزاب لم تتلق الدعوة أصلا للقاء الرئيس لأن سكرتارية الرئاسة لم تتعرف على المسؤول الذي تتصل به وتدعوه للاجتماع.

 

الخلاصة أننا أمام موقف متأزم في كل الأحوال وأيا كانت النتيجة. فما العمل؟

 

هناك بالطبع احتمال – وهو في اعتقادي الأرجح – أن يعتبر حزب الحرية والعدالة أن كل هذا الوضع المضطرب ما هو إلا عقبة جديدة أو مشكلة طارئة يمكن تجاوزها بقدر من الإصرار والمثابرة كما تجاوز غيرها، وأن التراجع الآن فيه خسارة سياسية كبيرة، وأن حكم المحكمة الإدارية بإحالة الموضوع إلى المحكمة الدستورية قد جاء ربما لينقذ الموقف ويمنحه الوقت الكافي للإنتهاء من صياغة الدستور والدفع به في استفتاء سريع. هذا ممكن من الناحية الفعلية وقد يؤدي إلى صدور دستور ما.

 

ولكن لو أصر الحزب الحاكم على ذلك فإنه يكون في الحقيقة قد حقق مكسبا سريعا وفاز بجولة في المباراة ولكن دون النظر للعواقب طويلة المدى لغياب التوافق ولصدور نص دستوري مكتمل الشكل وفيه مواد ونصوص وأبواب وله ديباجة وأحكام انتقالية ولكنه لا يعبر عن احتياج الوطن في الوقت الحالي لإطار يجمع ولا يفرق. أضف إلى ذلك أنه لو صدر حكم قضائي ولو بعد حين ببطلان تشكيل الجمعية – وهذا احتمال وارد - فإننا نكون أمام دستور وضعته جمعية باطلة، قام بتشكيلها برلمان منحل، ولم يتمكن القضاء الإداري من التعرض لها  بسبب قانون أصدره ذات المجلس المحكوم بحله. خروج الدستور المصري على هذا النحو  لن يكون فيه مكاسب لأي طرف، بل هزيمة لنا جميعا ونهاية مؤسفة لما كان يجب أن يكون مشروعا توافقيا يجتمع عليه الناس ويحتفلون به، لا أن يكون غنيمة تؤخذ عنوة وبرغم معارضة واسعة في المجتمع وغياب للمشروعية القانونية.

 

هناك بديل أخر، ثقيل سياسيا وقبوله صعب، ولكن فيه مصلحة أكيدة للوطن. هذا البديل أن يقبل الحزب الحاكم ورئيس الجمهورية العودة لمسار التوافق مهما كان محفوفا بالمخاطر، وأن تشارك الأحزاب والقوى السياسية الرئيسية في حوار حول كيفية الخروج من هذه الأزمة. ولكن يشترط لنجاح ذلك أن يكون حوارا حقيقيا وليس محاضرة من طرف واحد، وأن يكون الغرض منه التوافق والتفاهم لا الظهور التلفزيوني، وأن تدعى إليه كل الأطراف الفاعلة حتى لو كانت أرقام تليفوناتها غير معروفة لسكرتارية الرئاسة، وأن يكون موضوع البحث هو الخروج من الازمة الدستورية برمتها وليس مجرد تصحيح نص هنا ومادة هناك. الحوار مطلوب وضروري في هذه اللحظة العصيبة، ولا يزال ممكنا،  والوضع المتأزم الذي يجتازه البلد بسبب الأزمة الدستورية يتطلب التضحية من الجميع والتواضع والعودة لمسار التفاهم لا الإصرار على الدفع بدستور سيؤدي إلى مزيد من الانقسام في المجتمع ومزيد من الفرقة. فهل من مجيب؟

 

 

زياد بهاء الدين محام وخبير قانوني، وسابقاً نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير التعاون الدولي، ورئيس هيئتي الاستثمار والرقابة المالية وعضو مجلس إدارة البنك المركزي المصري.