الأربعاء 21 نوفمبر 2018 1:00 م القاهرة القاهرة 26.4°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

صراع الدم والنفط على هوية الثورات العربية

نشر فى : الأربعاء 30 نوفمبر 2011 - 9:25 ص | آخر تحديث : الأربعاء 30 نوفمبر 2011 - 9:25 ص

تحفل المرحلة الراهنة من مراحل التحول والبحث عن اليقين فى الحياة السياسية العربية بمجموعة من التناقضات والطرائف واللطائف النادرة، والتى يمكن الاستعانة بها للتأريخ لعصر الضياع وافتقاد الهوية الجامعة، من بينها:

 

1 ــ أن الأنظمة التى كانت قائمة ثم سقطت أو أُسقطت، وما زال بعضها ينتظر، قد استهلكت عناوين مختلف الإيديولجيات والعقائد الثورية عن طريق تزويرها أو مصادرتها لادعاء الانتماء اليها وحرمان الخصم من أن يتبدى متفوقا وعصريا بينما هى من الماضى.

 

فليس فى الأرض العربية من أدنى مشرقها إلى أقصى مغربها نظام يستطيع الادعاء أن ممارساته مطابقة للشعارات التى يرفعها، لا فرق بين جمهورى وملكى وجماهيرى وسلطانى، ويسارى اشتراكى ثورى ويمينى رجعى إمبريالى..

 

ولعل النظام الفريد فى بابه للعقيد ( الراحل ) معمر القذافى قد احتوى فى «خلطة» شعاراته معظم الادعاءات الثورية، من غير أن يغفل التراث الإسلامى..

 

فدولته كانت «جماهيرية»، أى النسخة المطورة من «الجمهورية» لكن نظام الحكم فيها كان فرديا بالمطلق، وامبراطوريا بالممارسة. هو «الخليفة»  و«الإمام» ومكمل الرسالة (حتى لا ننسى «الكتاب الأخضر») ثم أنه أمين بيت المال وصاحب الشرطة وقائد الجيوش والقاضى.. بغير أن يتخلى عن مرتبة «الأمين على القومية العربية».

 

2ــ لقد استعارت الأنظمة الجمهورية من «شقيقتها» الملكية التقاليد والممارسات جميعا، وإن حافظت ــ فى المظهر ــ على التسميات الجمهورية.

 

ولعل الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر شيخ مشايخ قبيلة بكيل فى اليمن قد لخص ــ قبل رحيله ــ الفذلكة المناسبة لتبرير هذا الاختلاط بين العقائد والايديولوجيات، حين رد على سؤال صحفى حول نية الرئيس اليمنى على عبدالله صالح السعى لتوريث ابنه أحمد الحكم فى صنعاء، فقال ببساطة: ولمَ لا؟ هذا الرئيس الأمريكى جورج بوش الأب، وفى أكبر ديمقراطية فى العالم، قد عمل فأمّن الوراثة لابنه.. وهذا الرئيس الراحل حافظ الأسد، رحمه الله، قد وفر الفرصة ليكون الحكم بعده لأولاده، مات باسل فجاء بشار.. وهذا الرئيس المصرى حسنى مبارك يعمل لتوريث ابنه جمال.. فلماذا يستغربون الأمر مع على عبدالله صالح فى اليمن؟

 

3 ــ لا تهم التسمية التى ينسبها النظام إلى نفسه، ملكية أو جمهورية أو إمامة، المهم أن صاحب الأمر «واحد»، وان اختلفت الألقاب.. حتى إن «صاحب ليبيا» اكتفى، فى فترة أولى من فترات حكمه المديد بتسمية حميمة ومباشرة «الأخ معمر»!

 

وبالمصادفات القدرية، فإن الجمهوريات التى تحولت تدريجيا إلى «ملكيات» فى العقود الثلاثة الماضية، والتى كانت فقيرة بمواردها أصلا، قد أخذت تزداد فقرا، نتيجة الفساد المستشرى فى تلك البلاد التى لم تتفجر أرضها بينابيع الخير الأسود أو الأبيض. وتبقى ليبيا والعراق خارج هذا التصنيف مع الإشارة إلى أن الثروة فيهما كانت حكرا لصاحب السلطان بالأبناء، أساسا، والأصهار والأعوان.

أما الممالك والسلطنات والإمارات التى من نفط أو غاز فلم يكن يشغلها أمر الديمقراطية وتداول السلطة.. فالنظام قادر على شراء الولاء بالذهب والسيف.. والرعايا يكادون يحسدون أنفسهم على نعمة الولادة فى تلك الأرض التى احتفظت بالخير فى باطنها، على امتداد الدهور، حتى إذا جاء زمن الديمقراطيات كشفت المخبوء فاذا العقائد تتهاوى أو تتجمد فى كتب حيث لا وقت للقراءة!

 

●●●

 

وباختصار: صار القرار الرسمى العربى فى يد «الأصغر» والأكثر بعدا عن الأيديولوجيات وحقوق الشعوب وأساطير الديمقراطية والمواطنين والانتخابات، لأنه «الأغنى».

 

وبغير رغبة فى الإساءة إلى الأمين العام (الجديد) لجامعة الدول العربية، فقد كان منظره على المنصة يثير الإشفاق بينما ذلك المسئول القطرى يتجاوزه فى الذهاب بالقرار والإياب، ويعامله وكأنه مجرد موظف له عليه حق الطاعة طالما أنه يستطيع أن يتحكم بموازنة الجامعة ثم إنه قد «اشترى» سلفا أصوات معظم الأعضاء الجالسين إلى طاولة القرار. وبحسبة بسيطة يمكن اكتشاف الحقيقة المرة: ثمة دول مجلس التعاون (6 أصوات) والمملكتان الأردنية الهاشمية والعلوية المغربية، ثم دول الجوع التى تبيع أصواتها لمن يدفع أكثر (موريتانيا، جيبوتى، جزر القمر والصومال)، وبعدها يأتى حديث الدول المسترهنة بمشاريع مشتركة، تمولها بعض تلك الدول النفطية.. وكل ذلك قبل أن ننتبه إلى «تصفية الحساب» بين دول الثورات التى صادرها الإسلاميون و«دول الممانعة» التى تنظر إلى التنظيمات الإسلامية بعدائية وتتهمها بأنها مجرد «طوابير أطلسية» مهمتها إعادة الاستعمار تحت أعلام الهلال والنجمة.

 

لقد تواضع الدور المصرى داخل جامعة الدول العربية، وسواء فى موقع الأمانة العامة أم فى موقع الأخ الأكبر والأكثر أهمية والأعظم وزنا، لحساب صاحب العقال المذهب، مع أنه الأصغر حجما وان كان الأخطر شأنا.

 

ويعرف أهل الثروة أن زمن هيمنتهم على القرار العربى قصير، وأنه يرتبط بمدة الفترة الانتقالية التى تحتاجها للعودة إلى موقعها الطبيعى كقيادة للعمل العربى المشترك، تتمتع بالأهلية والكفاءة والخبرة والحق الشرعى نتيجة وزنها وتضحياتها الجسام من أجل استقلال هذه المنطقة واستعادتها هويتها العربية.

 

لذلك يستعجل أصحاب الثروة ممارسة هذا الحق المغتصب بشراء قرار أصحاب الثورة.

 

ثم إن فساد الأنظمة المتهالكة والمتوالى سقوطها أتاح فرصة التبرؤ من دعمها ومساندتها ضد شعوبها.. وهكذا انتقل هؤلاء فى غمضة عين، من سرايا الحكام إلى ميادين الثورات، وتنصلوا من صداقاتهم التاريخية مع الرؤساء الذين كانوا باعوا لهم القرار عربيا ودوليا بثلاثين من الفضة.

 

ولقد شهدت ميادين الثورات، فى القاهرة بداية ثم فى تونس، وبشكل أكثر فظاظة فى بنغازى ثم فى طرابلس بليبيا، الكثير من المشاهد المثيرة... فجاء إليها كبار المسئولين الأمريكيين، سياسيين وعسكريين، فضلا عن رجال المخابرات.. لا الثوار استهجنوا الأمر، ولا الزوار اعتبروا انهم يتجاوزون حدودهم بقدر ما يشاركون فى «تشييع» الحكام الذين كانوا أصدقاءهم المخلصين حتى النفس الأخير.

 

بالمقابل كان أصحاب الثروات النفطية قد تقاطروا لزيارة أصدقائهم من الرؤساء/ الملوك، فى لحظات ما قبل النهاية، ولوحوا بأكياس الذهب لاستنقاذ المهددة عروشهم، ثم لما تيقنوا أن لا فرصة لوقف الزخم الثورى، اندفعوا بأكياس الذهب إلى ميادين الثورات ملوحين بها، فى محاولة لشراء الصمت إذا ما تعذر شراء الولاء.

 

ولقد كان أصحاب أكياس الذهب جاهزين للجهر بإيمانهم العميق بالديمقراطية، فاستضافوا حركات المعارضة ومولوا مؤتمراتهم متعددة التوجهات والو لاءات فى أغنى العواصم وأمدوهم بما يمكنهم من الادعاء بأنهم «مجلس قيادة الثورة» الذين يملكون القدرة على انقاذ بلادهم من الدكتاتورية..

 

بل إنهم فتحوا لهم أبواب الحكم فى عواصم القرار الدولى، واشتروا لهم «شرعية ما»، ومكنوا لبعضهم أن يحتل ــ شرعا ــ سفارة بلاده فى عواصم الدول التى نصر ثوارها الحلف الأطلسى فأوصلهم إلى سدة الحكم.

 

بل إن شيخ مشايخ الديمقراطية العربية المستولدة حديثا من الغاز ذهب بأكياس الذهب إلى أقصى الأرض العربية ليضمن انتصار الديمقراطية الملكية الشرعية بعدما ضمن انتصار الديمقراطية الاسلامية فى عاصمة مغربية أخرى.

 

●●●

 

صار أهل النفط والغاز دعاة الديمقراطية الإسلامية فى بلاد الفقراء، وصاروا مرجعية الشهادة بسلامة العمليات الانتخابية التى لم يتعرف إليها رعاياهم، يستوى فى ذلك الرجال والنساء.

 

بل إنهم صاروا مصدر الشهادة والتزكية للديمقراطية الجديدة التى تأنف من أن تتهم بأية صلة بالعروبة.. ففى تقدير هؤلاء أن العروبة منافية للديمقراطية، ولهذا لا بد من خيار حاسم: أما عروبة الدكتاتورية وأما ديمقراطية متعددة الهويات دينيا وطائفيا وعرقيا.

 

لقد تهاوت انظمة جمهورية المظهر ملكية المضمون بعدما دمرت مجموعة من القيم والمفاهيم التى استهلكتها فى سعيها لتبرير ديمومتها حتى أفقدتها المعنى، فأفسحت المجال لتزوير البديهيات والثوابت فى السياسة كما فى الأخلاق وفى الهويات.

 

وصحيح أن الوقت ضيق لا يتسع للمراجعة.. ولكن لا بد من أن تحين لحظة الحقيقة، فتتكشف هويات وتتوضح سياسات فيتبين للناس إلى أين تأخذهم هذه الحركات التى أكسبها فساد النظام مشروعيتها والتى قد تكشف التجربة أن مصدرها غير واضح النسب إلى الإسلام، كما ان ديمقراطيتها المجلببة بالدين والصداقة الأمريكية لا يختلف فى الجوهر عن طبيعة النظام المخلوع والذى يزكى وريثه.

طلال سلمان كاتب صحفي عربي بارز، مؤسس ورئيس تحرير جريدة السفير اللبنانية، كما أنه عضو في مجلس نقابة الصحافة اللبنانية - المدونة: www.talalsalman.com
التعليقات