الثلاثاء 20 نوفمبر 2018 1:02 ص القاهرة القاهرة 20°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

بعد تعيين العقدة والعريان.. ما الذى يمكن توقعه؟

نشر فى : الإثنين 30 نوفمبر 2015 - 11:25 م | آخر تحديث : الإثنين 30 نوفمبر 2015 - 11:30 م
لشهور طويلة ارتفعت أصوات عديدة ــ كنت واحدا منها ــ تطالب رئيس الجمهورية بالاستعانة بأهل الخبرة فى المجال الاقتصادى والتراجع عن الاعتماد على أهل الثقة وحدهم كى يخرج الاقتصاد الوطنى من عثرته ويتوقف مسلسل الانحدار نحو هاوية الركود والتضخم ونضوب مصادر الاستثمار.
لذلك فقد استقبلت خبر تعيين الدكتور فاروق العقدة والدكتور محمد العريان فى المجلس التنسيقى للسياسة النقدية بنفس الحماس والارتياح الذى استقبله به الكثيرون من مختلف الاتجاهات السياسية. فالرجلان مشهود لهما بالكفاءة والنزاهة والسمعة الطيبة والخبرة الواسعة كل فى مجاله. فاروق العقدة له تجربة ناجحة فى رئاسة البنك المركزى نجح خلالها فى تطبيق برنامج طموح للإصلاح المصرفى وفى تدعيم المراكز المالية والإدارية للبنوك بما مكنها من تجاوز الأزمات المالية والسياسية منذ منتصف العقد الماضى والحفاظ على القطاع المصرفى طوال العام والنصف التاليين على الثورة. أما محمد العريان فهو الخبير الاقتصادى المصرى الأكثر شهرة عالميا لخبرته الواسعة فى المؤسسات الدولية وصناديق الاستثمار وأسواق المال وهو أحد المعلقين والمحللين الذين يتابع العالم كله آراءهم وتوقعاتهم.
هناك إذن ما يدعو للتفاؤل فى اختيار الرجلين ليشاركا فى صنع القرار الاقتصادى فى مصر، ولكن هناك أيضا بعض المحاذير.
المجلس التنسيقى آلية للحوار والتنسيق بين الحكومة والبنك المركزى فيما يتعلق بالسياسة النقدية بشكل عام، وخصوصا تحديد نسبة التضخم المستهدفة من الطرفين. ومجرد تحقيق هذا الاتفاق يكون خطوة للأمام لكى لا نستمر فى حالة التخبط الراهنة والتناقض بين جانب من الدولة يطبق سياسات توسعية وجانب آخر يطبق برامج تقشفية. ولكن المجلس التنسيقى ليس صانعا للسياسة الاقتصادية للبلد. وإذا كان المجتمع الاقتصادى قد تفاءل بعودة فاروق العقدة للساحة والاستعانة بمحمد العريان فى موقعه الطبيعى (بعد أن كان طوال العامين الماضيين عضوا فى اللجنة العلمية الاستشارية لرئيس الجمهورية) فإن حضورهما سوف يقتصر على عضوية هذه اللجنة محددة المهمة، إلا إذا كانت النية متجهة لتوسيع صلاحياتها.
من جهة أخرى فإن مشكلة مصر الحالية لا تقتصر على مجرد إدارة السياسة النقدية، بل تتعلق بمجمل السياسة الاقتصادية وغياب الرؤية فيها وعدم تحديد أولويات واضحة يفهمها المجتمع ويساندها. لذلك فإن على الحكومة التى سوف يختارها رئيس الجمهورية بعد تشكيل البرلمان أن تقدم لنواب الشعب برنامجا واضحا ومفصلا ومعبرا عن اختيارات وأولويات محددة. لا ينبغى أن نعود مرة أخرى للبرامج الحكومية التى تُقدم للبرلمان فى لغة خطابية فخمة وتتضمن تحقيق كل شىء والوعد بتلبية كل الأحلام. كلنا يعلم أن الظروف الاقتصادية صعبة والموارد محدودة. والبرنامج الحكومى الصادق هو الذى يعبر عن اختيارات وتضحيات ويخبرنا بما تنوى الحكومة أن تنفذه وما تنوى أن تلغيه أو تؤجله. لا يمكن تطوير العشوائيات وبناء عاصمة جديدة فى ذات الوقت، ولا رفع كفاءة استخدام مياه الرى فى الأرض القديمة واستصلاح مليون فدان فى نفس الوقت، ولا رفع الأجور وزيادة التعيينات الحكومية مع تخفيض عجز الموارنة، ولا زيادة الرسوم مع تخفيض الأعباء على المواطنين، ولا تشجيع الاستثمار مع التمسك بقوانين معيبة. الشعب لا ينتظر معجزة اقتصادية، بل ينتظر وضوحا وصدقا وشفافية والاعلان عن النوايا الحقيقية للدولة وانحيازا حقيقيا لصالح الفقراء.
وأخيرا فإن هناك حوار مجتمعى حول السياسة الاقتصادية يجب أن يجرى وأن يتجاوز الطقوس التى شاعت فى السنوات الأخيرة من أجل الادعاء بوجود حوار. ليس عمل الوزير أن يلتقى ببعض رجال الأعمال، ثم بعض الصحفيين، ثم بعض الشباب ويعتبر أنه أقام حوارا مجتمعيا. الحوار يجب أن يكون مستندا أولا إلى شفافية تامة فى إعلان القوانين والبرامج والسياسات التى تنوى الحكومة تنفيذها فى الفترة المقبلة وإتاحة المعلومات الكافية بشأنها. كذلك فإن الحوار يجب أن يكون مع مؤسسات فى المجتمع وليس مع أفراد. هناك نقابات، وجمعيات أهلية، وأحزاب سياسية، ومنظمات لرجال الأعمال، وأخرى للفلاحين والمهنيين والمستهلكين. قد يكون بعضها ضعيفا، وقد يكون واقعا تحت سيطرة بعض الممولين، ولكن هذا لا يعنى تجاهلها أو الاستغناء عنها بالحوار مع بعض الشخصيات العامة، بل الإصرار على التعامل مع هذه المؤسسات لأن هذا هو سبيل إصلاحها ودفع أعضائها للوثوق بها وتنمية دورها المفقود.
المجتمع ينتظر سياسة اقتصادية واضحة، ودخول خبراء محترفين إلى الساحة خطوة إيجابية، ولكن يجب أن يلحقها المزيد من الشفافية والحوار حول برنامج الحكومة القادمة.

***
قرأت بعد كتابة هذا المقال خبر تعيين الدكتور أحمد درويش رئيسا لهيئة تنمية منطقة قناة السويس، وهذا اختيار آخر موفق للغاية وأتمنى له كل التوفيق والنجاح.
زياد بهاء الدين محام وخبير قانوني، وسابقاً نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير التعاون الدولي، ورئيس هيئتي الاستثمار والرقابة المالية وعضو مجلس إدارة البنك المركزي المصري.