السبت 22 سبتمبر 2018 2:31 ص القاهرة القاهرة 25°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح النظام التعليمي الجديد لرياض الأطفال والابتدائي؟

غرق العرب بدمائهم.. فضاع منهم حاضرهم وتاهوا عن مستقبلهم!

نشر فى : الأربعاء 30 نوفمبر 2016 - 9:45 ص | آخر تحديث : الأربعاء 30 نوفمبر 2016 - 9:45 ص

العالم يتقدم على مدى الساعة، بل إن الساعة لم تعد وحدة قياس، بعدما اعتمدت الدقيقة، بل حتى الثانية أساسا للحساب مع التقدم العلمى الباهر الذى أنجزه الإنسان فصنع به هذا العالم المذهل فى سرعة تطوره وابتكاراته التى تعيد تشكيل حياتنا.


أما العرب، كدول وكشعوب، فيتراجعون على مدى الساعة، مع استثناءات تشمل مجاميع من المبدعين، علما فى مختلف المجالات، وفنا رائعا فى مجال الموسيقى والغناء والرسم والنحت، بل وفى مجال الابتكار والاختراع والتجديد. ولكنها تبقى حالات فردية، والمبادر إلى استثمارها فى الغالب هو الأجنبى الذى «يشترى» مواهبنا الشابة بجنسيته غالبا، التى يرون فيها امتيازا ذهبيا، أو بالذهب مباشرة، مستغلا عدم اهتمام حكوماتهم بهم، بل تجاهلها لهم و«اغتيالهم» بالبيروقراطية والإهمال.


كان هذا قبل تفجر أقطار عربية عديدة بالانتفاضات التى واجهتها الأنظمة الدكتاتورية بالقمع، فتحولت ــ أو كادت إلى مشاريع حروب أهلية. وهكذا تم إغراق «الثورة» أو «الانتفاضات» أو حتى تظاهرات الاحتجاج بدماء المنتفضين والمحتجين الذين لم يحمل أى منهم سلاحا، ولا هم اعتدوا مجتمعين على قوات الجيش أو حتى على الشرطة فضلا عن «البوليس السرى». وبعضهم ما زالوا على الأرجح فى السجون حتى اليوم.


تم تبديد الأحلام الوطنية والقومية، بل إن هذه الأحلام كادت تتحول إلى كوابيس، وصارت موضوع تندر وتنكيت وأسبابا للتشهير بأصحابها. فالحديث عن العروبة، مثلا، فضلا عن الطموح إلى الوحدة العربية، صار أشبه بحديث خرافة، أما الوطنية فهرطقة أو تعصب، وطلب الجنسية الأجنبية، والأمريكية، تحديدا، لم يعد مدعاة للتأنيب أو اللوم بل صار من المفاخر بالتميز والفرادة.


***
أما الجديد إلى حد الاستثناء فهو العمل على تحويل المعارضة إلى واحد من أمرين كلاهما مر: إما الحرب الأهلية وإما الفتنة الطائفية، وكلاهما يؤدى إلى خراب البلاد وضرب الوحدة الوطنية لشعبها وفتح الباب أمام التدخل الخارجى، وخسارة الاستقلال ووحدة الشعب والكيان السياسى.


إن أربع دول عربية، على الأقل، هى العراق وسوريا وليبيا واليمن، تكاد تندثر فى غمار حروب تختلط فيها الطوائفية والمذهبية والعنصرية، فيؤدى ذلك جميعا إلى تمزيق وحدة الشعب، ومن ثم الكيان السياسى. وفتح الباب أمام التدخل الخارجى (الذى يشمل بالضرورة إسرائيل، بل لعل إسرائيل هى فى صلب أسباب الفتن فضلا عن كونها المستفيد الأول والأخطر منها جميعا.)


• إن العراق يعيش منذ ثلاث عشرة سنة طويلة مجموعة من الحروب: كانت أولها الحرب الأمريكية عليه بذريعة طغيان صدام حسين، والتى دمرت دولته وحلت جيشه ونهبت كنوزه العلمية والثقافية، بما فى ذلك دار الكتب الوطنية الغنية بموجوداتها، والمتاحف بتراث التقدم والمجد والتمدن، قبل آلاف السنين. ثم بدأ بعد ذلك، وفى ظل الاحتلال الأمريكى وتحت رعايته، مشروع الحرب الأهلية بالفتنة، عندما أعطت السلطة لسياسيين من الشيعة «وبعض السنة» كانوا معظمهم فى المنافى «بريطانيا أساسا»، واستعيدوا منها أغرابا فاقبلوا على السلطة بفجع استثنائى. ودار النهب فى ثروات بلاد الرافدين، وتعاظمت الطائفية مستولدة المذهبية، وهجم «أعيان الشيعة» وفيهم عملاء معروفون، على السلطة، فاعملوا فيها الفساد والنهب والتمييز فى الحقوق والواجبات، فى حين ذهب بعض «أعيان السنة» إلى الخارج السعودى والخليجى، أو إلى التركى وهو الأخطر، وناصبوا العهد الجديد العداء تحت الشعار المذهبى، باسم المعارضة السياسية. وهكذا اكتملت عناصر الفتنة، تحت الرعاية الأمريكية، وتشققت الدولة التى كان الأمريكيون قد حلوا جيشها فتاهت عناصره فى كل أرض وصار الكثير منهم قنابل موقوتة سرعان ما انتظم بعضهم فى عصابات مسلحة تقاتل «النظام الطائفى»، وتطرف بعضهم الآخر أكثر فإذا هم فى «داعش» تحت لواء (الخليفة أبو عمر البغدادى).


• أما سوريا فأمرها أقل تعقيدا وإن كانت النتائج لا تقل خطورة عما شهده العراق: بدأ الأمر بتظاهرة احتجاج محقة فى درعا على ارتكابات خطيرة لمحافظها المعزز بقوى أمن لا تعرف غير تنفيذ الأوامر مهما كانت قاسية وغير مبررة ومثيرة للحساسيات الطائفية والمذهبية. وحين تفاقم الوضع أساء النظام تقدير مناخ نقمة الفقراء الذى أثارتهم قرارات الانفتاح الاقتصادى وإجراءاته وانعكاساتها على من كانوا يعتبرون من متوسطى الحال، فانتبهوا إلى أنهم قد أفقروا بقرار عشوائى من النظام الذى كانوا عصبه. وكان طبيعيا أن تدخل الدول – عربية وأجنبية، لاسيما تلك التى أزعجها صمود النظام وعلاقته الخاصة بإيران الخمينى واستطرادا بـ «حزب الله» فى لبنان. أضف إلى ذلك اشتداد الأزمة المعيشية على العمال والفلاحين الذين كانوا يفترضون أن الحكم إلى جانبهم.


• وبالطبع فإن «الدول»، وأولها تركيا التى أعطاها النظام أكثر مما تستحق، قد وجدت الفرصة سانحة لإرباك النظام وإضعافه وحتى العمل على إسقاطه. وكان طبيعيا أن يستشرس النظام فى الدفاع عن وجوده، فتحولت المعارضة إلى تنظيمات مسلحة عديدة، بعضها يوالى تركيا، وبعضها الآخر يوالى بعض دول الخليج التى لم تتأخر فى دعمها وفتح عواصمها لاستضافتها. بل وفى إنشاء غرف العمليات وتدريب الكوادر وتجهيزها بالسلاح حتى الصواريخ ووسائل الاتصال الحديثة.


وتفاقمت الأمور خطورة، وانفصلت أو فصلت أنحاء من سوريا الفسيحة، وبعضها بادية أو صحراء، عن الحكم المركزى. وجاء الإيرانيون يقاتلون مع النظام، ثم انضم إليهم «حزب الله» من لبنان، قبل أن يرى الرئيس الروسى بوتين أنه لابد من أن يستجيب لطلب النظام السورى مساعدته، انطلاقا من حساباته الخاصة التى ترى فى تفاقم الأحداث وتعاظم قدرات «الفصائل الإسلامية» التى تقاتل فى سوريا، وبينها «القاعدة» و«داعش» التى استقرت فى الرقة على مبعدة نحو خمسمائة كيلومتر عن دمشق، مصدرا للخطر على روسيا. وهكذا نزل ببعض سلاحه، ثم بكثير من أسباب قوته العسكرية دفاعا عن نظامه فى روسيا.


***
• أما ليبيا التى انفجر غضب شعبها ضد نظامها الذى كان قائده العقيد معمر القذافى يعيش فى عالمه الخاص، بعيدا عن هموم الناس، ــ بمعزل عن انجازاته فى مجال العمران، فقد تمت المحاولة لعلاج الغضب بالقسوة، مما زاد من خطورة الوضع وأفسح فى المجال لتدخل « الدول» فى الانتفاضة الشعبية التى صمدت للقمع. ولم ينفع «الأخ العقيد» أن يترك طرابلس إلى المدينة التى اتخذها عاصمة، وهى مسقط رأسه، سرت، فاشتدت مطاردته، وضيق عليه الحصار، واختلط تدخل القوة بغضب الناقمين فتم القضاء عليه بطريقة بشعة جدا «ذُكر أن للمخابرات الفرنسية ضلعا مباشرا فى تلك النهاية ونشر الصور الفظيعة لإعدامه بطريقة منفرة، حتى لخصومه».


وها هى ليبيا بعد سنوات خمس ونيف ما تزال تعيش فى دوامة من الدم والعنف لأن معارضاتها المختلفة لم تتفق حتى على الحد الأدنى. كما أنها لم تجد دولة. واستفاقت ذكريات تقسيميه نائمة تحاول إعادة ليبيا إلى ثلاث ولايات، كما كانت أيام الحكم الملكى ( السنوسى). والخلاصة أن شعبها غارق فى دمائه، و«حكوماتها» تتنازع المناطق، ويعجز «الوسطاء» عن إيصالها إلى بر الأمان. هذا كله من دون أن ننسى أن بعض دول الغاز والنفط العربية قد أسهمت فى تسعير الصراع فى هذه الدولة التى كانت غنية لكن شعبها بقى فقيرا.


• فأما اليمن فإن الحرب عليها وفيها قد صنعت فى الخارج القريب إلى حد محاولة «اقتسامها» مع أهلها. ومن دون دعوة إلى التاريخ فإن النظام السعودى يتحمل بالدرجة الأولى، المسئولية عما جرى فيها ولها، وحملته العسكرية عليها ظاهرة شعاراتها، بالصور الدموية فيها، والطائرات الملكية والأميرية معروفة. ومع أنها ليست الحرب الأولى التى تشنها المملكة المذهبة على جارتها الفقيرة، اليمن، إلا أن نتائجها لن تختلف عن نتائج سابقاتها.


وتسألون عن سبب انقسام «العرب»، بأفضال أنظمتهم، وضياعهم عن مستقبلهم، وعن اللحاق بموكب التقدم، أو حتى عن البقاء حيث كانوا قبل عشر سنوات أو عشرين أو ثلاثين أو خمسين سنة؟!
أتسألين عن سِقمي صحتى هى العجبُ!

طلال سلمان كاتب صحفي عربي بارز، مؤسس ورئيس تحرير جريدة السفير اللبنانية، كما أنه عضو في مجلس نقابة الصحافة اللبنانية - المدونة: www.talalsalman.com
التعليقات