سفاسف الأمور - سفاسف الأمور - المعصرة - بوابة الشروق
سفاسف الأمور
سفاسف الأمور أخر تحديث: الأربعاء 17 أبريل 2013 - 1:51 م
سفاسف الأمور

تعلمت من أحد أساتذتي في كلية الإعلام ـ لم أعد أذكر إسمه الآن لأنني في الواقع لم أتعلم منه شيئا آخر ـ أهمية القراءة المتعمقة لصفحات الحوادث وتحليل الجرائم الواردة بها تحليلا سوسيولوجيا عميقا، لذلك وبناءا على ما سبق أعتقد أن أهم خبر نُشر منذ فترة في الصحف كان خبرا نشرته صحيفة (المصري اليوم) عن «ضبط شبكة آداب تديرها سيدة في المنوفية». للخبر دلالات كثيرة أهمها أن: الشهوة مستمرة. الخراب الإقتصادي الإخواني لم يؤثر على المشروعات الصغيرة. لازال هناك من يؤمن بتمكين المرأة. قرأت في الخبر أن الشبكة التي تم ضبطها في قويسنا مكونة من 5 سيدات و3 رجال فظننت لأول وهلة أن أحدا في الشبكة شاهد مسلسل «هانج» الأمريكي الشهير وبدأ يطبق فكرة الدعارة الرجالي التي يعتمد عليها البناء الدرامي للمسلسل، لكنني في الفقرة التالية وجدت أن المقبوض عليهم لم يكونوا يبيعون أجسادهم بل كانوا يشترون أجساد عضوات الشبكة، ولذلك سيخرجون طبعا من القضية كالشعرة من العجين، لأنهم ذكور أبرياء تعرضوا لغواية بنات حواء الشريرات، وستلبس القضية عضوات الشبكة اللواتي أصر الخبر على ذكر الأحرف الأولى من أسمائهن كعادة كل صفحات الحوادث،  لا أدري ما الذي سيستفيده القارئ من أن يعرف أن إسم إحدى المقبوض عليهن «إيمان أ. ع. . 28 سنة». إلا إذا كانت هذه خدمة للقارئ لكي يتعرف على قريباته وجاراته الممسوكات في قضايا الدعارة.  أتخيل دائما كلما قرأت خبرا يحتوي على الأسماء الأولى للمتهمات، موظفا يجلس في الصالة بالفانلة واللباس وقد ثنى الجرنان الذي سرقه من زميله وبدأ يزعق على زوجته التي تحضر له في المطبخ السم الهاري الذي سيطفحه  إنتي ياولية هي بنت خالتك المسهوكة رانيا اللي في بلدكو عندها كام سنة عشان كاتبين إن في واحدة اتمسكت في شبكة دعارة إسمها رانيا ع. أ 28 سنة مش جوز خالتك إسمه عيد أمين». ، لن ترد الزوجة في الغالب الأعم وستكتفي بلعن سنسفيل أهله في سرها، إلا إذا كان الكيل قد طفح بها منه، وعندها قد ترد في لحظة شجاعة نادرة قائلة «وليه ماتكونش اللي اتمسكت أختك رانيا مش أبوك برضه إسمه علي أبو بكر».

 

ما لفت إنتباهي في  خبر شبكة قويسنا أيضا أن الرجال المقبوض عليهم متنوعو الأعمار والمهن، طبقا للخبر بينهم ملازم بالمعاش 38 سنة، وبالطبع لم يذكر الخبر هل هو ملازم شرطة أم ملازم جيش حرصا على نقاء شعار الجيش والشرطة والشعب إيد واحدة، هناك أيضا ممسوك آخر «حاصل على دبلوم 24 سنة»، كما تلاحظ الإثنان لا يعملان حاليا، ومع ذلك فقد حَرِصا على الترويح عن النفس، لأن النفس كما يذكرنا مولانا البوصيري «كالطفل إن لم تفطمه شب على حب الرضاع»، الخبر لم يذكر طبيعة النظام السعري المطبق في الشبكة لنعرف هل كان الثمن غاليا أم في متناول كل من يتناول، ولذلك ربما كان تفسير وجود شخصين عاطلين في مكان كهذا مفتوح  ولا مؤاخذة لأكل العيش ـ وليس لممارسة التجارب الإيروتيكية بحثا عن «النيرفانا» ـ يكمن في هوية الممسوك الثالث والذي قال الخبر أنه يعمل بدولة الإمارات وقدم إلى مصر فقط منذ 4 أيام، فأغلب الظن أنه بعد عودته بما أفاء الله عليه من الإمارات قرر أن يتجدعن مع صديقيه ويدعوهما لمشاطرته الخطيئة، وهو ما يكشف إما عن تقدير بالغ منه للصنف البلدي، أو أن أسعار وأجسام بائعات الهوى هناك أعلى بكثير من إمكانياته.

 

ختاما يرجى ملاحظة أمرين أولهما أن التحليل السوسيولوجي المذكور آنفاً يفترض صدق جميع الوقائع المثبتة في الخبر الصحفي، ولعلك تعلم أن تجربة مشاهدة فيلم (ملف في الآداب) للراحل عاطف الطيب علمتنا عدم التسرع في تصديق قضايا الآداب التي تعتمد على بلاغات الجيران، كما أن تجربتنا العامة مع الداخلية علمتنا أن أداءها كثيرا ما يكون أسوأ من أداء الشبكات المنافية للآداب، ومع ذلك لا يسقط أداؤها مهما تعددت البلاغات المقدمة فيه.

 

 

الأمر الثاني أنني أعتذر لأي شخص وجد في تحليلي إستعلاءا على التجارب الشخصية المريرة التي دفعت بعض الفتيات لإمتهان مهنة بيع الجسد، فالعبد لله وفي ملابسات لا محل لذكرها هنا لم يصادفه خلال مشواره المهني عاملات في هذا المجال تلازمهن المرارة أو تنقصهن البهجة ـ الظاهرية على الأقل ـ كما أن أسطورة بائعة الهوى التي تجري على يتامى تحطمت لديه مبكرا عندما أجرى حوارا قبل عشرين عاما وهو لا يزال طالبا في كلية الإعلام مع «مقفوشة» على ذمة قضية آداب داخل قسم الدقي، واتضح من خلال الحوار المباشر أنها لا تعول أحدا، بل لديها فائض في عدد من يعيلونها، وعندما احتار محسوبكم وكان لايزال متأثرا برواية غادة الكاميليا وصورة المومس الفاضلة التي روج لها الأدباء المختلون نفسيا، وسألها بإهتمام بالغ عن الأسباب الإجتماعية التي دفعتها إذن لممارسة  هذه المهنة التي تجلب شقاء الروح قالت له في ثقة «أهوه كيفي كدشه» وربما لأنه تأثر جدا بصدقها الشديد مع الذات، كتب عنها في إحدى كتبه فصلا بعنوان (المومس اللي فاضلة).

 

ربنا يستر على ولايانا وولاياكم.