سفاسف الأمور - سفاسف الأمور - المعصرة - بوابة الشروق
سفاسف الأمور
سفاسف الأمور أخر تحديث: الأربعاء 15 مايو 2013 - 1:29 م
سفاسف الأمور

بعد أن ظل موضع لغو الناس وهزلهم لعدة أيام، قامت المذيعة اللامعة منى الشاذلي بتكذيب خبر قيام ثلاث دببة إناث في جنينة الحيوانات بالجيزة بقتل بعضهن بعد صراع عنيف على دب ذكر إسمه هاني لنيل أسبقية ممارسة الجنس معه خلال موسم التزاوج، طبقا للخبر الذي انفردت بنشره صحيفة (الأهرام) عبر محرر نشيط لها يتتبع أخبار النشاطات الجنسية لحيوانات الجنينة ويواصل مشكورا تبشير القراء بها بين الحين والآخر. منى الشاذلي كشفت في برنامجها عن وجود تقصير فادح من قبل إدارة الجنينة في حماية الدببة البريئات من تهمة الهيجان المبالغ فيه، خاصة أن موسم التزاوج الخاص بالدببة لا يحل أصلا في هذه الأيام، فقد اتضح أن الدببة قبل أن يقتلن بعضهن في خناقة مروعة، تقيّأن مادة تشبه الرز باللبن، إتضح فيما بعد أنها فعلا رز بلبن (!) تقوم الجنينة بإطعامه للدببة، وهي معلومة لولا أنها ارتبطت بمقتل الدببة لأمكن أن يستغلها صاحب (ألبان المالكي) في إعلان تنشيطي يحمل عبارات من نوعية "الآن رز بلبن هاني وجبة الدببة المفضلة.. احصل على واحد رز بلبن مجانا مع كل طبق كسكسي بالمكسرات والآيس.  رز بلبن هاني يشعل طاقتك الجنسية.. رز بلبن هاني الرجل تدب مطرح ما تحب".

 

بعيدا عن هذا الهزار الرخيص، دعني أحكي لك عن صديق لي كان يعشق متابعة برنامج (عالم الحيوان) بصوت الرائع محمود سلطان اشتعل غضبا عندما سمع بخبر الدببة، لأنه اعتبرها إهانة بالغة أن يتم إطعام الدببة بكل ما لها من هيبة في عالم الحيوانات "رز بلبن" في حين يأكل بنو الإنسان لحم الحمير على أساس إنه كبدة وسجق، وأصابته صدمة عنيفة عندما قلت له أن الدببة لا تمتلك الكبرياء الغذائي الذي يفترضه، وأنني في أكثر من قرية جبلية أقمت فيها في كل من تركيا وأمريكا وويلز كان يتم التنبيه عليّ  ألا أترك أكياس الزبالة خارج البيت ليلا، لأن الدببة تحب أن تأتي من الغابة لكي تأكل من الزبالة، فما كان من صديقي إلا أن ترك القعدة بعد أن قال غاضبا "أهو إنت يا أخي بتدخل التهريج في كل حاجة. هو لو الدببة كانت بتاكل زبالة كنا هنأكلها رز بلبن.. ده إحنا ما عندناش أكتر من الزبالة في البلد. لما تبقى تحترم الأرواح اللي ماتت دي هابقى أتكلم معاك. سلامو عليكم".

 

لو تمهل صديقي الغاضب لعرف أنني أشاطره حزنه على الدببة التي راحت ضحية للإهمال، أو ضحية لحظها العثر الذي ساقها إلى بلادنا دونا عن كل بلاد الله التي تحترم الإنسان والحيوان معا. وأنا أقرأ التفاصيل التي نشرت عن أوضاع حيوانات جنينتنا عرفت لأول مرة أنه يوجد لدينا دب قطبي في حالة يرثى لها، حتى أن المبرد الخاص بقفصه تعطل ذات مرة فظل يضرب رأسه في القفص حتى تعود على الحر، لا أدري إذا كان هذا ما نُشر فعلا، أم أنني قمت بإعادة صياغته بسبب إنقطاع الكهرباء عن شقتي، لكن الخبر على أية حال ذكرني بالدب القطبي الذي شاهدته منذ سنوات في حديقة حيوانات إدنبرة باسكوتلندا، وكيف كانت يومها وقفة إحتجاجية قرب قفصه قامت بها عدة ناشطات في الدفاع عن حقوق الحيوانات طالبن بإعادته إلى موطنه الأصلي حفاظا على صنفه من الإنقراض والبهدلة، بدا لي يومها أن الدب القطبي في رقدته غير مكترث بشيئ، ربما لأنه لم يكن قلقا إطلاقا على مستقبله الغذائي فقد كان يوجد إلى جواره كميات من الأسماك المتنوعة تكفي لتشغيل (أسماك أبو حجر )جمعتين بحالهم.

 

أعترف أنني كنت من القلائل الذين لم يستجيبوا لنداء الناشطات بمقاطعة الفرجة على القفص، نظرا لما كععته في سعر تذكرة الجنينة، ولذلك حرصت على أن أتأمل في كافة أجزاء الدب القطبي الممدد مثل تبة ثلجية داخل قفصه، وهالني أن وجدت في عينيه حزنا عميقا كأنه إنتهى لتوه من قراءة قصيدة الأرض اليباب للمرحوم "تي إس إليوت"، ومع أن إدنبرة مدينة تغيب عنها الشمس بالأيام فيساعد جوها على تهييج الأحزان وأشياء أخرى لا مجال لذكرها الآن، إلا أنني لم أجد تفسيرا لأن يشعر حيوان بكل هذا الحزن إلا عندما نظرت في القفص الفسيح فلم أجد به وليفة تؤنس وحدته، فخمنت أن هذا الدب تعرض حتما للإخصاء، وإلا لما إنتابه كل هذا الحزن، فكرت أن أذهب إلى الناشطات لأتثبت من صحة تخميني، لكن عدم معرفتي بمعنى كلمة إخصاء باللغة الإنجليزية جعلني أمتنع عن الفكرة خوفا من أن يتم فهمي خطئا إذا فكرت الحديث بلغة الإشارة، فذكرت نفسي بعاقبة متتبعي العورات، وانصرفت بعد أن سددت نظرات مواساة عميقة في عيني الدب الزائغتين، داعيا له بالصبر والعوض، وداعيا لنفسي بالنجاة من رقدة كهذه يهون الموت إلى جوارها.

 

لا أدري ماذا سيكون موقف الناشطات اللواتي رأيتهن لو علمن بما جرى للدببة الثلاث في جنينة الحيوانات، للأسف أعترف أنني كنت واحدا من الذين صدقوا رواية الأهرام التي قالت أن مقتل الدببة جاء بعد معركة غرامية مشتعلة للفوز بالدكر الوحيد في القفص، ليس لأنني أصدق أن الحيوانات يمكن أن تتصرف تصرفا غبيا كهذا فعلا، فالإنسان وحده هو الذي إمتلك من رجاحة العقل ما يجعله في حالات كهذه يخترع "الثري سَم"، وليس لأنني لا أعرف موعد موسم التزاوج الخاص بالدببة الذي اعتمدت عليه منى الشاذلي في تكذيب رواية الجنينة، وإن كنت أعرف الآن إنه "مش في شهر مايو" كما يهمني أن أبلغك إذ لربما صادفك سؤال عنه في برنامج مسابقات، وإنما صدقت حكاية المعركة الجنسية لأنني قرأت أن الدببة الثلاث أمريكيات قادمات حديثا إلى مصر، لذلك قلت لنفسي يمكن أن ترتكب دببة أمريكيات حديثات العهد بمصر حماقة مثل هذه، فلو عاشت هذه الدببة فترة أطول في مصر وتطبعن بطباعها لتعلمن إن "مافيش دكر يتبكي عليه"، ولقالت كل منهن للأخرى قولة الخالة نوسة الشهيرة "خدنا إيه من الرجالة غير حلاقة الدقن"، ولكنا قرأنا خبرا تنشره الأهرام عن العثور على الدب هاني ميتا في قفصه بجنينة الحيوانات بعد أن بيّعته الدببة الثلاثة اللي وراه واللي قدامه، وجعلنه يموت بجرعة زائدة من النكد.