الثلاثاء 28 مارس 2017 6:06 م القاهرة القاهرة 24°

أحمد حنتيش يكتب: انحراف التوابيت

نشر فى : الجمعة 14 سبتمبر 2012 - 4:35 م | آخر تحديث : الجمعة 14 سبتمبر 2012 - 4:35 م

خرجت الفتاة بنت العشر سنوات لتقف بين آلاف البؤساء من أهالى الجزيرة تتابع المشهد الرهيب الذي لا يتكرر إلا كل عام، فهو اليوم المشهود الذي تعاقب فيه الآلهه من يفكر أن يعبر هذا المحيط أو تطأ قدماه حتى مياهه، ولما لا وأحكام الآلهة تحذر من العبث بذلك الأمرالذي يفتح أبواب الجحيم على الجزيرة وأهلها، وقفت الفتاة تترقب صفاً من الفتيان والفتيات الخونة، وما من لحظات وخرج الملك في موكب عظيم وأمر بوضع هؤلاء الخونة داخل توابيت لدفنهم أحياء عقابا لهم على مخالفة تعاليم الآلهة، وكانت من أحكام الآلهة أن يختار الملك أحد هؤلاء الخونة ليسكنه أول تابوت ويقود موكب التوابيت من خلال الدقات على خشب التابوت من الداخل حتى يستقر على البقعة التي سيدفنون بداخلها، ومع غروب الشمس كان الأمر قد انتهى برمته وكانت التوابيت قد استقرت داخل باطن الأرض، وعاد الأهالي إلى بيوتهم يسردون لأبنائهم كيف كان عقاب الآلهة لهؤلاء الخونة.

 

ولكن على الجانب الآخر كانت الفتاة التي رأت الأمر بعينها تفكر وهي تنظر إلى ذلك المحيط المترامي الأطراف.. لماذا خلقت الآلهة هذا المحيط ولا تريدنا أن نعبره؟ وهل هناك من ينتظرنا على الجانب الآخر من المحيط؟ وما فائدة الجلوس في هذه الجزيرة التي لا يرُى فيها إلا توابييت الأحياء وهم يدفنون؟ أسرعت الفتاة إلى والدتها لتحدثها بما تفكر به، ولكن الأم عنفتها ربما لخوفها على ابنتها، وربما لخوفها على وطنها من جحيم الآلهة.

 

مرت سنوات وأصبحت الفتاهةجميله يافعة تتهافت إليها القلوب ويتقدم رجال الجزيرة رجل تلو الآخر لخطبتها، ولكن الفتاة كانت تطلب مهراً ثمينا.. فكانت تطلب من الرجل الذي يريد الزواج بها أن يعبر المحيط، وقد علم الملك بأمر هذه الفتاة فأرسل قائد الحرس لإحضارها، وحضرت الفتاة ووقفت بين يدي الملك وكانت تتسم بالجرأة وشدة الذكاء وأخذت تجادله في شئون الآلهة، وبدأ حراس الملك وحاشيته ترتسم على وجوههم علامات الإعجاب بالفتاة، فغضب الملك غضبا شديدا وأمر الحراس أن يقبضوا عليها لكي تعاقب مثل باقي الخونة.

 

وأتى اليوم المشهود وتجمع الآلاف من بؤساء الجزيرة، ولكن هذه المرة لم تكن الفتاة تقف لتترقب "الأموات الأحياء" ولكنها كانت ضمن صفوف الخونة تترقب "الأحياء الأموات"، وخرج الملك في موكب عظيم، ربما لم يره سكان الجزيرة من قبل وأمر باقتراب الفتاة، وبالفعل اقتربت الفتاة، فقال لها الملك أنه اختارها لكي تقود موكب التوابيت للمكان الذي يدفن فيه، فابتسمت الفتاة ونظرت إلى صفوف الخونة وقالت "اطمئنوا، ربما نجد داخل التابوت ما هو أوسع من جزيرتنا"، وبعد لحظات كانوا جميعا داخل التوابيت، وحمل قائد الحرس تابوت الفتاة في المقدمة انتظاراً لدقات أناملها التي ستقودهم إلى مثواهم الأخير.

 

وبدأت الدقات تعلو من داخل تابوت الفتاة، أحيانا على الجانب الأيمن وأحيانا على الجانب الأيسر، وقائد الحرس يوجه الموكب طبقا لاختيار ساكن التابوت وجميع المشيعين يترقبون في هدوء تام أين يستقر هذا التابوت، مضى بضع الوقت والفتاة تقود موكب التوابيت إلى أن وصلت إلى الجهة التي قررت أن يدفن فيها التوابيت، وقف الجميع مندهش فربما هي المرة الأولى التي تقاد فيها التوابيت إلى هذا المكان، نعم إنه المحيط.. لقد قررت الفتاة أن تنحرف التوابيت هذه المرة عن المكان الذي تدفن فيه كل مرة، حين إذن وقف قائد الحرس ينظر للملك في دهشة ولسان حاله يقول ماذا أفعل، ولكن الملك نظر للقائد وأمره بإلقائهم بالمحيط، فألقيت التوابيت بالمحيط، ووقف الجميع مندهش وهو يرى التوابيت تستقر فوق المياه وتحملها الأمواج، ولسان حالهم يقول أين ذهبوا.. هل إلى الآلهة؟ أم إلى الجحيم؟ أم إلى مجهول أشد سوءاً؟ وما إن اختفت التوابيت عن الأعين حتى وقف الملك يهتف بين البؤساء "ها قد اختارت الآلهة لهم عذاباً أعظم من باطن الأرض" فعودوا إلى دياركم وحذروا أبنائكم!

شارك بتعليقك