قبل نصف قرن شب حريق في المسجد الأقصى وامتدت الأيادي لإخماد هذا الحريق ولكنها كانت محاولات يتيمة، وبعدها قامت جولدا مائير بعمل حديث صحفى وسألت فيه عن اسوأ يوم وأسعد يوم في حياتها، فقالت إن أسوأ يوم هو يوم حريق الأقصى لأنها توقعت أن تكون هذه هي نهاية إسرائيل نظرا لما يتمتع به المسجد الأقصى من مكانة، خاصة داخل قلوب العرب والمسلمين، وكان اليوم الذي تلا الحريق هو أسعد يوم في حياتها لأنه لم يفعل فيه العرب شئ غير المظاهرات والهتافات الرنانة ولكن بلا اتخاذ خطوات جادة لتحرير الأقصى، وهنا فهمت جولدا مائير واليهود تركيبة الإنسان العربى "بق على الفاضي" نعمل على إشعال الدنيا بعد كل حدث يجرح مشاعرنا أو كرامتنا وفي النهاية لا شئ، نكتفي فقط بالهتاف وعلو الأصوات بأقوى الشعارات التي لا ننفذ منها حرفا واحدا، والحمد لله الثورة كانت هي الاستثناء الوحيد لهذه الحقيقة.
فهل يتذكر أحد منا الشيخ عماد عفت أو مينا دانيال أو بهاء السنوسى أو شهداء محمد محمود أو الأطفال الذين ماتوا في حادث القطار، أو جميع شهداء ما بعد الثورة؟ هل يعرف أحد من قتل هؤلاء؟ والسؤال البديهي.. لماذا لم نعرف حتى الآن من قتلهم؟ أنا عندي إجابة شافية لحضرتك.. لأننا لا نريد أن نعرف، وليس على أجندة اهتماماتنا أن نعرف، فلو كنا نريد أن نعرف من قتل هؤلاء ما كنا ننساهم بهذه السرعة، فلولا أني ذكرتك بهم الآن ما كنت تذكرتهم، ولم يكن يلح عليك السؤال (من قتلهم) قبل أن ترى عينك السؤال الآن. اكتفينا حين قتلوا أن ننزل لنهتف ونصرخ قليلا ثم عاد كل منا إلى مكانه، حتى تحدث الوقعة التي تليها ثم ننزل ونهتف ثم نعود وهكذا، ويكون رد فعل الرئيس والحكومة "اعمل نفسك ميت" حتى لا يصطدم برياح العاصفة، فهو يعلم جيدا أنها سوف تأخذ وقتها وتهدأ بمفردها بدون أي تدخل.
يعلم من يحكموننا أننا ما نملك إلا الهتاف، فنحن لا نملك الإرداة حقا لتحقيق ما نهتف به، ولكن نجد في الهتاف شئ يريحنا نفسيا بمعنى أصح (بنحب نفضفض بس)، ويعلم جيدا أنه لن يحدث شئ غير الهتاف ثم يعود كلا منا إلى مكانه، يتعاملون معنا كما تعامل المخلوع مع الثورة، كان التعامل على هذا المبدأ (شوية عيال حتهتف شوية وتنضرب وتروح)، ولكن حين تملكتنا الإرادة بأن نحقق ما نهتف به فتحقق، قومنا بالتجربة ونجحت، أرادنا جميعا تحقيق حلم واحد فتحقق، فلماذا لا نمارس نفس التجربة مرات كثيرة مادامت أثبتت نجاحها، فمن يقوم بتجربة وتفشل يقوم بتكرارها حتى تنجح، فما بالك بمن قام بتجربة ونجحت ولكن لا يفعلها مرة ثانية.. سأترك لك تسمية ذلك.
لا أريد أن أثقل على نفسي وعلى حضرتك الهموم، ولكن لابد أن نقابل سياسة اعمل نفسك ميت بسياسة (نعم نحن نستطيع) بما فيها من إرداة للتغيير، كانت غلطة العمر للثورة عندما تركنا الميدان قبل أن تكتمل الثورة وتكتمل ملامحها، وفي كل مرة يكون في أمل أن نجتمع على كلمة واحدة، وأن الحلم سيكتمل- لا يمر الوقت طويلا حتى نعود مرة أخرى إلى فرق متناحرة، فهناك من يطلب بثورة جديدة، وهناك من يريد الهدوء لكي نعطي الفرصة لمن يحكم.
وعندما هدأت الأمور وأخذوا فرصتهم جاءت المصائب تلو الأخرى، وانكشفت عورة مصر للجميع، وتلاشت من داخلنا الثقة، وأصبح التخوين هو القاعدة الأساسية في التعامل، أصبحنا بلد الكلام الفارغ.. الفارغ من المصداقية، والفارغ من كلمة حق، والفارغ من الاحترام. الثورة كانت حلم، ثم هدف، ثم واقع تحقق، ولكننا للأسف قتلنا الحلم مع كل شهيد يقتل، وانحرفت أهداف الجميع إلى اللهث وراء كراسي ومناصب، وواقع مؤلم من إهانة لكرامة المصريين يعد ثورة كانت أهم أهدافها الكرامة. وللأسف الجميع يسير بنفس المبدأ اعمل نفسك ميت، ولا نعلم متى يفيق هذا الميت مرة أخرى ليعلم أن الثورة لم تكتمل. متى يفيق هذا الميت وتعود له روحه التي تشتاق بالفطرة إلى الحرية؟ متى يتمرد صاحب الموت المزيف على سلبيته ويترك لنفسه الحرية في أن يكون عايش ليصطدم بواقعه وليجعله أفضل؟ فلا يموت إلا بأمر الله وليس هروبا من الواقع. أتمنى أن ننتقل إلى سياسة الحق حق أن يتبع.