حادث جديد بالبدرشين وقطار للموت يحصد أرواح أكثر من تسعة عشر ويصيب ما يزيد عن مائة وسبعة عشر ابنا من أبناءنا. وجرحا جديدا ينكأ جراحا دامية لم تندمل بعد. حادث يضاف لجملة حوادث القطارات وآخرها حادث تلاميذ المدارس بأسيوط الذي راح ضحيته أكثر من خمسين من أبنائنا, زهور بريئة لم يرتكبوا جرما ولم يسعوا إلى فساد, ولكن الفساد والإهمال هما اللذان سعيا إليهم، وحصدوا أرواحهم في ثواني معدودة.
وها هو الفساد يستمر والإهمال يتفاقم وحادث مشابه وقطار موت آخر يقتل أبناء لنا خرجوا بشبابهم ملبين نداء الوطن لتأدية الخدمة العسكرية مدافعين عن بلدهم, خرجوا وكلهم أمل وحياة رافعين نداء الواجب وحاملين أرواحهم فداءا لوطنهم, تركوا بيوتهم وكل منهم وراءه قصة وحكاية, وأهل أفنوا حياتهم ليروا أبنائهم رجالا يذودون عنهم ويكونوا لهم عونا على الدهر وغدر الأيام. ويذهب الأبناء وينتظر الآباء عودة أبنائهم لتعود لهم أشلائهم جثث ممزقة وتكفن بقاياهم وتواري التراب، ويضيع حلم أهل ومستقبل وطن. وآهات وحرقة قلب ودموع تنساب, وصرخات عالية تنطلق مدوية لأما ثكلى وأبا مكلوم.
حادث يعقب حادث ويتساقط أبناؤنا ضحايا فساد ناشب مخالبة وإهمال متعمقة جذوره، ليس إهمال بل إجرام, فمن يفعل ذلك بأبنائنا فقد أجرم ولابد من معاقبته, والعمل على ملاحقة من استباحوا دماء أولادنا ووقفوا بعين باردة وقلب ميت يتلقون العزاء ويدلون بتصريحاتهم الاستفزازية ويلقون بالتبعية على عامل مزلقان وسائق قطار، وينسلون أيديهم الملطخة بالدماء من هذا الجرم المتكرر.
لقد سئمنا وعودا مكررة بالإصلاح, ويأسنا من إهمال صار هو الأساس, وصبرنا على فساد أصاب كل ما حولنا، ومفسدين ملأوا علينا حياتنا. صبرنا حتى نفذ صبرنا على من تولوا أمرنا ولم يراعوا الله فينا وتركونا نهبا للإهمال والفساد -- لم يصلحوا ولم يقدموا الحلول ولم يحاسبوا وتركوا البلاد مرتعا خصبا لكل من تسول له نفسه أن يعيث في الأرض فسادا.
أتسائل مع من يسأل.. أين الوزراء وأجهزتهم التنفيذية؟ أين الإصلاح؟ أين القائمين على هذا البلد؟ لقد سئمنا اللامبالاة والاستخفاف بأرزاق وأرواح المصريين, لقد أملنا أن يتغير الحال ويتولى أمرنا من يحفظ دماءنا وأرواحنا وأرزاقنا وكرامتنا, وها نحن نعود لنقطة البداية ودماءنا تسيل رخيصة وأرواحنا يحصدها إهمال وفساد وجوع وخوف بادي فى الأفق, ويذهب ما تبقى من كرامتنا وأملنا في عيشة كريمة وحياة آمنة.
مقولة ناجزة لسيدنا عمر بن الخطاب وهو على رأس الدولة الإسلامية منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام (لو أن بغلة في العراق تعثرت لخشيت أن يسأل عنها عمر, لماذا لم يعد لها الطريق) بهذا القدر عرف مسئوليته وتحملها كاملة منذ توليه الخلافة, ولم يلقِ تبعية الإهمال والفساد على كفار مكة ولا ملحدي الفرس والروم وبلاد الفتح الجديدة. دولة وليدة تملأها القلاقل الداخلية وتحيط بها الفتن والمؤامرات الخارجية, ويتولى سيدنا عمر الخلافة ويقسوا على ولاته، ويشتد في حسابهم، ويحارب الفساد، ويبني دولة مترامية الأطراف، ويعضد أركانها. هذا إسلامنا.. عمل لا قول, منجز لا معجز، مسئولية لا عنجهية, لقد سئمنا تكرار كلمات الاستفزاز عن امتداد فساد نظام سابق, وتعويضات هزيلة لدماء وأرواح غالية, ومشاركات وجدانية إعلامية، وحداد عام فقد معناه مع تكرار حوادث قتل الأبرياء، وكأنه يسدل ستارا لحادث انتظارا لحادث جديد.
فالمسئولية واجب وعمل، وكل مسئول غير قادر على القيام بواجبه وتحمل تبعات مسئوليته فعليه التخلي عن موقعه, فهذه مقدرات شعوب وأرواح ودماء أبرياء تسيل، وهي أمور جد لا تحتمل هزل.
بح صوتنا بالمطالبة بالإصلاح ومحاسبة المقصرين الحقيقين في هذه الحوادث المتكررة ليرتدع من تسول له نفسه الإهمال في عمله، والفساد في مرافق الدولة التي تخدم بسطاء الوطن اللذين يتخذوا القطار وسيلة لانتقالهم من مكان لآخر, فلتكن المحاسبة لمن أجرم وتسبب في هذه الكارثة محاسبة قانونية وشعبية باسم هؤلاء الضحايا اللذين فقدوا أرواحهم بلا جرما جنوه سوى إيمانهم بوطنهم والقائمين عليه، وتسليمهم أرواحهم ليحافظوا عليها فإذا بهم يوردوها التهلكة ويلقوا بهم تحت عجلات قطار الإهمال والفساد ليلاقوا ربهم شاكين ظلمهم وحال وطنهم وأولياء أمور تخلوا عن مسئولياتهم وباعوا ضمائرهم.
فقد قمنا بثورتنا وأردناها خنجرا ضد الفساد فارتد خنجرها إلى صدورنا وغرس نصله المسموم في قلوبنا، وبتنا ضحايا آمال قمنا بثورة لتحقيقها, فلعنة الله على كل من تسول له نفسه فسادا وظلما لأهل وأبناء هذا البلد الطيب, وحسبنا الله ونعم الوكيل.