حركات كثيرة ظهرت وتوارت، كل مجموعة تحاول البحث عن من يحملون نفس الفكر، وتحاول تجميع شتات هذا المجتمع الذي فككته الثورة وحولته إلى أكثر المجتمعات تباينا في العالم، على الرغم من أن أهله يحملون نفس التاريخ ويتكلمون نفس اللغة.
أصبحت لا تتعجب حين تجد أسرة واحدة تختلف فيما بينها على تأييد أو رفض الإخوان وسياساتهم، وقد يتطور النقاش إلى شجار. الكل أصبح يتبنى سياسة البلطجة في فرض الرأي، حتى استعمال الدين في إثبات أو رفض الرأي هو نوع من البلطجة واستعمال سلاح لا يستطيع أحد معارضته إلا ووصم بالكفر.
إن حركة تمرد تسعى إلى إثبات عدم رضا الغالبية العظمى من الشعب عن حكم الرئيس محمد مرسي، وهي تعمل بمبدأ سلمي محترم. وحركة تجرد هي مجرد "مسخ" خلقه الإخوان لمحاولة مواجهة هذا الطوفان الكاسح من الرفض الذي فوجئوا به في الشارع، وكلاهما للأسف لن يستطيع إثبات أو تغيير شيء من الأمر.. ليس لضعف الهدف أو لعدم إيمانهم به، ولكن لقلة العدد.
الحركة مهما حاولت جمع توقيعات ومهما زاد عدد مؤيديها لن تصل إلى العدد الكافي لتغيير واقع. الرهان الآن على حزب الكنبة، الغالبية العظمي من الشعب المصري الذي يجلس في البيوت ولا يتحرك بسهولة.
فحركة كفاية، الأخت الكبرى لحركة تمرد، والتي واجهت النظام السابقن لم تستطع إسقاطه منفردة، لم تسقطه إلا بعد انضمام عموم الشعب لها في ثورة شعبية في المقام الأول.
وحزب الكنبة أو الصامتون في رأيي هم أكثر من في مصر الآن فهما للسياسة، حتى ولو لم يبدوا ذلك واضحا للعيان، فهو فهم غير متحيز، وإن تحيز فهو تحيز للواقع الذي يعيشونه، ورغبة في الإصلاح بغير هدف شخصي.. لأنه ببساطة أي إصلاح سوف ينعكس على حياتهم اليومية، وهو ما يريدونه.
إن الحركات والأحزاب السياسية تختزل الصراع اليومي بينها في أسئلة غير محورية.. هدفها إسقاط التهم التي قد تطولها بالتسبب في المشاكل وإلصاقها بالآخر، حتى دون أن تفكر في حل لها.. نوع آخر من البلطجة التي سادت المجتمع في كل مكان بدءاً من فوضى المرور وانتهاءًا بمجلس الشورى.
منهج البلطجة والهجامة المفروض علينا الآن يريد أن يختزل قضايا الأمة المصرية في أسئلة من قبيل «أيهما كان على حق عبدالناصر أم الإخوان؟» و«من المسئول عن كارثة سد النهضة مرسى أم مبارك؟»، و«من الأفضل.. الإخوان أم نظام مبارك؟».
المؤشرات كلها الآن تصب في مصلحة التمرد.. فالحركة تغازل حزب الكنبة وتجد قبولا منه غير مسبوق. والإخوان يعملون أيضا على زيادة هذا القبول بفشلهم المستمر في إدارة الدولة.. فيضيفون نقاطا للحركة غير عامدين.
الرهان الآن على الأغلبية الصامتة الملقبة بحزب الكنبة، فهم أعمق الناس فهما للسياسة، وأكثر الأحزاب تأثيرا على الإطلاق. لكنهم لا يتحركون بسهولة، فالنصر حليف من يحركهم من منازلهم للمطالبة بما لهم. السؤال الأكثر أهمية الآن هو.. من يستطيع تحريكهم؟