الإثنين 26 يونيو 2017 5:54 م القاهرة القاهرة 35°

محمد إسماعيل سلامة يكتب: قضا أخف من قضا

نشر فى : الأحد 16 ديسمبر 2012 - 10:55 م | آخر تحديث : الأحد 16 ديسمبر 2012 - 10:55 م
محمد إسماعيل سلامة
محمد إسماعيل سلامة

سيقر الدستور لا محالة، ولكل معارض غفوة حقيقة لأمر هام جدا، أن المواطن المصري البسيط يؤيد ويعارض، ويأخذ ويعطي، إلا فيما يتعلق بالدين، أغلبنا – بلاشك – حساس ومتعصب جدا إذا تعلق الأمر بالدين الإسلامي، الأمر الذي ينقلنا تلقائيا إلى تصور واضح وسؤال واحد، أما التصور فهو أن أي فئة أو جماعه أو شخصية عامة تظهر بمظهر الدين بحيث تنجح في إقناع غالبية الشعب بذلك هي فئة ذات ثقل ولا يمكن تجنيبها سياسيا في أي وقت سابق أو لاحق، أما السؤال فهو حتما.. هل تمثل التيارات الدينية –وبحق- الدين الإسلامي؟ في وجهة نظري الإجابة هي (لا)، لأكثر من سبب.

 

أولا: أن الدين الإسلامي لديه قوانينه المكتوبة في القرآن والسنة، والتي لم يجرؤ أحد أن ينادي بها منذ سقوط الخلافة العثمانية في تركيا، ولكل دولة أو نظام حكم في العالم الإسلامي عند تطبيقه لهذه القواعد مخالفات صريحة لمقتضيات العدل في تطبيقها، فالسعودية لم يسمع بها من قبل أن جلدت أميراً وإن سرق وزنا! فالتطبيق ليس كما تنص الشريعة.

 

ثانيا: إقرار المؤسسات الدينية الرسمية للحكم بغير ما أنزل الله من قوانين وضعيه حتى أن الأزهر يدرس في كلية واحدة الشرع الإلهي الواجب التطبيق، والقانون الفرنسي الوضعي، في كلية جمعت باسمها هذا التركيب (كلية الشريعة والقانون) ثم يغلب كغيره من مؤسسات الدولة أحكام القانون الوضعي على الشريعة الإلهية حتى أن جميع أساتذة القانون في الأزهر يعملون كمستشارين أومحامين بالمحاكم المصرية التي تعتمد القانون الفرنسي لا الشريعة.

 

ثالثا: تناقض الخطاب الديني في مستوييه الرسمي والشعبي، فتجد الشيخ في المؤسسة الرسمية يقضي بغير حكم الله إتقاءا للحاكم، وتجد الشيوخ على المنابر يستخدمون حمية الدين لنصرة طائفة معينة يتبعونها دون غيرها وإن لم تكن على صواب مما أفقد الناس ثقتهم في رجل الدين وخلق قناعة لدى معظم الناس بأن الدين نفسه يحمل من التناقض ما يمنع من أن يكون نظاما للحكم وهو أمر خطير يحمل وزره الكثيرون ممن ألبسوا قواعد الدين ثوب حزب أو طائفة على حسب أهوائهم والدين أعم وأشمل من ذلك. هذا بالإضافة إلى التناقض الظاهر بين فتاوى الحل والحرمة وللمظاهرات والثورات أحكام متناقضة جدا بين شيوخ الفئة الواحدة والمذهب الواحد في عالمنا اليوم، فتجد السلفي الذي ينضم إلى حزب النور السلفي ويقيم المظاهرات وتجد السلفي الذي يحكم بالكفر هكذا أعمال!

 

رابعا: ابتعاد الخطاب الديني بكل مستوياته – مؤخرا – عن لغة الوسطية والإقناع ونهج التشدد ونبذ الآخر بغير مسوغ مما سمح لمجموعات وأشخاص كثر بالظهور وترويج فلسفات ومعتقدات غربية تحمل في ظاهرها المساواة والحرية وليست كذلك من الباطن حيث أن هدفها الدائم وغير المعلن هو إسقاط الدين نفسه. كمقيد للحريات وليس ظهوره بهذا الشكل إلا وزرا تحمله المؤسسات والشخصيات الدينية التي تؤثر بالمجتمع سلبا لا إيجابا بما أشرنا له من نقاط سابقة. وللأحداث اليوم أبلغ المثل في هذا الأمر .

 

أما لماذا سيقر الدستور برغم ما نقول، فهو يستفاد مما أشرنا له من نقاط، التنظيمات التي تنتهج الواجهة الدينية لها هي الأكثر حشدا للجماهير والأكثر تأييدا منهم حتى الآن. وذلك ليس وليد اليوم، فإن بقاء الشعب المصري تحت وطأة الأنظمة المستبدة والتي كانت في عدائها للتنظيمات الدينية من أشرس ما تكون هي الأساس الذي تكسب به هذه التنظيمات تعاطف الناخب اليوم، ويجعلها في المقدمة.

 

كما أن الأنظمة السابقة أسقطت المواطن من حساباتها لطول بقائها في الحكم واستخدام الشرطة في قمعه مما كفل للتيارات الدينية كسب المزيد من التعاطف، ومع استبداد السلطة والتقدم التقني وتواصل الأجيال الجديدة كانت الثورة نزفا شعبيا بلا قائد أو توجيه، ولم يكن للثورة من خيار إلا تجربة تلك التيارات كخيار وحيد في مقابل عودة النظام السابق متمثلا في أحد رجاله كرئيس وجمهور جمعته مصالحه مع النظام السابق أو كرهه للتيار الديني أو الدين نفسه.

 

ومن منظور آخر.. فإن الطبقة المقربة من النظام السابق، والتي على قائمتها الإعلام، تستخدم بذكاء جميع سقطات التيارات الدينية في النيل منهم في الظاهر ومن الدين في الباطن بحكم أن أبسط قواعد الدين حال تطبيقها تهدد مراكزهم الإجتماعية وأشغالهم التي تتعارض كثيرا مع الدين لا مع التيار الديني الذي يفشل حين بعد آخر في تمثيل الدين الإسلامي التمثيل الأمثل. وسقطات التيار الديني تلك هي ما تجعل التمويل الغربي لصد المد الإسلامي في الشرق الأوسط أيسر وأسهل بحسب أنه تمويلا للحريات، ودعما لقضايا المرأة، وليس تمويلا لمقاومة حكم إسلامي في الشرق الأوسط يهدد بطبيعته المصالح الغربية، كما تقوّى كثيرا الإعلاميون والنخب والمجموعات والأشخاص أصحاب المعتقدات الغربية بالإضافة إلى أصحاب المصالح المرتبطة مع النظام السابق وأصبحوا جميعا جبهة وكتلة واحدة في مواجهة التيارات الدينية التي تفلت زمام الأمور من أيديها في كل مرة يظهر منها للشعب المصري ما يخالف معتقدها ومرجعيتها الصرفة للدين الإسلامي. لأن الممارسة السياسية تتطلب تنازلات في حين أن قواعد الدين لا تقبل تنازلا ولا مساومة عليها.

 

وهذه هي إشكالية الجمع بين الحزب السياسي والطائفة الدينية، والتي تضع كافة التنظيمات الدينية في مأزق كبير أمام كتلة تملك المال والإعلام والدعم الغربي والتغطية الممتازة أمام العالم، من دعم الحريات والمساواة.. إلخ.

فماذا نفعل؟

أنطلق من هنا لأثبت أن هذه الحيرة نفسها هي أكبر دليل على فشل التيارات الدينية في انتهاج قواعد الدين الصحيحة للوصول إلى حكم عادل بمرجعية دينية سليمة، ولولا أن نهجها يشوبه الغموض والتردد بين الحل والحرمة والقبول والرفض لأمور قول الشريعة فيها واضح وبين ولا يقبل التأويل لما تشكك الناس اليوم في تلك التيارات بأنها تعمل لمصالح أفرادها. فدارت المظاهرات بين الحل والحرمة والاحتكام بالقوانين الوضعية بين الأخذ بالواقع والتدرج وبين الثبات على الكتاب والسنة وعدم الاعتراف بغيرههما.

 

فالتبس الأمر على الناس فضلا عن وقائع وقع فيها المنتمين إلى هذه التيارات الدينية مما يعاب في مجتمعنا العربي على صاحبه، كتجميل البلكيمي أنفه وادعائه الاعتداء عليه، وضبط النائب الآخر وهو شيخ على جانب الطريق مع فتاة في سيارة دون رباط شرعي!

إلا إننا في الوقت نفسه نرى تحالفا يساريا غربيا يضم أكبر حلف سياسي بعد الثورة ضد تلك التيارات الدينية، وهنا تحديدا نرى أنه إذا كان رفض التيار الديني سيعني دعم ذلك الحلف فإنه خيارا كارثيا لكل شاب شارك في ثورة يناير أو قاوم طغيان الدولة بشكلها القديم، فنظرة واحدة لذلك الحلف تخرج منه برجل الأعمال الفاسد، والسياسي صاحب المصالح الغربية، والراقصة، ومنتج الخمر، والداعي لمعتقدات غربية وبدعم غربي، علاوة على تمسك رجال الإعلام بمراكزهم وأشغالهم التي هي ضد الدين على طول الخط.

 

لذا.. فإن ذات الإشكالية التي أدت إلى حكم الإخوان المسلمين بدعم شعبي كسبته لمجرد رفض الثوار الرجوع إلى حقبة النظام القديم، تظل قائم ويظل بديل التيارات الدينية برغم أخطائها الجسيمه هو حلف يمثل أشخاص ومجموعات هي أسوأ مما كان عليه النظام القديم بمراحل. ومن هنا تظل التيارات الدينية هي الخيار المتاح، والأقرب إلى تجديد الدم في عروق الدولة، والقضاء على نظام مستبد فوضوي يملك رجاله وحدهم ثلثي ثروات الشعب على أقل تقدير.. حتى اليوم.

 

وعلى هذا.. فإن انتخاب الشعب المصري محمد مرسي رئيسا لم يكن حبا بالإخوان المسلمين أكثر مما هو كره لأحمد شفيق رجل النظام السابق، ويظل حرصنا على بقاء وتماسك التيارات الدينية ضد أحلاف المال والإعلام وأصحاب التمويلات الغربية ليس قناعة بصدق التيار الديني في تمثيلة للإسلام بقدر ما هو صد لتلك الأحلاف المدعومة من الخارج والداخل الذي يرى في الدين تهديدا لمصالحه، ويرى المواطن البسيط أميا جاهلا لا يرقى للصفوة وصوته لاغيا! فتظل تلك التيارات على سقطاتها كما يقول المثل الشعبي "قضا أخف من قضا"!

شارك بتعليقك