روماني فايز فهمي: صورة عبد الناصر - منبر الشروق - بوابة الشروق
الإثنين 18 مايو 2026 12:28 م القاهرة

روماني فايز فهمي: صورة عبد الناصر

نشر فى : الأحد 17 فبراير 2013 - 12:40 ص | آخر تحديث : الأحد 17 فبراير 2013 - 12:40 ص
جمال عبد الناصر
جمال عبد الناصر

سنوات عمري لم تتجاوز الثلاثين بعد، ولكنني رأيته. لا أعرف أن عدد أولئك الذين عاشوا نفس تجربتي معه منذ الصبا، ولكنها تجربة بطول حياتي وعرضها وعمقها أيضا!

رأيته في بيتنا البسيط القابع في عمق الصعيد، صورة كبيرة لوجه مبتسم، ملامحه مريحة رغم الشجن والمرارة التي تطل من عينيه، معلقة في (المندرة) وهي غرفة الاستقبال وقاعة المناسبات وقت اللزوم عند أهل مصر العليا.

 

لم أكن في صغري أعرف صاحب هذه الابتسامة الممتلئة بالأسرار ومالك تلك الحظوة في صدر أبي وفي صدارة قاعتنا. وتزيد حيرتي كلما زرت جدي – رحمه الله - في بيته العتيق، وكنت في دراستي الابتدائية حين توفي وكان هو في عامه السادس والتسعين، لا أكاد أذكر كلمة واحدة من حواراتنا الكثيرة ولكن شيئاً واحدا لا أستطيع أن أمحوه من ذاكرتي ما حييت، صورة أخرى لنفس الوجه المبتسم في بيتنا ولكنه في بيت جدي لا يبتسم، بل ينظر في تحدٍ إلى الأمام وكأنه يسابق زمنه! وجه ممتلئ بالأمل والنضال رغم نفس الحزن في عينيه. كانت الصورة في بيت جدى تجذبني بشكل خاص فأظل طوال جلستي هناك معلقا عيني وقلبي إليها كما إلى جدارية فرعونية في معبد أحاول سبر أغوارها وفك طلاسمها.

 

كانت الصورة بلا إطار يحدها وبلا زجاج يحميها.. كانت مجرد ورقة منتزعة من مقدمة كتاب، ظلت تتحدى عوامل الزمن واختلافه ولم يمنحها إلا لونه الأصفر! ولكن الصورة في بيت جدي كانت تفصح عن صاحبها بعبارة كانت تقبض قلبي كلما وقعت عليها عيني.. "في ذمة الله الزعيم جمال عبد الناصر"، كنت أحاول أن أتجنب قراءتها ممعناً النظر في عين الزعيم الحزينة وفي أنفه المشرئب!

 

ورغم أنني فهمت فيما بعد سر غموض النظرة وسر كبرياء الأنف وسر حنو الابتسامة، إلا أن سراً آخر لم أفهمه.. لماذا ترك أبي وجدي هاتين الصورتين في مكانيهما كل هذه السنين؟ ألم يعلما بأنه قد مات وأن رئيسين اثنين قد تقلدا الحكم بعده؟ أم أنهما لم يردا أن يعلما؟ أم أنه وقع الصدمة الهائلة مازال أثره كامناً في نفسيهما يمنعهما من التصديق؟! أم أن حال مصر بعده لم يمنح أحدا الجرأة لينزع صورته من حائط البسطاء وقلوبهم ليضع صورة آخر؟! أمي لا تزال تذكر جنازته الرمزية في قريتنا وتروي لنا مشاهدها كأن رئيساً آخر لم يمت في مصر. أبي يروي عن رحلاته إلى القاهرة في شبابه وعن الميادين التي تمتلئ بالبشر ترنوا آذانهم إلى صوت عبد الناصر وتشرأب أعناقهم لرؤيته، وكأن أحداً لم يخطب في شعب مصر بعده!

 

توفي جدي، وذهبت إلى مدرستي الثانوية. تركت قريتي والسؤال لم يتركني أبدا.. لماذا لم يمت عبد الناصر؟!

مدرسة الشهيد عبد المنعم رياض الثانوية بسوهاج هي وريثة مدرسة الجهاد المنشأة في عهد عبد الناصر. ولحسن حظي كانت وريثة مكتبتها أيضا! قرأت فيها جل روايات توفيق الحكيم وطه حسين ونجيب محفوظ وعباس العقاد. قرأت فيها للحكيم رواية "عودة الروح" التي شكلت كثيرا من وجدان وعقيدة عبد الناصر قبل الثورة، وقرأت له "عودة الوعي" الذي ينتقد فيه عهد عبد الناصر بعد رحيله. قرأت كتاباً ضخما لكاتبة غربية - لم أعد اذكر اسمها – اسمه "جمال عبد الناصر في طريق الثورة" وتعجبت كيف يكتب الغربيون بكل هذا الانبهار عن عدوهم الأبرز في الشرق!

 

قرأت لعبد الناصر نفسه كتاب "فلسفة الثورة" ورأيت كم كانت أحلامه عريضة وتطلعاته عظيمة وكم كانت ثقته في شعب مصر وفى العرب بلا حدود. قرأت للسادات "يا ولدي هذا عمك جمال" واعترافه بنزعة عبد الناصر إلى تحقيق الديمقراطية الحقيقية وهو الحلم الذي لم يستطع تحقيقه لأسباب كتب عنها الكثيرون بين مؤيد ومعارض.. ترى هل أحبه المصريون لأنه الوحيد الذي لم يتعالى عليهم، من كان يعتبرهم الترمومتر الحقيقي لقياس صحة توجهه، الوحيد الذي شعر بآلامهم وخاطب احتياجهم الحقيقي وحلم أحلامهم وتكلم بلغتهم وعاش بينهم؟ الوحيد الذي تواصل مع الأحرار في كل قارات العالم وساندهم وناصر قضاياهم العادلة بلا خوف أو مواربة أو تواؤمات سياسية جوفاء مملوءة بالرياء لمن لا يستحق؟ ربما.

 

رأيت مقاطع فيديو وصوراً وقرأت شهادات موثقة لمن عايشوا قصة بناء الكاتدرائية الكبرى بالعباسية، وتأملت تفاصيلها. كيف وقر في يقين عبد الناصر أن بناء كاتدرائية تليق بالكرسى المرقسى السكندرى العريق وتليق بقر بطريرك الكنيسة القبطية، ليس تمجيدا لدور الكنيسة المصرية فحسب، ولكنه تمجيدا وتأكيدا لدور مصر الحضاري الذي استنارت به جميع الأمم، تأملت معنى أن يجلس الراحل البابا كيرلس السادس في منزل عبد الناصر ويفتح أبناء الزعيم (حصالتهم) ويفرغون ما فيها من نقود بسيطة في منديل البابا تبرعاً ومساهمة في بناء الكاتدرائية، أن يمسك عبد الناصر بيد البابا في يوم الافتتاح ويستند عليه أثناء صعود سلالم الكاتدرائية ويسر إليه بألم ركبته، ثم يرسل قوات الحرس الجمهوري لتفسح طريقاً لسيارة البابا بين حشود المواطنين المحيطين ببيته يطالبونه بإلغاء قرار التنحي. فيحمل له البابا رجاء أبناء شعبه إلى الزعيم بأن يبقى فهو الأمل في النصر على رأي أم كلثوم وقباني.

 

هل عاش عبد الناصر في قلوب البسطاء لأنه دعم الوحدة الوطنية بالفعل والإحساس والصدق لا بالكلام الذي لا رصيد له من الحب؟! هل لأنه استحق أن يرى مريم العذراء وهي تتجلى في كنيسة الزيتون لتمسح دمعة النكسة من عينه فأمر بتحويل جراج هيئة النقل العام بالزيتون إلى كاتدرائية فخمة تروى حتى اليوم عن تأييد سمائي لصدق الرجل وإخلاصه مهما كانت عقيدته.. ربما.

 

لا أستطيع أن أحصى ما سمعته وقرأته من حكايات تشبه الأساطير عن إحساس الرجل بهموم شعبه ورفضه التميز عنهم بأي شكل ولا أن ينسحب رغد الرئاسة وبهرجته إلى أفراد أسرته وإلى بيته.. أؤكد لك أنني رأيته في أنين كل الفقراء والمهمشين في بلادنا.. أبي وجدي لم ينعما بفدادين الإصلاح الزراعي التي وزعها جمال على الفقراء، ولكن ياصديقي.. للحب أسباب أخرى!

 

كبرت وعرفت أكثر أن عبد الناصر فشل كثيرا وأخطأ كثيراً وضيع الكثير من الفرص.. ولكن ما يستحق الدراسة والتأمل في تجربته كثير جدا جدا.. وأهمه في نظرى هو أن معه نفض الشعب المصري عن نفسه كثير من التشوهات والعادات التي اكتسبها على مر عصور الاحتلال المتتابعة. فتنحى عن السلبية واتجه إلى البناء بقوة والعمل بحماس شديد وانطوى تحت لواء النهضة الحقيقية الصادقة التي أطلقها بعد الناصر في مجالات الصناعة والزراعة والعلم والثقافة والفن، وجعل الكثيرين من سجناء الرأي في عهده ينسون سجنهم والظلم الواقع عليهم ويؤيدون الحلم والهدف الذي رسمه عبد الناصر في آفاقهم في ظاهرة غريبة لم تتكرر في مكان آخر، أن يتضامن المسجون مع سجانه في سبيل الهدف الأكبر والحلم الأوسع.

 

ولعل من أكثر ما يؤرق ناقدي عبد الناصر وأعدائه، من أول الجماعة المحظورة في الداخل وحتى الدولة العنصرية في الخارج، هو أن الشعب المصري كسر مع ناصر قاعدته التاريخية "مات الملك.. عاش الملك" فلم يكن التفاف الجماهير حوله انبهاراً مؤقتا بانتصار ظاهري ولا كان خوفا من القمع والترهيب كما يروجون.. بل إن المصريين التفوا حوله في وقت نكسته وتنحيه أكثر من وقت انتصاره.. والملايين التي ذهبت وراء جنازته التاريخية وبكت عليه بدموع القلب تخطت أضعاف المستمعين لخطبه النارية في عنفوان حكمه!

 

وأخيراً، لم أتعجب حين خرجت صورته مع ملايين المصريين في ثورة العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، فهذه المفردات باقية في أذهانهم منذ أن سمعوها للمرة الأولى من عبد الناصر.. وهذه الصورة التي خرجوا يحملونها ليست جديدة ولكنها كانت معلقة منذ عشرات السنين على جدران منازلهم وبين خفقات قلوبهم وما لحقها من الزمن سوى صفرته التي زالت هي الأخرى أمام سيل الدماء الذكية لشهداءنا وتجدد معها شباب المصريين وأملهم.

شارك بتعليقك