لقد أقام سيدنا محمد – صلى الله عليه وسلم – دعائم الأمة الإسلامية، على قوانين حضارية متقدمة، لم يعرفها العالم إلا في وقت متأخر.. ومن تلك القوانين "قانون المعاملة بالمثل" فهو ببصيرته النافذة أراد أن يحفظ للأقليات المسلمة في العالم حقوقها في الدول غير المسلمة على المدى البعيد، فحفظ للأقليات غير المسلمة حقوقها في الدولة الإسلامية بطريقة لو طبق معها قانون المعاملة بالمثل، لصار المسلمون في الدول الغربية في حالة يحسدهم عليها المسلمون في الدول الإسلامية.
وليتأكد لنا هذا الكلام بالبرهان القطعي، فلنرهف السمع عبر التاريخ لنرى كيف حفظت الشريعة الإسلامية حقوق غير المسلمين بطريقة مثالية، يندر أن يوجد مثيل لها في القوانين العصرية، حيث جعلت لهم حقوقاً على المستوى الحكومي وحقوقاً على المستوى الشعبي. ولا شك أن الحقوق على المستوى الشعبي أكثر فاعلية وإيجابية، لأن احتكاك غير المسلمين سيكون أولاً مع الشعب المسلم قبل الحكومة، فإذا لم يكن هناك مناخ من المودة يسود المعاملات، فلا شك أن إقامة غير المسلمين سيكون من الصعوبة بمكان، مهما سنت الحكومة من قوانين أو أعطتهم من امتيازات.
ويؤكد منهاج الرسول – صلى الله عليه وسلم – في هذا الصدد أن الإسلام لا يعرف العنصرية، ولا يعرف التحزب والتشيع، فهو دين العدالة والمساواة والحرية والسلام الاجتماعي والرحمة مع جميع الأجناس، وهذا يتفق مع عالمية الدعوة الإسلامية إلى قيام الساعة، وحرص الشريعة على تحقيق الوحدة السياسية للأمة، بالحفاظ على الاستقرار الاجتماعي والسياسي.
كما احترم الإسلام جميع الأديان السماوية، وأرسل الله تعالى سيدنا محمداً – صلى الله عليه وسلم – خاتماً للأنبياء والمرسلين، ومصدقاً لجميع الرسل الذين كانوا قبله.
وما دام كل مسلم مأمور أن يؤمن بجميع الرسل السابقين وبجميع الكتب السماوية، فلا يكون لديه تعصب، ولا كراهية لدين آخر أو نبي أو رسول، ولا كراهية ولا حقد على أحد من أتباع الأديان الأخرى. ولا يحجر الإسلام على أحد ولا يكره أحداً على الدخول في عقيدته.
موقف الإسلام من غير المسلمين في السلم:
من سنن الله في المجتمع البشري: أن يتجاور فيه مختلف أهل الملل والنحل. كما يتجاور فيه أهل مختلف الألسنة والألوان وهم جميعاً أخوة وإن تباعد بمعاني الأخوة الإنسانية طول الأمد بين الأصول والفروع. وهذه الأخوة الإنسانية هي الأساس الذي تقوم عليه علاقات الناس إذا اختلفت بهم أو تباعدت بينهم روابط الحياة الأخرى من قرابة أو مواطنة أو دين.
ومن أهم ملامح العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين في حالة السلم النقاط التالية:
أولاً: حريتهم في اختيار عقيدتهم؛ فالإسلام يرفض إكراه الناس على الدخول في عقيدة لا يرتضونها. فالإنسان حر في اختيار عقيدته.
ثانياً: حرية ممارسة العبادة وضمان سلامة دورها.
ثالثاً: حقهم في الأمن على أنفسهم وما لهم وعرضهم.
رابعاً: حقهم في المعاملة الحسنة وحسن العشرة.
خامساً: العدل في معاملتهم ورفع الظلم عنهم حيث إننا جميعاً أمام القانون سواء.
سادساً: حقهم في رحمة الراعي على الرعية: وهذا الحق لم يعرف إلا بعد بعثة الرسول – صلى الله عليه وسلم – رحمة للعالمين.
سابعاً: حقهم في الوفاء بالعهد.
ثامناً: حق التكافل الاجتماعي للجميع: لعل من أهم الضمانات التي يقدمها الإسلام لغير المسلمين، الذين يقيمون في المجتمع المسلم – كفالتهم ضمن نظام التكافل الإسلامي. فإن الله - عز وجل - بعث نبيه – صلى الله عليه وسلم – رحمة للعالمين.
تاسعاً: حقهم في الحياة الطيبة الهادئة والدفاع عن الوطن: ونجد في النهج النبوي الشريف أن الرسول – صلى الله عليه وسلم – يوصي قبل موته بقبط مصر وأنهم سيكونون عدة وأعواناً في الجهاد في سبيل الله. عن أم سلمة أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أوصى قبل وفاته فقال: "الله الله في قبط مصر، فإنكم ستظهرون عليهم ويكونون لكم عدة وأعواناً في سبيل الله".
مما سبق يتضح لنا أن الإسلام وضع الكثير من المبادئ حيث المساواة التامة فلهم ما لنا وعليهم ما علينا تحت مظلة الوطن الكبير مصرنا العزيزة.