لو طالعت الصحف والمواقع الإلكترونية الإخبارية في أيام الأعياد، فسوف تجد خبرا مكررا ربما لا يلفت انتباهك لاعتيادك عليه كل عام وهو "الوزارات الخدمية مثل الصحة تعلن حالة الطوارئ في العيد.. منع أجازات الأطباء والطواقم الطبية"، هذا الخبر سوف تستقبله إن لفت انتباهك بأحد شعورين؛ إما شعور بالشفقة والألم لحال الأطباء في مصر الذي يجعلهم طوال العام خارج بيوتهم في ظروف عمل غير آدمية من أجل أن يحققوا أجرا لا يكفيهم حد الكفاف هذا ما سوف تشعر به إن كنت طبيبا أو كان أحد أفراد عائلتك المقربين من الأطباء، أو شعور بالتشفي في "ولاد الـ... دول اللي بيطلعوا عينينا في مستشفيات الحكومة" لو كان لك سابقة دخول مستشفيات الحكومة واصطدمت بمستوى الخدمة الصحية السيء فيها.
في حقيقة الأمر فإن الشعورين مبرران –كما هي المشاعرغالبا– في ظل المعلومات الموجودة عند كلا الطرفين، فالطرف الأول يعرف ما يعانيه الأطباء من ظروف عمل شاقة في بيئة عمل غير مناسبة حيث لا إمكانيات ولا مستلزمات ولا أسرة للمرضى ولا تجهيزات، ويعلم أن هذا هو سبب استياء المرضى ومرافقيهم من الخدمة الصحية ولهذا يصبون جم غضبهم على الأطباء الذين أمامهم والذين يمثلون وزارة الصحة في نظرهم، ويدركون أن مرتب الطبيب الشاب لا يتجاوز الـ1000 جنيه شهريا مشتملا الحوافز والنوباتجيات، يدركون عدد ساعات العمل التي تجعله يصل الليل بالنهار فيقضي الأسبوع منفيا داخل وطنه، بعيدا عن منزله، بعيدا عن أسرته، بعيدا عن أقاربه طوال الوقت مثل المغترب ولكنه داخل حدود الوطن، بل ويمكن داخل حدود مدينته ما بين العمل الحكومي والنوباتجيات في المستشفيات الخاصة، كل هذا من أجل أن يحصل على بضعة مئات من الجنيهات الإضافية تجعله يستطيع أن ينفق على نفسه ما تبقى من الشهر دون أن يضطر للاقتراض.
في حقيقة الأمر مثل هؤلاء الأطباء لا ينتظرون إعلان حالة الطوارئ في أجازة العيد حتى يعملوا لأن حياتهم في حالة طوارئ مستمرة، والعيد بالنسبة لهم هو استمرار "عادة" عدم التواجد داخل المنزل ولكن مع مزيد من الحسرة ورثاء الذات على ما فعلته بهم الأيام لتجعلهم خارج المنزل في الوقت الذي يجلس فيه الجميع بجانب أقاربهم، فوزارة الصحة التي تعلن حالة الطوارئ في العيد لأهمية الخدمة الصحية للمواطنين هي نفس الوزارة التي ترفض الدولة رفع ميزانيتها ورفع مرتبات العاملين فيها لأنها وزارة "خدمية" على حد قولهم، لا تقدم إنتاجا ولا تأتي بعائد مباشر للدولة! هي نفس الوزارة التي وفقا لأخلاق المهنة لا يستطيع أطباؤها والعاملين فيها تنظيم إضرابا كليا عن العمل للمطالبة بحقوقهم، فقط يستطيعون عمل إضراب جزئي لا تمس فيه أقسام العناية والطوارئ والغسيل الكلوي والمبتسرين والحالات الحرجة! هي نفس الوزارة التي تعد خدمة التجنيد الإجباري للأطباء الذكور العاملين فيها 3 سنوات كظباط احتياط، حيث لا يوجد إرجاء للأطباء، فمتى اجتزت الكشف الطبي فقد كتب على الطبيب 3 سنوات أخرى في خدمة الوطن بعد كلية 6 سنوات ونصف وسنة وامتياز لتنهي الجيش كطبيب وأنت عندك 28-30 عاما إذا لم تتعطل في أي مرحلة لتبدأ رحلة عملك كطبيب بمرتب لن يتجاوز 800 جنيه مصري بالحوافز في وحدة صحية في أرياف مصر إن كنت من حسني الحظ وإلا فمكانك هو حدود مصر الجنوبية في أقاصي الصعيد أو حدودها الشرقية أو الغربية في صحاري وجبال سيناء أو وصحاري مطروح وهضبة السلوم! هي نفس الوزارة التي تجبرك للترقية إلى درجة الأخصائي كي تقدم خدمة أفضل للمرضى أن تحصل على شهادة الماجستير التي تكلفك في أفضل الأحوال مبلغا لن يقل عن 10 آلاف جنيه حتى تحصل على حافز للماجستير مقداره 4 جنيهات ونصف! هي نفس الوزارة التي يتعدى المواطنون على أطبائها وطواقمها الطبية ليل نهار لضعف الإمكانيات وعدم وجود المستلزمات والأسرة التي تكفي المرضى!
على الجانب الآخر هناك الطرف الثاني الذي يصب جم غضبه على هؤلاء المنفيون داخل حدود الوطن "الأطباء"، الذي يحملهم مسئولية سوء الخدمة الصحية المقدمة في مستشفيات وزارة الصحة، ومعهم كل الحق في نصف الكلام فالخدمة الصحية المقدمة في مستشفيات وزارة الصحة غاية في السوء ولكن الأطباء ليسوا هم المسئولين عن هذا، فالدولة هي المسئولة عن منظومة الصحة الفاشلة وليس الأطباء، الدولة هي من تعطي للصحة ميزانية ضعيفة لا تتجاوز 4% من ميزانية الدولة في حين أن مصر وقعت على اتفاقيات دولية لرفع نصيب الصحة لحد أدنى 15% من ميزانية الدولة، وبسبب ضعف الميزانية يصطدم المرضى بضعف الإمكانيات في المستشفيات الحكومية فلا مستلزمات ولا أجهزة ولا أسرة فارغة ولا نظاقة ولا نظام، الدولة هي المسئولة عن ضعف مرتبات الأطباء والطواقم الطبية مما يجعل الأطباء مرهقين في العمل طوال أيام الأسبوع بعيدين عن منازلهم مما يقلل من كفاءتهم الجسدية والذهنية بسبب قلة النوم والإرهاق، الدولة هي المسئولة عن اضطرار الأطباء المؤهلين للنزوح خارج البلاد ليستطيعوا توفير مستوى معيشة كريمة لأنفسهم، الدولة هي المسئولة عن ضعف تدريب الأطباء والطواقم الطبية مما يؤدي إلى ضعف الخدمة الصحية، باختصار النظام هو المسئول؛ فالنظام السليم يستطيع الترقي حتى بالعناصر الضعيفة ويستطيع التعامل مع العناصر غير الملتزمة ولا يجعلها قاعدة أو "شماعة" ولكن النظام الفاشل يحبط حتى العناصر المميزة وهذا ما يحدث الآن، فلا تلوموا الأطباء ولكن لوموا النظام الصحي في مصر والمسئولين عنه وهو بالمناسبة نفس النظام الصحي الذي كان يمثل جزءا من النظام الذي قامت الثورة لإسقاطه، فمتى يصل قطار الثورة لوزارة الصحة!؟
وغير الطرفين الماضيين الذين يتعاملان مع الأطباء بقدر ما أتيح أمامهما من معلومات، هناك طرف ثالث رغم توافر كل المعلومات له فإنه ليس مسئولا فقط عن كوارث الصحة الحالية ولكنه أيضا يحاول أن يضلل الشعب من خلال إيهامه أن الخلل من الأطباء وليس من المنظومة الصحية التي يقودها هو ومن على شاكلته كل في موقعه، أتحدث هنا عن وزير الصحة ومساعديه ووكلاء الوزارة وحتى مديري المستشفيات، هؤلاء الذين يرمون القصور دائما على الطبيب المطحون المنفي خارج من منزله طوال الوقت، حتى يستمروا في أماكنهم التي يجنون من وراءها مئات الآلاف لكل فرد منهم سنويا وربما شهريا في بعض الوظائف العليا في الوزارة عن طريق رمي كرة الإهمال الإداري من جانبهم خارج ملعبهم ويرموا مسئولية الإهمال السياسي من جانب الدولة التي عينتهم في أماكنهم على الحلقة الأضعف في المنظومة وهو الطبيب المطحون، الذي يصل الليل بالنهار في النوباتجيات مقابل أجر زهيد، ثم يتم الاعتداء عليه من المرضى وأهاليهم بسبب ضعف الخدمة الصحية الناتجة من ضعف منظومة الصحة في الدولة التي لا تهتم بصحة أبنائها، ثم بعد ذلك يحمله المسئولون مسئولية الخدمة الصحية السيئة مضللين الشعب الذي يزيد من حنقه تجاه الأطباء وغضبه عليهم بصفتهم مسئولين عن سوء الخدمة الصحية كما يحاول المسئولون أن يقولوا دائما من خلال رسائلهم المباشرة أو غير المباشرة.
لقد فاجأنا السيد وزير الصحة الجديد الدكتور محمد مصطفى، الذي كان مساعدا لحاتم الجبلي وشريكا له في مستشفى الأشعة الخاصة به وأحد أركان نظام "دار الفؤاد"، بزياراته المفاجئة لمستشفيات وزارة الصحة وتوقيعه الجزاءات على الأطباء الذين تأخروا 8 دقائق عن النزول للاستقبال، وتحميلهم إعلاميا مسئولية القصور في الخدمة الصحية والاعتداءات على المستشفيات بالتالي، ولكني أتحدى هذا المسئول الذي يمشي على خطى حاتم الجبلي الذي خلعته الثورة أن يكون قد عاين مستلزمات الاستقبال والأقسام هل هي موجودة أم لا، أو يكون قد عاين كم مريض يحتاج لأسرة عناية مركزة ولم يجد له الأطباء في المستشفى، أو يكون قد عاين بنفسه آخر "حوافز" حصل عليها الأطباء مر عليها كم شهر مع أنها من المفترض أنها شهرية!؟ وبدلا من أن يقوم بمهتمه الأساسية وهي تحسين حال المنظومة الطبية والعاملين بها نجده يرمي الحمل على الحلقة الأضعف المطحونة وهم الأطباء متغافلا عن تقصيره الشخصي في منظومة صحة بالية، وهذا لا يستغرب من وزير صحة "رجل أعمال" لا يعاني مثل ما يعاني أفراد الشعب الكادحين، وليس من مصلحته تحسن حال المنظومة الصحية في مصر بشكل فعلي وجذري وإلا فما جدوى مستشفى الأشعة الخاص به؟ وما الداعي لوجود "دار الفؤاد " الخاص بهم!؟
عزيزي المواطن؛ هناك إنسان مطحون منفي خارج منزله طوال الوقت، لا يجد حتى الوقت ليدافع عن نفسه أو يتحدث عن قضيته، ولا عن آلامه ولا آماله بسبب الظروف السيئة التي وضعته الدولة فيها، هذا الإنسان هو الطبيب، سوف يقضي أيام العيد - كباقي أيام السنة – بعيدا عن منزله ساهرا على راحتك، دون مقابل إضافي، ودون أجر أساسي لائق به، فترفق به، ولا تزايد عليه وعلى إخلاصه، ولتتفهم ظروفه ومعاناته، ولتقف معه يدك في يده ضد من يتعمد تخريب منظومة الصحة ويريد بقاء الوضع كما هو عليه ثم يضلك عن طريق إلقاء اللوم على الضحية، ليبقى هو كجاني بعيدا عن الحساب، ولو كان معنويا، ويزيد من أوجاع الضحية وآلامها!