من أجل الحرية المنشودة التي تنادي بها شعوبنا الحرة، التي ثارت علي الأنظمة الاستبدادية في دول الربيع العربي، صعدت كثير من الأرواح الطاهرة إلي بارئها، وسالت الكثير من الدماء الطاهرة الذكية، واختلطت بتراب الوطن الغالي ثمنا لحريته وكرامته واستقلاله، فالوطن الحبيب لا يُفدي إلا بالغالي والنفيس، فما أغلي من أرواح الشهداء الطاهرة وماءهم الذكية!
هكذا يقدم أبناء الوطن أرواحهم الطاهرة علي أكفهم في سبيل الوطن لتحريره من محتل غاصب، أو من مستبد ظالم، فكلاهما أعداء للوطن الحر الذي يأبي إلا أن يعيش حرا مستقلا لا يتحكم فيه عدو معتد، أو ابن عاق، فالوطن الحر يُهرع إليه أبناءه المخلصين الأوفياء لنجدته من هيمنة المحتلين أو قبضة المستبدين.
وكما في أوطاننا العربية الحبيبة التي ذاقت الكثير من ويلات الاستعمار الغربي البغيض الذي احتل الأرض ونهب الثروات، فإن الكثير من الشعوب الشقيقة عانت وما زالت تعاني من مرارة الاحتلال وقسوة العداون، الذي قتل الأبناء الأبرياء وشرد أصحاب البيوت.
جمهورية أذربيجان الشقيقة هي إحدي الجمهوريات الإسلامية، وواحدة من الدول الخمس المطلة علي سواحل بحر قزوين، ما إن تحررت من قبضة النظام الشيوعي في الاتحاد السوفيتي السابق عام 1991، إلا وتعرضت لعدوان غادر من قبل أرمينيا المجاورة لتحتل إقليم قره باغ، الذي يمثل نحو خمس مساحة البلاد، وارتكبت أرمينيا أبشع الجرائم في حق السكان العزل أصحاب الأرض، وذلك عندما استخدمت أسلوب القتل والترويع والتهجير من الأرض باتباع سياسة الأرض المحروقة بهدف تغيير الخريطة الديموجرافية لإقليم قره باغ، وذلك بتهجير السكان وإحلال بدلا منهم سكان من أصول أرمينية، مثلما يفعل الكيان الصهيوني في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بتهجير السكان العرب أصحاب الأرض وتوطين مستوطنين يهودا بدلا منهم لخلق واقع جديد علي الأرض.
وفي سبيل تحقيق سياسة التهجير القسري لأصحاب الأرض لم تتورع أرمينيا في ارتكاب المذابح البشعة ضد الكسان العزل، وقد كانت مذبحة "خوجالي" أكبر حدث مأساوي في المنطقة، ونقطة سوداء في التاريخ الإنساني الذي التزم الصمت تجاه تلك المذبحة بحق المدنين، واكتفي بعبارات الشجب والاستنكار ولم يتحرك المجتمع الدولي والقوي الكبري لإزالة آثار العدوان ومعاقبة وردع المعتدي، لذلك استمر احتلال اقليم قره باغ حتي اليوم، كما استمرت أعمال القتل والتهجير.
في يوم الخامس والعشرين ليلة السادس والعشرين من فبراير عام 1992 قامت القوات المسلحة الأرمينية المرابطة في مدينة "فان كاندي" في اقليم قره باغ، وبعد حصار لمدينة "خوجالي" دام أكثر من أربعة أشهر بمشاركة الفوج 366 السوفيتي المرابط في ذلك الوقت بالمنطقة، قامت القوتان الأرمينية والروسية بتدمير مدينة "خوجالي" وإزالتها حتي صارت كأن لم تكن، وقد خلف هذا الاعتداء وفقا للاحصاءات عن قتل 613 مواطنا من أبناء أذربيجان المدنيين بينهم 63 طفلا، 106 إمرأة، 70 شيخا طاعنا في السن، وأصبح نحو 70 عائلة في عداد المفقودين، كما جرح في ذلك الاعتداء 487 شخصا، واعتقال 150 شخصا آخر، هذا بالإضافة إلي نزوح أكثر من مليون لاجئ، وقد وصفت اللجنة الدولية لحقوق الانسان مذبحة "خوجالي" بأنها أكبر المجازر بحق الإنسانية في تاريخ الصراعات القومية.
أرمينيا وهي تسعي بمختلف الوسائل، وتسخر كل امكاناتها السياسية والاقتصادية من أجل إلصاق جريمة إبادة لمواطنيها من قبل تركيا في العهد العثماني عام 1915 بدون سند أو دليل علي ذلك، عليها أن لا تنسي، أو تتماسي جرائمها في قره باغ وفي مقدمتها مذبحة "خوجالي" الموثقة تاريخيا بالأرقام والإحصائيات، وتحمل مسؤولياتها تجاه تلك المذبحة، وتجاه احتلالها بدون وجه حق لاقليم قره باغ.
لقد كشفت مذبحة "خوجالي" الوجه الآخر لأرمينيا التي تؤلب اللوبيات الأرمينية في أوروبا والولايات المتحدة والدول الغربية كافة علي تركيا من أجل الاعتراف بجريمة لم ترتكبها، ومن أجل الصمت علي جرائم أرمينيا واستمرار احتلالها لاقليم قره باغ، واتباع سياسة التعتيم علي أكثر من مليون لاجئ مشرد من سكان الاقليم نزحوا عن ديارهم قسرا ويعيشون في ظروف اجتماعية غاية في القسوة والصعوبة.
واليوم وبعد مرور عشرون عاما علي ارتكاب أرمينيا لمذبحة "خوجالي" في اقليم قره باغ تظل تلك الذكري الأليمة راسخة في ذاكرة ونفوس أهالي الضحايا طالما أن الجاني لم يعاقب علي جريمته، بل مازال يمارس كل يوم من أعمال القتل والتهجير علي الأرض التي يحتلها، فمذبحة "خوجالي" هي جريمة مكتملة الأركان من حيث أعداد القتلي، والمكان والزمان، وتحديد الجاني، ولم يبق سوي فتح تحقيق دولي لمعاقبة الذي اقترف تلك الجريمة في حق الإنسانية.
لقد أدت المذبحة التي حصلت في "خوجالي" خلال السنة الأولى من استقلال أذربيجان إلى صدمة كبيرة وإلى تغييرات كبيرة في البلاد، فالقوات الأرمينية لم تكتف بهذه المذبحة بل توالت عمليات القتل والإبادة الجماعية لتنال العديد من مواطني أذربيجان الأبرياء، كما قامت بإحراق وتدمير المقدسات الإسلامية كالمساجد والمدارس والأثار التاريخية القديمة التي تميز حضارة وتاريخ شعب أذربيجان.
إن تأخر تحقيق العدالة، وتقديم القتلة إلي المحاكمات، وكذلك الاستمرار في احتلال اقليم قره باغ، يمثل استمرارا للمأساة التي يعشها شعب أذربيجان منذ استقلاله عن الاتحاد السوفيتي، كما أن صمت المجتمع الدولي عن ممارسات القتل والترويع وتهجير السكان، وتجاهل الحياة القاسية الصعبة التي يعشها المهجرون من قره باغ يضيف إلي مأساة ذلك الشعب مأساة أخري، وذلك عندما يفقد ذلك الشعب ثقته في العدالة الدولية.
إن ثورة الشعوب العربية الحرة علي حكامها المستبدين من أجل الحياة في حرية وكرامة، لابد أن يواكبها مساندة للشعوب المهقورة في العالم وخاصة في الدول الشقيقة والصديقة التي تعاني من مهانة الاحتلال، ويعاني شعبها الذين هجروا بيوتهم وأرضهم قسرا تحت بطش الاحتلال، من أجل استعادة حريتهم وممتلكاتهم والعيش في أمن واستقرار وازدهار.