أحمد أبو زايد يكتب: ثقافة العبيد - منبر الشروق - بوابة الشروق
الأربعاء 10 يونيو 2026 2:13 ص القاهرة

أحمد أبو زايد يكتب: ثقافة العبيد

نشر فى : الثلاثاء 31 يوليه 2012 - 2:55 ص | آخر تحديث : الثلاثاء 31 يوليه 2012 - 2:55 ص

إن الفرق بين الشرق والغرب ليس شاسعاً كما يتصوره البعض، أو كما يحبُّ أن يُصوره آخرون. فنحن العرب قادرون وبكل سهولة ويسر على تحقيق نجاحات مبهرة في أزمنة قياسية، كما يمكننا التفوق على المستويين العلمي والتكنولوجي، تماما كما فعلت العديد من الدول الأسيوية مثل الصين واليابان وكوريا. وبالنظر إلى التغييرات الكبرى التي تحصل في العالم اليوم، نلاحظ تفوق الكوريون في مجال التكنولوجيا، فهم ينافسون الغرب ويتباهون بإنجازاتهم التي مكنتهم من المواجهة، وإثبات الذات، فقد وضعوا قواعدهم ومعاييرهم ومواصفاتهم الخاصة بهم، وأثبتوا أنهم متقدمون وأن على الآخرين اتباعهم والسير على خطاهم كي لا يفوتهم ركب التميز والتطور.

 

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو كيف للعالم العربي أن يتقدم ويصل إلى السبل التي تؤهله لصناعة العلم والارتقاء به قبل أن يتخطى عوائقه النفسية والفكرية والعقائدية على وجه الخصوص، ثم عوائقه المادية على وجه العموم؟ كلها عوائق، أبعادها السلبية تكمن في كيفية رؤيتنا وتقيمنا لأنفسنا وللآخرين، التي نشأت وتطورت عبر سنوات الاستعمار، بدءاً من القرن التاسع عشر ولم تنته تبعاته بانتهائه، بل تطورت وعُبدت لها الطرق كي تتوافق مع حاجات العصر الذي نعيشه. ونحن العرب ارتضينا أن نرتدي جلابيب أجدادنا حتى لو لم تناسب مقاساتنا، فقد ورثنا تلك القناعات وورّثناها بسلبياتها وإيجابياتها جيلاً وراء جيل كما هي، دون أن نكلف أنفسنا عناء نقدها وتنقيحها ونشر المفيد منها في المجتمع من أجل محاربة الغث المدمر.

 

لقد سيطرت علينا على مر العصور والسنين فكرة أن المصدر الرئيسي للتقدم العلمي والتكنولوجي هو من عند الغرب، وإن أتى هذا التقدم من مكان أخر فلا قيمة له، حتى تتم مباركته من الغرب! وبهذا نكون قد ضربنا بالعقل عرض الحائط، وليس هذا فحسب، بل أيضاً في معتقدنا الديني، فقد تناسينا ما قاله الرسول عليه الصلاة والسلام "اطلبوا العلم ولو في الصين". بالإضافة إلى الخلل الواضح على المستوى الأخلاقي والإنساني.. فحدث ولا حرج، إلى درجة أننا فقدنا الثقة في أنفسنا، بدءاً من تصديقنا لمقولة أن العربي يكذب أما الغربي فصادق، وصولاً إلى ارتباط الجمال سواء عند المرأة أو الرجل بالمعايير الغربية؛ حتى كرهنا أشكالنا.

 

نحن اليوم وبإرادتنا، نعيش تناقضات لا يقبلها العقل الإنساني المفكر، وهي في مجملها عوائق نفسية، ينبغي الوقوف عليها والعمل على إزالتها والحرص على التخلص من كل السبل المؤدية إليها في المجتمع العربي. ومن هذه التناقضات على سبيل المثال لا الحصر، هي حين يأتي أفراد من الدول الغربية للعمل في البلاد العربية نجدهم يتقاضون أجوراً مرتفعة جداً، لا يمكن أن يتقاضوها في بلادهم، تماما كما لا يمكن للعربي أن يتقاضاها في بلاده حتى لو كان يمتلك المؤهلات والخبرة. ولا ضير في ذلك فلابد أن يكون هناك عامل جذب لتلك الخبرات لنقل المعرفة وتبادلها. ولكن الواقع أن العديد ممن يأتي للعمل في الدول العربية تكون خبراتهم من الدرجة الثانية أو الثالثة، ومؤهلاتهم متواضعة مقارنة بالوظائف التي يشغلونها أو الأجور التي يتقاضونها.

 

إن تعيين الغربي في مؤسسة عربية انحرف عن أهدافه الأساسية في نقل المعرفة، ليكون مجرد رسالة ضمنية، مفادها أن تلك المؤسسة تعمل بشكل احترافي، تستخدم تكنولوجيا متطورة، وتقدم خدمة موثوق بها، بعبارة أخرى - توظيف بغرض الدعاية والإعلان- مسهمين في ذلك بتكريس تلك المفاهيم المغلوطة في مجتمعاتنا ونشرها من دون أن يلتفت المسؤولون إلى تلك الظاهرة التي استوطنت في عقول أنظمتنا ومواطنينا وأبنائنا. وعندما يصل بعض الأفراد من الدول الغربية إلى البلاد العربية من أجل العمل ينبغي أن نفرق بين من يأتون للمرة الأولى وبين محترفي العمل بالدول العربية، فالغربي يأتي بقيم مجتمعه وغالبا ما تكون جيدة، كاحترام رأي الآخر والمحافظة على البيئة والتواضع والبساطة والبعد عن البهرجة والعمل بجد وإخلاص. ولكن سرعان ما يتغير الحال ويثبتون أن المبادئ والأخلاق يمكن أن تتجزأ بين مجتمعات الدول المتقدمة ومجتمعات الدول النامية.

 

ومن جملة العوائق النفسية التي نعيشها اليوم عائق استخدام اللغة العربية! حيث سيطرت علينا ثقافة العبيد والتبعية العمياء؟! فنجد أن نسبة كبيرة من العرب يتحاورون فيما بينهم على شبكات التواصل الاجتماعي باللغة الإنجليزية، أو باللغة العربية المكتوبة بحروف لاتينية! والتي يطلق عليها اليوم لغة "العربيزي" وكأن لسان حالهم يقول صحيح نحن عرب ولكن.. متحضرون ومختلفون عنكم، وعندما تستفسر منهم عن أسباب تبنيهم للغة الإنجليزية، فتستمع إلى العديد من المبررات الواهية، وتتباين تلك الحجج ما بين إيصال رسالة إلى الآخرين مفاداها أنهم من مستوى اجتماعي راقٍ، مكنهم من الالتحاق بالمدارس الأجنبية، ذات المصروفات العالية وكانت حياتهم وقراءاتهم وكل شيء يفعلونه باللغة الانجليزية، مما أثر على إتقانهم للغة العربية، وجعلهم يستعيضون عنها باللغة الانجليزية. وأغلب الظن أنك لو تحاورت مع العديد من هؤلاء المدّعين بلغة إنجليزية سليمة قد يعجزون عن التعبير عن أنفسهم بها!

 

إن الرسالة التي يودُّ بعض المتحذلقين إيصالها هي أنهم مختلفون عن ذلك المجتمع العربي المتخلف الذي يتحدث اللغة العربية، وأن ثقافتهم وقيمهم غربية متقدمة! وعادة ما نجد أن هؤلاء الأشخاص يتسمون بالتعالي والغطرسة، وعلى وجه الخصوص أمام من لا يجيدون اللغة الإنجليزية! وهؤلاء هم أنفسهم من يتنازلون للغرب ويتقربون بشكل مرضي من كل شخص غربي، على أمل أن يراه أصدقاؤه ويقولون..(يا سلام..لقد وصل إلى العالمية). والمثير للشفقة في ذلك الموضوع أن هؤلاء الأشخاص لا يتسامحون إن أخطأ أحدهم في قواعد اللغة الإنجليزية أو في نطقها ويسخرون منه، لكن لو نطق أحدهم باللغة العربية بصورة مكسرة، فيصبح من طبقة اجتماعية راقية وثقافة متقدمة!

أدعو الله أن يحررنا من عبودية أنفسنا وقيودها، قبل أن ندعوه إلى تحررنا مما نتبناه من ثقافات الآخرين وتأثيرهم فينا.

شارك بتعليقك