الإثنين 20 أكتوبر 2014

الكفاءة: الفريضة الغائبة فى مصر

الإثنين 12 نوفمبر 2012 - 8:50 ص

ألا ترى يا عزيزى القارئ أننا أصبحنا نفتقد الكفاءة فى أغلب مناحى الحياة، بحيث أصبحت حتى ثقافة «النص نص» التى كتب عنها أحد كتابنا المرموقين حلما يصعب تحقيقه، لأن السائد الآن هو أقل بكثير من «النص نص» ولا حتى «الربع ربع». فقد تردى مستوى الأداء العام فى كثير من مرافق الدولة، وخصوصا فى مستوياتها العليا، بحيث أصبح، وبدون مبالغة، وبالحكم على نتائجه، لا يكاد مستواه يبرح الصفر إلا بقليل.

 

لن أثقل عليك بالإشارة إلى معدل الإنجاز فى مكاتب الحكومة المتخمة بالموظفين، فقد أفاض فيه آخرون، وليس هناك ما نضيفه إليه، بل إن حكومة الدكتور محمد مرسى والتى يرأسها الدكتور هشام قنديل رفعت يدها عن هذه القضية، وألغت مؤقتا الوزارة التى كانت مسئولة عن هذه المهمة، وهى وزارة التنمية الإدارية، أو ألحقتها بوزارة أخرى والله أعلم، فلم نعد نسمع عن التنمية الإدارية شيئا، وربما تكون فى ذلك فضيلة، وهى الاعتراف بالأمر الواقع، لن يكون هناك تحسن فى أداء الجهاز الإدارى، فلماذا إذن تخصيص وزير لوزارة لن تنجز شيئا. ولكن الذى لا شك أثار قلقك هو تردى الأداء فى أعلى مستويات الدولة المصرية، لأن الناس غالبا يسيرون على طريق ملوكهم أو فى حالتنا هذه رؤساؤهم، فإن هم أفلحوا فربما يصيب فلاحهم بقية المجتمع، فيمشى على خطاهم. ولذلك فمصيبة المجتمع أفدح، عندما لايفلح من هم على قمته، فتنتشر عدوى الفشل فى كل أرجاء المجتمع، ولا يملك من هم على قمة السلطة لها تقويما، ففاقد الشىء لا يعطيه.

 

وبطبيعة الحال يمكن أن يخرج علينا بعض أعداء الفكر النقدى قائلا إن الكفاءة هذه مفهوم غربى، لا ينتمى إلى تقاليدنا، شأنها فى ذلك شأن الحكم الرشيد، والمساءلة والشفافية بل والديمقراطية أيضا فكلها جاءت لنا من الغرب الاستعمارى، وهى عناصر ثقافة دخيلة علينا. أقول لهؤلاء بل نحن نتجاهل قول رسولنا الكريم الذى نصحنا بأن الله عز وجل يحب منا عندما نقوم بعمل من الأعمال أن نتقنه، وهكذا فقد سبق الإسلام البروتستانتية دين الرأسمالية عندما أكد أن إتقان العمل هوأمر يلقى المحبة والاستحسان من خالق الكون، ولكن تلك قضية لا يميل لها من خرجوا علينا يوم الجمعة الماضى داعين إلى تطبيق الشريعة، فالشريعة فى نظرهم لا تمتد إلى مثل هذه الأمور.

 

●●●

هل أنت بحاجة قارئى العزيز أن أذكرك بنماذج لافتقاد الكفاءة فى إدارة الدولة. لعلك تعرف أكثر مما أعرف، ولكن سأذكر أمثلة صارخة لكى نتأمل فى أسبابها، وربما نجتهد فى اقتراح سبل الخروج منها حتى ولو كان احتمال  مقاومتها فى ظل الأوضاع التى تعرفها بلادنا الآن أمرا صعب المنال. ما هو رأيك فى تلك القرارات المتسرعة التى يتخذها رئيس الدولة ولا يلبث أن يتراجع عنها بعد أيام، وأحيانا بعد ساعات. ماذا عن قرار عودة مجلس الشعب، ثم تجاهله بعدها بيوم واحد، ماذا عن قرار إبعاد النائب العام، والرجوع عنه حسبما نعلم  بعد إعلانه بيومين، بل وماذا عن المهام الجلل الخمس التى وعد رئيس الدولة بحلها فى مائة يوم، ومازالت قائمة ومتضخمة من المرور إلى النظافة إلى توافر رغيف العيش، وأنبوبة البوتاجاز، بل وماذا عن حملة النسر التى بدأت بإرسال دبابات وطائرات لمكافحة عصابات فى سيناء، ومازالت تلك العصابات تسرح وتمرح فيها بحرية، بينما هى مواجهة مسلحة غير تقليدية تقتضى أساليب أخرى للتعامل معها. وما هو رأيك فى أداء الجمعية التأسيسية التى لا نعرف كيف نحيط بعملها أمام المسودات العديدة التى تخرج منها، والتى تطرح لجنة الصياغة فيها نصوصا لم تتفق عليها  لجان الجمعية الرئيسية، وكلما طال عملها، زادت مساوئ ما يخرج منها. لا أظن أنى بحاجة للإضافة، فالأمثلة لا تنقص. ولكن على هذا المستوى هناك مثل آخر يثير حنقى، وهو مشروع مصر النووى الذى لا تقدر الدولة المصرية بكل جبروتها على حمايته، وهو مشروع بناء محطات نووية على أرض الضبعة، والذى لم تفلح حتى زيارة لرئيس الدولة إلى مطروح فى وقف اعتداء بعض أهالى مطروح، ولا نعرف من وراءهم، على أرض المشروع ومعداته. هل هذا مصير المشروع الذى علق الكثيرون الآمال عليه لتدخل مصر متأخرة عن كثير من دول العالم عصر الاستخدام السلمى للطاقة النووية وعلى نطاق واسع.

 

أعترف لك عزيزى القارئ بأنى قد أسهبت فى ذكر أمثلة لافتقاد الكفاءة فى المستويات العليا للدولة، ولكنى أسارعك بالقول بأن افتقاد الكفاءة مرض أصاب كل نخبتنا السياسية فى الحكم وفى المعارضة، قل لى بالله عليك لماذا تنقسم القوى المدنية على هذا النحو الذى يضعف من فعاليتها المحدودة فى مواجهة البراعة التنظيمية والتواجد الواسع بين المواطنين لكل من الإخوان المسلمين والسلفيين، وهل تجد بين هذه القوى المدنية نموذجا حيدا واحدا فى الكفاءة فى التنظيم والخطاب السياسى والتواجد بين المواطنين.؟

 

●●●

 

ما هى يا ترى الأسباب وراء غياب الكفاءة هذه فى حياتنا العامة. لا تصدق من يسارعون بالقول أن ذلك مرض متأصل فى ثقافتنا، فالثقافة فى أى مجتمع تعكس أوضاعا سياسية واقتصادية، وإلا فبماذا تشرح هذه الكفاءة التى تظهر فى المصريين عندما يذهبون للعمل فى الخارج، وخصوصا فى الدول الغربية. هم لا يغيرون ثقافتهم عندما يذهبون إلى تلك البلاد. يستمر حنينهم للفول والطعمية، وحبهم لأغانى أم كلثوم ومحمد عبدالوهاب وعبدالحليم حافظ، ويواصلون أداء شعائر دينهم مسلمين كانوا أو مسيحيين. ولكن النظام العام الذى يعملون فى ظله هو الذى يدفعهم إلى إتقان عملهم على هذا النحو. وليس غياب الكفاءة هو بسبب نقص التعليم، فما أكثر حملة الدكتوراه وأساتذة الجامعات فى نخبتنا السياسية حكومة ومعارضة، وخصوصا بين قادة الإخوان المسلمين بل والسلفيين كذلك.

 

قد يكون أهم اسباب غياب الكفاءة هذه هو بالفعل انعدام المساءلة. فهؤلاء القادة، فى الحكم وفى المعارضة لا يجدون من يحاسبهم إذا أخطأوا، بل إن من حولهم يلتمسون لهم الأعذار، والتى ترجع فى نظرهم إلى لؤم خصومهم، أو الأطراف الخارجية التى تحرك هؤلاء الخصوم، بل إن هؤلاء الأنصار يزينون لهم أنه لم يكن هناك خطأ فى الحساب والتقدير، ،وأنه لا مانع من تكرار نفس المحاولة وبنفس الأسلوب، لم يحالف الحظ القائد الملهم فى المرة الأولى، ولكنه حتما سيكون إلى جانبه فى المرة الثانية.

 

والسبب الثانى لغياب الكفاءة هو عدم الاعتراف بأن لكل أمر المتخصصين فيه والعارفين بدقائقه. ولكن يكفى أن يصل الواحد إلى منصب مرموق فى الحكومة أو المعارضة حتى يتصور أنه يفهم فى كل شىء، وأنه العليم والخبير فى كل مناحى الاقتصاد والسياسة والشئون الخارجية والداخلية، ومن ثم لا يستعين بأهل الخبرة، ويستأنس برأى أصدقائه وحلفائه ممن لا يترددون فى الإفتاء فى أى أمر، هل يطلب القائد منهم طلبا ويترددون فى إجابته. قد تقل قيمتهم لدبه إن هم اعترفوا بجهلهم. ومن ثم يسرعون بطرح مايرون أنه سيروق له.

 

والسبب الثالث هو غياب المؤسسية. لدى رئيس الدولة مؤسسات يمكن أن يستشيرها، ولكنه وقد جاء من المعارضة لا يثق فى مؤسسات الدولة. لا فى الخارجية ولا فى وزارات المالية والتخطيط، فلديه فى حزبه من يتصور أنه أعلم بهذه الأمور، وتكون النتيجة هى ما تعرف ياعزيزى القارىء، وهو مايسبب لنا فى هذه الأيام هذا الإحساس المر بالإحباط واليأس من أن تنصلح الأحوال.

 

ولكن كل هذه الأسباب. ألا تجد أنها ترتبط ارتباطا وثيقا بالديمقراطية.، على مستوى الوطن ،على مستوى الأحزاب والنقابات والجمعيات الأهلية. ليس الخطأ إذا فى ثقافتنا، ولكنه فى افتقادنا للديمقراطية على كافة المستويات.

 

بوابة الشروق 2014 - جميع الحقوق محفوظة