«سوريا»: المقاتلون الأجانب في إدلب والمصير المجهول

آخر تحديث: الأربعاء 12 سبتمبر 2018 - 12:19 م بتوقيت القاهرة

مع تحول الأزمة السورية إلى صراع مسلح بدأت موجات المقاتلين الأجانب تتدفق إلى الأرض السورية لتنضم الى صفوف مقاتلي المعارضة السورية وأصبح هذا الصراع جبهة جديدة من جبهات القتال التي يقاتل فيها "الجهاديون" حول العالم من أفغانستان إلى الفليبين مرورا بالصحراء الكبرى في القارة الأفريقية.

وبعد استعادة القوات الحكومية السورية المدعومة من روسيا كل المناطق التي كانت المعارضة تسيطر عليها في جنوبي وغربي البلاد لم يبق أمام المعارضة سوى محافظة إدلب شمال غربي البلاد إلى جانب مساحات من محافظتي حماه وحلب المجاورتين لإدلب. وأصحبت المنطقة الجبهة المقبلة لمعركة الحسم بين القوات الحكومية والمعارضة.

وتدل تصريحات المسؤولين الروس والسوريين عن قرب انطلاق المعركة على فشل المساعي التركية في تجنيب المنطقة المعركة الوشيكة، التي تقول روسيا وإيران إنها ضرورية للقضاء على الجماعات المتطرفة المنتشرة فيها.

وتتركز الأنظار في الوقت الراهن على المقاتلين الأجانب المنتشرين في المنطقة الذين لا مفر أمامهم سوى القتال حتى النهاية بعد أن سدت في وجوههم سبل الخروج من إدلب إلى أي منطقة أخرى وبات هناك شبه اجماع على أن أفضل سبيل لمواجهة خطر هؤلاء المقاتلين المتحدرين من مختلف أصقاع الكون مواجهتهم في ساحة المعركة والقضاء عليهم في سوريا.

وكان لافتا أن تركيا قد صنفت "هيئة تحرير الشام" ( النصرة سابقا) في خانة المنظمات الإرهابية مؤخرا، وهي نفس الجماعة التي كانت ترافق القوات التركية أثناء إقامة تركيا لنقاط مراقبتها العسكرية في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة في إدلب وحماه وحلب قبل أشهر قليلة.

ويُفهم من الخطوة التركية أنها بمثابة رفع الغطاء عن الجماعة التي أعلن زعيمها قبل أسابيع قليلة عن عدم وجود أي قيمة للضمانات التركية بتجنيب المنطقة المعركة الوشيكة، في أعقاب فشل المساعي التركية في حمل "تحرير الشام" على حلها نفسها أملا في سحب حجة وجود "جماعات إرهابية" في المنطقة من أيدي الروس والإيرانين.

انتشار

قاتل الجهاديون الأجانب في صفوف مختلف الجماعات المعارضة لكن الغالبية العظمى منهم كانت تنضوي في صفوف فرع القاعدة في سوريا ( النصرة) قبل الإعلان عن إقامة "الدولة الإسلامية" وانفصالها عن الفرع السوري.

وعلى الرغم من وجود عدد من المقاتلين الأجانب في بعض التنظيمات السورية السلفية مثل حركة أحرار الشام في بدايات العمل العسكري "الجهادي" في سوريا، لكن وجود هؤلاء بات في الوقت الراهن حكراً على "تحرير الشام" وعلى "الدولة الإسلامية" التي توشك على فقدان آخر جيب لها على الحدود بين سوريا والعراق.

وحافظت بعض الجماعات الجهادية على وجود مستقل لها عن الجماعات الأخرى رغم خوضها المعارك إلى جانب قوات المعارضة والتزمت الحياد في القتال بين الجماعات المعارضة المختلفة.

قد لا يجد المقاتلون العرب في صفوف هيئة تحرير الشام الكثير من الصعوبات في الاندماج في البيئة السورية بعد هذه السنوات التي أمضوها في سوريا وزواج العديدين منهم من سوريات، لكن هناك جماعات من شبه المستحيل أن يتمكن أفرادها من ذلك لعوامل عديدة مثل اللغة والملامح واللون مثل الإيغور والشيشان والأوزبك.

 

مقاتلون من الإيغور
يعيش الإيغور في أدلب في مجتمع صغير خاص بهم

 

 

الحزب الإسلامي التركستاني

لا يعرف بالضبط عدد المقاتلين الأيغور المتحدرين من إقليم شينجيانغ الصيني والذي يتعرض أبناؤه لحملة قمع شديدة من قبل السلطات الصينية حسب تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الدولية.

لكن ما يميزهم على الصعيد الاجتماعي أنهم أقاموا مجتمعا صغيرا خاصا بهم في قرى منطقة جسر الشغور في محافظة إدلب. وتشير التقديرات إلى أن عددهم يبلغ بضعة آلاف من المقاتلين الذين اكتسبوا خبرات قتالية جيدة في سوريا.

وأعلن السفير السوري في الصين عام 2017 أن عدد المقاتلين الإيغور في سوريا يبلغ خمسة آلاف، لكن مبعوث الصين الخاص بالأزمة السورية صرح في شهر أغسطس/ آب الماضي أنه لا يوجد رقم محدد لعدد الإيغور الذين يقاتلون في سوريا وقال "بالتأكيد يوجد في هذه المناطق تركيز لإرهابي حركة تركستان الشرقية الإسلامية، هذا أمر مؤكد".

وبدأت رحلة هؤلاء إلى سوريا عام 2012 إذ جاء في البداية المقاتلون السابقون في صفوف القاعدة من الإيغور في أفغانستان، ولعب هؤلاء دوراً كبيراً في تشجيع المزيد من أبناء جلدتهم على المجيء الى سوريا عبر دول مثل تايلاند وماليزيا وأندونيسيا وحطوا الرحال في تركيا، وساعدهم عامل اللغة في سهولة الانتقال إلى سوريا كونهم يتحدثون اللغة التركية وهناك تعاطف شعبي ورسمي مع هذه الأقلية في تركيا.

وما لبث أن جلب العديد من الإيغور أسرهم وأسسوا مجتمعا خاصا بهم في منطقة تواجدهم ونادرا ما يختلطون بالمجتمع المحلي.

 

أداء جيد في المعارك

في عام 2014 أعلن عن وجود الحزب الإسلامي التركستاني رسميا في سوريا. وللحزب نشاط إعلامي مميز على وسائل التواصل الإجتماعي حيث يصدر تقارير مصورة ذات جود عالية عن عملياته العسكرية في سوريا.

واكتسب مقاتلو الحزب احترام جميع الفئات السورية المعارضة بسبب أدائهم الجيد في ساحات المعارك، وفي العديد منها لعبوا دور رأس الحربة مثل عملية السيطرة على مطار أبو الظهور في محافظة إدلب عام 2015 بالاشتراك مع جبهة النصرة و"جند الأقصى" وكذلك على مدينة جسر الشغور في ريف إدلب الغربي وانطلق مقاتلو الحزب من هناك نحو أرياف محافظتي حماه واللاذقية.

وتنظر الصين بعين القلق إلى وجود هؤلاء المقاتلين في سوريا وهي حريصة جدا على منع عودتهم إلى الصين بعد اكتسابهم خبرات قتالية عالية كونهم يشكلون مصدر خطر أمني كبير لبكين.

يجدر بالذكر أنه يعيش أكثر من عشرين ألف لاجىء إيغوري في تركيا ولهم جمعياتهم الخيرية التي تعمل بكل حرية.

ويقول المقاتلون الإيغور الذين يتميزون بالشراسة والاستبسال في المعارك أنهم يعتمدون على امكاناتهم الذاتية وما يغنمونه من أسلحة وذخائر خلال المعارك ضد قوات الحكومة. ووصف الداعية السعودي وأحد وجوه "تحرير الشام" البارزين، عبد الله المحسيني المقاتلين الإيغور في سوريا بأنهم "الرقم الأول في الجهاد، لا يعرفون العودة إلى الوراء".

وتأسس الحزب الإسلامي التركستاني في أفغانستان في عام 1993 بعد سيطرة الجماعات الاسلامية على الحكم في أفغانستان ومارس نشاطه داخل الصين والجماعة التي تنشط في سوريا هي امتداد للجماعة الأم. ويقود الحزب في سوريا حاليا رجل يدعى عبد الحق، أما القائد العسكري فيدعى أبو إبراهيم.

 

اسلحة للتركستان
يمتلك مقاتلو الحزب الاسلامي التركستاني اسلحة ثقيلة

 

 

وليس المسلحون التركستان الايغور الآسيويون الوحيدون في إدلب، إذ انضم مقاتلون من الأوزبك إلى صفوف مجموعات صغيرة قريبة من «هيئة تحرير الشام».

واكتسب هؤلاء مهاراتهم القتالية من خلال قتالهم إلى جانب حركة طالبان أو تنظيم القاعدة في باكستان وأفغانستان، قبل أن يتوجهوا إلى سوريا كإمتداد لتنظيم القاعدة آنذاك.

ومن بين هذه الجماعات كتيبة "التوحيد والجهاد" التي يرأسها، وفقاً لأجهزة الأمن الروسية والقيرغيزية، سراج الدين مختاروف (28 عاماً) والمعروف أيضاً باسم أبو صلاح الأوزبكي.

وأعلنت الكتيبة المكونة في معظمها من مقاتلين قادمين من دول الإتحاد السوفييتي السابق انضمامها بشكل كامل لجبهة النصرة عام 2015.

وتقاتل عناصر هذه الكتيبة في مناطق متفرقة في اللاذقية وإدلب وحماة ومعظم مقاتليها من الأوزبك والطاجيك وأفراد من إقليم تركستان غربي الصين.

أما "كتيبة الإمام البخاري" التي غالباً ما تسلط أشرطتها الدعائية الضوء على الجنود أطفال في صفوفها، فقد صنفتها الولايات المتحدة عام 2017 في قائمة المنظمات «الإرهابية».

والكتيبة التي أغلب عناصر من الأوزبك، هي واحدة من المجموعات التي قدم عناصرها من آسيا الوسطى، وأسسها "أبو محمد الأوزبكي" عام 2013، الذي قتل في إحدى معارك ريف حلب شهر آذار/نيسان 2014، ليخلفه في القيادة "صلاح الدين الأوزبكي".

وحافظ "صلاح الدين الأوزبكي" على مجموعته مستقلة عن بقية الجماعات الكبيرة حتى بعد انضمام "جيش المهاجرين والأنصار" إلى صفوف "جبهة النصرة" (هيئة تحرير الشام لاحقاً) في سبتمبر/ أيلول 2015.

وقتل "صلاح الدين الأوزبكي"مع عدد من مرافقيه في إدلب، في شهر أبريل/نيسان 2017 في عملية اغتيال نفذها أحد عناصر الكتيبة السابقين لصالح تنظيم "الدولة" حسبما أعلنت "حركة أحرار الشام " التي ألقت القبض على المهاجم.

الأكثر شراسة

ومن بين المقاتلين الأجانب المتمركزين في مناطق سيطرة المعارضة السورية حاليا والأكثر شراسة، المقاتلون الشيشان الذين خاضوا معارك دامية ضد روسيا لفترة طويلة وهم منحدرون من منطقتي الشيشان وشمال القوقاز اللتين كانتا مسرحا للصراع المسلح ضد الجيش الروسي على مدار عقدين من الزمن.

وبدأ المقاتلون من الشيشان وشمالي القوقاز في الوصول إلى سوريا في منتصف 2012 وكانت كتيبة "المجاهدين" التي تشكلت في صيف 2012 أولى المجموعات ذات الزعامة الشيشانية، وقاد المجموعة عمر الشيشاني، المقاتل المعروف ذو الأصول الجورجية، والذي صعد نجمه عقب ذلك في صفوف مقاتلي الدولة الإسلامية.

وانفصل عمر الشيشاني عن المجموعة المكونة من حوالي 700 مقاتل في بدايات 2013، وحل محله في قيادة المجموعة مقاتل آخر من الشيشان أيضا؛ هو صلاح الدين شيشاني.

وتقاتل جماعتا "جند الشام" و "أجناد القوقاز" الشيشانيتان إلى جانب "تحرير الشام"، لكنهما حافظتا على حيادهما خلال جولات الاقتتال الأخيرة التي خاضتها الفصائل في ما بينها.

وقدر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عام 2017 عدد المقاتلين الروس في سوريا بنحو 4 آلاف مقاتل إلى جانب خمسة آلاف مقاتل من دول الإتحاد السوفييتي السابق.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved