الإثنين 11 ديسمبر 2017 5:44 ص القاهرة القاهرة 16.1°

الأكثر قراءة

شارك برأيك

هل تتوقع تراجع ترامب عن قرار اعتبار القدس عاصمة إسرائيل؟

باريس.. عن اللاجئين العرب فى «الشانزليزيه» والجهود لتوفير طاقة نظيفة

باريس ــ خالد أبو بكر
نشر فى : السبت 2 ديسمبر 2017 - 7:35 م | آخر تحديث : السبت 2 ديسمبر 2017 - 7:35 م

مسئولة فى «توتال»: توفير الطاقة لمجتمعات أكبر ومواجهة المشكلات المناخية أحد تحدياتنا
فيرجينيا: شركتنا أكبر موزع للمنتجات البترولية فى إفريقيا ونطمح فى أن نكون الأول عالميا
قبل توجهك إلى باريس حتما ستحمل لها صورة مخملية، نابعة مما سطره كبار المثقفين والمفكرين العرب عن «مدينة النور»، التى لا يدانيها مدينة أخرى فى الافتتان والولع العربى بها، بداية من رفاعة الطهطاوى، الذى وصفها بأنها «أعظم بلاد الإفرنج بناء وعمارة» فى كتابه «تخليص الإبريز فى تلخيص باريس»، أو «فترينة الدنيا» كما وصفها توفيق الحكيم، أو «مهد العلم الذى يحج الطالبون إليه»، كما قال عنها أمير الشعراء أحمد شوقى. وعلى الرغم من مئات الكتابات العربية التى جعلت من باريس موضوعا للحكى إلا أن التجربة الأثيرة إلى قلبى هى ما خطه أديبنا الكبير، زكى مبارك، فى كتابه «ذكريات باريس» الذى لخص فيه مشاهداته على مدى سنوات خمس (1927ــ 1931) قضاها فى تلقى العلم فى السوربون، أتاحت له التجول فى ربوع باريس ودوربها والتعرف عن قرب على سكانها وفنونها وآدابها؛ فكثيرا ما كتب عن جولاته فى الحى اللاتينى ونزهاته على نهر السين، وجلوسه على مقاه «الشانزليزيه».
أسرنى زكى مبارك فذهبت إلى هذه المدينة وأنا فى شوق لرؤية ما تبقى من باريس الثلاثينيات كما صورها مبارك، وما صارت عليه من تحولات بعد 90 عاما. بمجرد نزولى الفندق تعزز إيمانى بأن باريس مبارك تختلف جذريا عن باريس اليوم. ذلك أن الفندق يقع فى حى «لاديفانس La Défense» الذى تم إنشاؤه فى ستينيات القرن الماضى، والذى يحظى بأهمية تجارية وسياحية تتزايد عاما بعد عام، لأنه يحتضن بعض أشهر المراكز التجارية، ومقار الشركات العالمية. كما تتميز عمارته بالأبراج العالية ذات الأبنية الزجاجية أو الفضية الأنيقة التى تخطف الأبصار.
كانت زيارتى الأولى فى هذا الحى إلى مقر شركة «توتال» ــ صاحبة الدعوة ــ رابع أكبر شركة فى العالم فى مجال تجارة وتوزيع وإنتاج البترول والغاز، والتى تنشط فى أكثر من 130 دولة حول العالم، وتعمل على تغطية جميع جوانب صناعة البترول، والتى تتضمن التنقيب وإنتاج وتوزيع المنتجات البترولية.
فى الطابق الحادى والثلاثين (من أصل 48) من البرح الرئيسى لمقر الشركة العملاق، والذى يعد ثالث أطول ناطحة سحاب فى La Défense ورابع أطول ناطحة سحاب فى باريس، بطول إجماليه 190 مترا، التقينا فرجينيا ميرينى، مديرة إدارة المعلومات والتوقعات بقطاع التسويق والخدمات الخاصة بشركة توتال فرنسا، التى تحدثت عن نشاط شركتها حول العالم فأكدت على أن حجم المبيعات فى 2016 بلغ 84.5 مليون طن من (البنزين ــ الديزل ــ الزيوت المحركات ــ بنزين الطيران ووقود الطائرات) ، وأن إجمالى الدخل الصافى الذى حققته فى نفس العام وصل 8.3 مليار دولار، خصصت منها مليار دولار للأبحاث والتطوير، أما عن عدد العاملين فى هذه الشركة فقالت: 98 ألف عامل فى كل فروعنا فى العالم.
من هذا الطابق المرتفع يلوح لك من بعيد «برج إيفيل» مع مشهد بانورامى لأجزاء من العاصمة الفرنسية مترامية الأطراف. تواصل فرجينيا بينما تشع من عينيها الزرقاوين لمعة واضحة: «طموحنا كبير.. نطمح فى أن تصبح (توتال) أكبر كيان متخصص فى توفير الطاقة عالميا، مع تقديم حلول تشجع عملاءنا على استخدام الطاقة بشكل مسئول». وهنا تأخذ نفسا عميقا وتستطرد: «إن العشرين عاما القادمة تفرض علينا ثلاثة تحديات أساسية: توفير الطاقة لمجتمعات أكبر ومواجهة المشكلات المناخية وتوقع تغيرات احتياجات العملاء. فى شركة توتال، نؤمن بأننا مسئولون عن توفير حلول واقعية. ويعنى ذلك أولا: توفير طاقة نظيفة يمكن الاعتماد عليها وبأسعار فى المتناول. كما نهتم بكفاءة الطاقة فى منشآتنا. وأخيرا، نسعى لإيجاد حلول مبتكرة للطرق الجديدة الخاصة باستخدام عملائنا للطاقة ومساعدتهم على عمل ذلك بمزيد من المسئولية».
تشير فرجينيا إلى خريطة لإفريقيا فى شاشة العرض أمامها وتقول: «انظروا.. هناك فى هذه القارة الكبيرة نحن نجلس على عرش أكبر موزع للمنتجات النفطية». قبل أن تستكمل بادرتها بالسؤال: كيف وصلتم لذلك؟ أجابت: «الكثير من المنافسين لم تطب لهم إفريقيا فى السابق. كان عدم الاستقرار والاضطرابات يسودان العديد من بلدان القارة السمراء، ما ترتب عليه انخفاض منسوب الأمن فى كثير من الأحيان، وهنا بالضبط اتخذت (توتال) قرارا استراتيجيا بالبقاء فى إفريقيا، القرار كان يحمل مخاطرة كبيرة تحملناها، لكنها أسفرت فى نهاية المطاف عن تواجدنا فى 44 دولة من أصل نحو ٥٢ دولة هم مجموع دول هذه القارة».
وأضافت بأنها تعتبر مصر من «البلدان المفتاحية لقارة إفريقيا، ولذلك فشركتنا فى مصر تعد واحدة من أكبر شركات التسويق والخدمات التابعة لشركة توتال على مستوى العالم، وتوفر 500 فرصة عمل سنويا للمصريين. كما أنها تمتلك 237 محطة و72 مركز رعاية السيارات، وتلتزم بالسلامة والجودة وإرضاء العملاء».
سألتها عن الصعوبات التى يمكن أن تواجههم فى العمل بمنطقة مضطربة ومليئة بالصراعات مثل الشرق الأوسط، فقالت: «لسنا طرفا فى هذه الصراعات التى تتحدث عنها.. لا علاقة لنا بالسياسة ومتغيراتها، نحن مهتمون بعملنا فى هذه المنطقة، كما نهتم بعملنا فى كل مناطق العالم التى نوجد بها».
تكاد تتلمس «باريس زكى مبارك» كلما تجولت فى الأحياء والمناطق التى طورها فى منتصف القرن التاسع عشر المعمارى الشهير البارون أوسمان فى عهد الإمبراطور نابليون الثالث، ذلك التخطيط الذى يعتمد على فكرة أساسية هى عبارة عن ميادين تنطلق منها شوارع عديدة، مثل ميدان شارل ديجول ــ إيتوال أو النجمة، ويطلق عليه اسم النجمة، لأنه يشبه النجمة التى ينطلق منها الإشعاع فى كل اتجاه، فمن هذا الميدان ينطلق 12 شارعا عريضا (بولفار) . وبنيت خطة هاوسمان العمرانية للإمبراطور نابليون الثالث بالأساس للسماح للجيش الفرنسى بالسيطرة على باريس فى أسرع وقت، فى حال ثار الشعب الفرنسى مرة أخرى.
كما اعتمد هاوسمان نظام موحد للبناء، فحدد الطرز المعمارية للمبانى وارتفاعاتها وحتى مقاساتها بما فى ذلك نوافذها وارتفاع طوابقها. كما اهتم بالمتنزهات الصغيرة داخل المدينة وأبرزها حديقة لوكسمبورج والمتنزهات المتسعة على أطراف المدينة وأبرزها غابة بولونيا. وكل من يزور باريس يلاحظ وجه الشبه بينها وبين تخطيط وسط المدينة فى القاهرة أو قاهرة الخديوى إسماعيل.
تفتش عن باريس زكى مبارك، فتذهب إلى شارع الشانزليزيه، الذى يعد من أرقى وأفخم الشوارع السياحية والتجارية فى العالم، فتوجد به أرقى المحال التجارية العالمية والمطاعم الراقية. كما تكثر فيه المقاهى على جنبات الرصيف والطرقات الجانبية، فمنذ تأسيس أول مقهى فى باريس سنة 1686م تحت اسم «Le Procop» وسكان باريس مغرمون بالجلوس على المقاهى، حيث تنتشر على جانبى معظم شوارعها.
فور أن تطأ قدماك هذا الشارع من أى اتجاه تكتشف على الفور الحضور العربى الطاغى فيه، لاسيما فى المساء، فهو قبلة كل زائر لباريس، لكن هذا الحضور فى معظمه محزن ومخجل فى آن واحد، فالعرب لم يحضروا إلى هذا الشارع بمنتجات تنافس المعروضة فى محلاته وبيوت أزيائه، ولم يحضروا بفنون راقية تعرض على مقاهيه، بل حضروا ــ فى غالبيتهم ــ لاجئين بفقرهم وعوزهم وعقدهم السياسية التى ألقت بمئات الآلاف من السوريين والعراقيين والليبيين على أرصفة شوارع أوروبا. منظر السيدات والفتيات (وأحيانا عوائل بكاملها) من الفارين من جحيم الحروب الأهلية فى بلداننا العربية وهم يمارسون التسول على جنبات الشانزليزيه كفيل بالقضاء على أى بهجة منتظرة من الجلوس أو المرور فى هذا الشارع العالمى الشهير.
يطالعك فى نهاية «الشانزليزيه» قوس النصر أحد أهم معالم باريس، الذى بدأ العمل فيه سنة 1806، وأراده نابليون بونابرت رمزا يخلد انتصارات الجيوش الإمبراطورية الفرنسية.
فى صباح ثانى أيام الزيارة توجهنا إلى محطة GARE DE LYON فى باريس، كى نستقل القطار فائق السرعة (TGV) المتجه إلى مدينة ليون، والذى يقطع المسافة البالغة نحو 420 كيلو مترا فى ساعتين. وهى المسافة التى تقطعها قطاراتنا فى وقت لا يقل عن 7 ساعات. كانت وجهتنا صوب زيارة مركز أبحاث كريس ــ سوليز، وهو أحد مركزى الأبحاث التابعين لقطاع التسويق والخدمات لشركة توتال. يضم المركز أكثر من 70 أداة متطورة لتقييم أداء المنتجات البترولية بواسطة تكرار تشغيل المحركات وأجهزة نقل الحركة، وأكثر من 50 تقنية تحليلية متنوعة يتم تنفيذها لتحديد التركيبة الدقيقة للمنتجات. وينجح الباحثون العاملون فيه فى إيداع نحو 200 براءة اختراع سنويا، بحسب فرجينيا أجرا، مدير التواصل التكنولوجى بالمركز.
ومن جهته قال ماثيو آرونديل، مهندس إنتاج الزيوت فى مركز الابحاث والتطوير التابع لـ«توتال»: نجرى فى هذا المركز أبحاثا على المنتجات البترولية التى يقوم قطاع التسويق والخدمات بتسويقها وهى: الزيوت، والوقود، والبتيومين، والسوائل الخاصة، وهذه الأبحاث تتضمن العمل على الوصول إلى تركيبات خاصة بمنتجات جديدة متنوعة ومبتكرة تقدم لعملائنا قيمة مضافة عالية. وتركز أبحاثنا على مجالين أساسيين: كفاءة الطاقة، وطول عمر المعدات.
وفيما يخص الوقود قال آرونديل «إننا نعمل على تقديم مواد إضافية للوقود تعمل توفير عدة خواص: ثبات التخزين، وجودة المنتج، وحماية مكونات المحرك»، مضيفا بأن «تحدياتنا المستقبلية تتمثل فى تلبية احتياجات الطاقة لمجتمعات متنامية وتقديم حلول عملية خاصة بالاحتباس الحرارى ومواكبة تطورات عملائنا».
الملاحظ فى محطات الوقود الخاصة بـ«توتال» والمنتشرة فى باريس أن المواطنين هم الذين يقومون بكل شىء، سواء تزويد الإطارات بالهواء وصولا إلى غسيل السيارات وتزويد السيارة بالوقود، فليس منظرا غريبا أن تشاهد فاتنة فى أزهى الثياب تزود إطارات سياراتها بالوقود أو تقوم بغسيل سيارتها. وعندما سألت عن السبب قالوا إنه قيام الشخص بنفسه بغسيل السيارة سيكلفه نحو 20 يورو أما لو غسل سيارته آليا لأنه لا يوجد عاملين لهذا الغرض سيكتلف نحو 50 يورو.




شارك بتعليقك