الإثنين 11 ديسمبر 2017 11:41 ص القاهرة القاهرة 18.8°

الأكثر قراءة

شارك برأيك

هل تتوقع تراجع ترامب عن قرار اعتبار القدس عاصمة إسرائيل؟

الدكتور يوسف نوفل يكتب: رجائى عطية فى «دماء على جدار السلطة»


نشر فى : الإثنين 4 ديسمبر 2017 - 10:11 م | آخر تحديث : الإثنين 4 ديسمبر 2017 - 10:11 م
انتهى فى كتابه إلى تأكيد أن أنظمة الحُكْم الأموية العباسية والعثمانية لا علاقة لها بالإسلام ومبادئه وأحكامه
رجع إلى أمهات كتب الأخبار والتراجم والسير والمغازى وتاريخ الدول والطبقات والرسل والخلفاء والصحابة والولاة والملوك
الكتاب الذى بين أيدينا يؤكد أنه لم توجد الخلافة الراشدة إلا فى الزمن الأول.. وألا خلافة فى الإسلام لأنها ليست من أصول الحكم فى الإسلام
هذا بحث علمى فى التاريخ، وفى نظم الحُكم، وفى الدفاع عن الإسلام، وفى نقد المسلمين، وفى تصحيح الخطاب الدينى والاجتماعى والسياسى فى مجال قضية (الخلافة)، حتى ليمكننى استئذان المؤلف الكبير الأستاذ رجائى عطية فى أن أتخيل تعبيرا فرعيا نابعا من العنوان الأساسى، الذى اختاره الباحث بحق، وأعد ما أقترحه ــ بينى وبين نفسى ــ بمثابة الشرح والتفسير، على نمط الشروح وشروح الشروح فى تراثنا، هذا التخيل أو الاقتراح أو الشرح هو (دماء على جدار الخلافة الناقصة المعيبة، أو التوريث الملكى)، مع يقينى أنه ليس للمتلقى أن يقترح. وإنْ كان له أنْ يؤول ويفسر فحسب، وأرى أن من الواجب أنْ أضيف أن هذا الجهد المبذول فى تأليف هذا الكتاب القيم أضاف إلىَّ معلومات، وأحداثًا، ومآسى، ومواقف، وشخصيات لمْ أكن على دراية بها طيلة دراستى بمرحلة الليسانس، وما بعد الليسانس بكلية دار العلوم، وطيلة ممارساتى البحثية والأكاديمية بعد ذلك..

هذا البحث العلمى الرصين الذى بين أيدينا ينطلق فى مسارات: 

القراءة الناقدة النافذة

لأننا ونحن فى رحاب التاريخ تتراءى تساؤلات، منها: ماذا نأخذ من التاريخ، وماذا نترك؟ ما موقفنا من الحقيقة؟ وما موقفنا من النوايا؟ منْ كان على صواب؟ ومن كان على خطأ؟ ما كيفية التفريق بين الأسطورية، والمنـْقبية، والترجمة التاريخية العلمية، ذات النقد الفاحص، القائم على تفسير المرويات، والمنقولات، والأخبار، ومحاورة النصوص، وما دمنا مع التوثيق والأمانة التاريخية فإنه لا يصح إلا الصحيح، وهو ما نلمسه، بوضوح، فى هذا البحث العلمى المُضْنى.

وهنا، ونحن نقرأ التاريخ، علينا أن نتساءل:

ما التاريخ؟.. أىْ ما المقروء؟

وما أكثر منْ كتبوا شارحين مفهوم التاريخ، ودون التوغل فى أوراقهم، نقف على خلاصة ما كادوا يجمعون عليه، عبر العصور، من أن التاريخ يبحث فى معرفة أحوال السابقين وأخبارهم وأفعالهم وأحداثهم ومواقفهم وما حوْلهم، أو أحوال الأشخاص بتنوع أدوارهم وأفعالهم ونشاطهم ومراتبهم وصلاتهم، فى جملة النشاط الإنسانى والحضارى، وذلك بتوظيف الاستقراء، وبتأمل الماضى، وفحصه ونقده، حتى ليمـْكن لنا أن نتساءل مع «لويس جوتشلك»: كيف نفهم الماضى؟ مثلما تساءل فى كتابه بهذا الاسم. وبعد تساؤلنا عن القراءة والمقروء، نصل إلى:

القراءة الفكرية الموضوعية، أو من القارئ؟

رأينا كثيرا من المؤرخين طبيبا أو فيلسوفا أو قانونيا أو أديبا أو جغرافيا أو عالم اجتماع أو علم نفس، واحتل ــ فى الوقت نفسه ــ منزلته مؤرخا ومفكرا ناقدا، وهكذا نرى المؤلف الأستاذ رجائى عطية رجل القانون الخبير الشهير، والأديب الجهير الكبير، والمهتم بقضايا المجتمع والسياسة، نراه مؤرخا ناقدا ذا قراءة فاحصة جريئة.

لم تزعجه مشكلة الكتابة التأريخية وتأرجحها، أو تذبذبها بين المواقف المتباينة الحائرة بين:

موقف الاختيار والانتخاب، نترك هذا وندع ذاك من الأحداث والأخبار، حسب الهوى، والميول، أو موقف اختيار السلبيات والتوقف عندها، على نحو ما صنع جورجى زيدان فى سرده التاريخى الرائد، أو المصارحة والتعامل مع الحقيقة كما صنع العقاد فى بحوثه جميعها، وقد أشار إلى بعضها الكتاب الذى بين أيدينا، لا سيما ما كان فى إحدى عبقرياته حين قص ما حدث بين عمربن الخطاب، وخالد بن الوليد فى صباهما حين تصارعا، وأثر ذلك فى مستقبل علاقاتهما. لقد اختط المؤلف الأستاذ رجائى عطية خطته، ووضع منهجه، كما نراه فى:

استراتيجية الكتابة عند رجائى عطية:

المؤلف رجل الفكر والقانون والمنطق والأدب والتأريخ الموضوعى. لا العاطفى كما هو سائد فى مؤلفاته جميعها، دون استثناء؛ ذلك المنهج القائم على الأمانة العلمية، والدقة، والتحليل، والنأى عن الهوى، والإحاطة بجوانب موضوعه المدروس، وذلك من خلال خطواته الإجرائية من:

المرجعية الببليوجرافية والتوثيقية:

المصادر، وهى قديمة: حيث رجع إلى أمهات كتب الأخبار والتراجم والسير والمغازى وتاريخ الدول والطبقات والرسل والخلفاء والصحابة والولاة والملوك، وسائر الأعلام، والتاريخ العام، وتاريخ الإمامة والسياسة وتاريخ الدهور والقرون والبلدان والأماكن.
المراجع، وهى حديثة معاصرة: للأعلام الأكـْفاء المعاصرين، الذين تناولوا التأريخ، من أمثال: حسن إبراهيم حسن، وعلى إبراهيم حسن، ومحمد الخضرى، ومحمد جمال سرور، ومحمد عبدالله عنان، وعلى عبدالرازق، والسنهورى، وسعيد عبدالفتاح عاشور، والخربوطلى، والعقاد، وحسين مؤنس، وأحمد سلبى، ممن يضيق المقام، هنا، عن حصرهم.
المقدمة: وهى، على إيجازها، تغنى عن أى تفصيل، وتهيئ للمزيد، وتمهد للمعايشة والتلقى، على الرغم من إيجازها ودقة تعبيرها.

الخاتمة ص 389 ــ 410، وعنوانها «براءة الإسلام من هذه الدماء..».

وهى تتلخـص، وتلخص، معا، نزْع صفة الخلافة الإسلامية الصحيحة عن تلك الممارسات التى دُسَّـتْ على الإسلام، والإسلام منها برىء، تلك التى بدأت منذ عهد معاوية بن أبى سفيان، واستمرتْ وتفشتْ وتفاقمتْ عبْر القرون والمراحل التالية لدى العباسيين، ثم لدى العثمانيين، حتى سقوط الخلافة العثمانية، تلك «الخلافة المعيبة»، أو «الخلافة الناقصة»، أو «التوريث الملكى»؛ إذْ لم يستخلف الرسول صلى الله عليه وسلم أحدا، ولا ثيوقراطية فى الإسلام، ولم تتحقق، فعليا، خلافة بعد الزمن الأول؛ زمن الخلفاء الراشدين، رضى الله عنهم، وهذا ما أخلص الباحث فى عرضه فى كتابه، فى موقع الراصد الأمين، والمحلـل الدقيق، ليخلص إلى نتائجه، حيث انتهى المؤلف فى أواخر سطور كتابه الصريح الجرىء إلى ختام القول الحاسم: 

إلى «... تأكيد أن أنظمة الحكـْم التى طالعناها فى الدولة الأموية وفى الدولة العباسية، وما تفرع منها أو وازاها، وفى الدولة العثمانية ــ لا علاقة لها بالإسلام ومبادئه وأحكامه، لا من قريب ولا من بعيد. بل إن ممارستها، والدماء التى أراقتْها على جدار السلطة، كانت مخالفة صريحة وصارخة للإسلام البرىء براءة تامة من هذه الدماء، ومن هذه الممارسات الضالة الضريرة !!!».  

وقد ساعده على بلوغ مأربه التاريخى العلمى تحديدات دقيقة فى:

العنوان: (1) الرئيس، بمفرداته الأربع الماضية مع أربعة عشر قرنا، والثرية بالدلالات.
(2) العناوين الفرعية فى مثـْـل «فاجعة البداية» ص 11، والحكْم القاطع النافى للتزوير فى «ملكية لا خلافة»، و«جرثومة عشق السلطة وجذور الغدر والخيانة»، وما تبعها من عناوين الفصول، حتى نصل إلى فصل النهاية أو الخاتمة ص 389، كما أشرنا فى السطور السايقة.
المساحة المدروسة (المرحلة الزمانية): وهى محددة بدقة منذ بدئها فى مواقف معاوية (الدولة الأموية)، فاستمرارها وتفاقمها فى الدولة العباسية، فالعثمانية، حتى زالت الغمـة، وحتى غروب دولة الخلافة العثمانية بإلغاء مصطفى كمال أتاتورك الخلافة فى الثالث من مارس عام 1924، تلك التى شهدت حكم آخر سلاطين العثمانيين، أو الخلفاء المعيبين، وهو السلطان الثامن والثلاثون: عبدالمجيد خان الثانى.

النتائج التاريخية والعلمية:

صلـْب هذه النتائج، فيما أرى، تصحيح الخطاب الدينى والاجتماعى والسياسى. 
وبيان افتتاح الأبواب على مصاريعها لوقوع الطامة الكبرى، وللمخالفة عن مبادئ الدين الحنيف وقيمه، وإلى تحول الخلافة إلى خلاف، أحْدث رتقا واسعا فى تاريخ الإسلام والمسلمين، وإلى الاتجاه إلى مُلـْك عضوض صار بمثابة الذريعة والتعلـة الكاذبة للخروج على البيعة، فى الوقت الذى رفض فيه الإمام على رضى الله عنه تولية ابنه من بعده، وتحول الأمر، من ثم، إلى ملكية وراثية، وسلْطنة، وإلى توريث ملكى، وإلى الطمع الدائم المتوارث فى الحكْم، وإلى البطش وسفك الدماء والاستبداد والترهيب، وقطع الرقاب والأيدى، وسب وسبْى، وتوثيق وسجن وتعذيب، وحرْق فى جوف جيفة حمار، وأصبح الرجل يجزع، وهو يرى «قبرا محفورا، وكفنا منشورا، وسيفا مشهورا»، وانقلاب الخلافة إلى ملـْك قائم على العصبية تابعة للجنس أو الأصل أو الذرية، كما عبر ابن خلدون، وكما شرح الأستاذ عبدالرزاق السنهورى فى رسالته لنيل درجة الدكتوراه وعنوانها فقه الخلافة 1926، وذلك العام وما حوله ذو منزلة تاريخية خطيرة فى الثقافة والحضارة والأدب والسياسة والفكر فى مصر: 

عام 1926:

لقد شهد ذلك العام أصداء الجدل واحتدام النقاش حول هذين الكتابين، وازدياد حدة الاشتعال بصدور كتاب «فى الشعر الجاهلى» لطه حسين، قبل أن يسحب، ليعود فى إصدار جديد حذفتْ منه فصول، وأضيفتْ إليه فصول، كما ذكر طه حسين فى المقدمة حتى قام ــ بعد صخب وجدل وصراعات وثورات طال أمدها ومداها ــ بتبديل عنوان كتابه وصار فى الأدب الجاهلى، وهو ما نتداوله الآن.
وإجمالا، نجد الكتاب الذى بين أيدينا مؤكدا أنه لم توجد الخلافة الراشدة إلا فى الزمن الأول، زمن الخلفاء الراشدين الأربعة، وأن الإسلام برىء من نظام الخلافة، اتفاقا مع رأى الشيخ على عبدالرازق فى كتابه الإسلام وأصول الحكْم 1925، وألا خلافة فى الإسلام لأنها ليست من أصول الحكم فى الإسلام، اتفاقا مع رأى الدكتورعد الحميد متولى، وأن الخلافة كانت «ناقصة» بعد عهد الراشدين، كما عبر السنهورى فى كتابه بقوله: (الخلافة الناقصة).

وختــاما:

إذا تذكـرْنا قول الشاعر: نعيب زماننا والعيب فينا....
فإنى أتذكـر، مع لسان حال الكتاب الجرىء الصريح، الذى بين أيدينا، أنه من الأولى بنا أن نقول:.... وعابوا ديننا والعيب فينا!!!!.

د. يوسف نوفل

 




شارك بتعليقك