الثلاثاء 21 نوفمبر 2017 5:33 م القاهرة القاهرة 18.5°

الأكثر قراءة

شارك برأيك

هل تؤيد إيقاف «شيرين» عن الغناء بعد واقعة «النيل»؟

«الشروق» تنشر حلقات من الجزء الأول من مذكرات عمرو موسى «1»: نشأتى مرتبطة بحزب الوفد وزعاماته التاريخية

خالد أبو بكر:
نشر فى : الأحد 10 سبتمبر 2017 - 9:49 م | آخر تحديث : الأحد 10 سبتمبر 2017 - 10:09 م

- خطبت فى الجماهير وأنا ابن السادسة والتقيت مصطفى النحاس ومكرم عبيد وفؤاد سراج الدين


- توفى والدى الدكتور محمود موسى المدرس بكلية الآداب والنائب الوفدى فأحاطنى جدى لوالدتى برعايته


- رسبت فى الصف الأول الثانوى وتلقيت عقابًا شديدًا من أمى بسبب «السقوط» حتى نجحت ولم أكررها


- عبدالوهاب مطربى المفضل.. وأحببت السينما ودخنت أول سيجار فى الثالثة عشرة


- هذه هى قصة أخى غير الشقيق «على موسى» الفرنسى الجنسية


- تركت المحاماة إلى الخارجية بعد نبوءة قاضٍ ترافعت أمامه بأننى سأصبح وزيرًا للعدل


- أول عمل لى بالخارج كان فى سفارتنا بسويسرا وهناك نشأت علاقتى بالثورة الجزائرية


عمرو موسى، اسم من ذهب فى تاريخ الدبلوماسية المصرية والعربية، حياته المهنية الحافلة والمناصب الرفيعة التى تقلدها سواء فى العشرية التى شغل فيها منصب وزير الخارجية المصرية (1991ــ 2001)، أو فى العقد الذى قضاه أمينا عاما للجامعة العربية (2001 ــ 2011)، بخلاف سنوات عمله فى الوفد المصرى بالأمم المتحدة فى ستينيات وثمانينيات وتسعينيات القرن الماضى ــ جعلته منجما لأسرار وكواليس الكثير من الأحداث الكبرى التى عاشها العالم العربى من محيطه إلى خليجه فى النصف الثانى من القرن العشرين، وحتى يومنا الحاضر؛ فخلال الفترة التى أعقبت تقاعده عن العمل الرسمى انخرط فى شئون مصر الداخلية، ولم تنقطع صلته بما يدور فى المطابخ السياسية العربية والعالمية.

 

الخبر السار أن موسى قرر منذ الربع الأخير من سنة 2015 أن يكتب مذكراته التى اختار لها عنوان «كِتَابِيَهْ»، الذى استمده من الآية القرآنية الكريمة «فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ» (الحاقة ــ 19)؛ ليخط فيها شهادته على الأحداث التى عاصرها من المواقع المختلفة التى شغلها طيلة حياته المهنية، كاشفا الكثير من الأسرار التى ستحظى باهتمام المواطن المصرى والعربى فى كل مكان. تأتى مذكرات موسى ــ كما يقول فى مقدمة الجزء الأول ــ «فى ثلاثة أجزاء منفصلة وإن متتابعة مترابطة، يسرد الجزء الأول منها نشأتى حتى أصبحت وزيرا للخارجية وينتهى بخروجى من الوزارة، ويتعامل الجزء الثانى من المذكرات مع السنوات العشر التى قضيتها على رأس الجامعة العربية. فيما يتعلق الجزء الثالث بما بعد ذلك، أى من 25 يناير 2011 وحتى إقرار الدستور فى عام 2014 وتولى الرئيس عبدالفتاح السيسى حكم مصر».

اعتبارا من اليوم تنشر «الشروق» حلقات من الجزء الأول من مذكرات عمرو موسى ــ التى تصدر قريبا عن «دار الشروق» ــ والتى قام بتحريرها وتحقيقها وتوثيقها، الكاتب الصحفى، خالد أبو بكر، مدير تحرير جريدة «الشروق» القاهرية. وجاء هذا الجزء فى 654 صفحة من القطع المتوسط، حاملا بين دفتيه 33 فصلا موزعة على قسمين؛ الأول تناول حياة موسى من الميلاد سنة 1936، إلى نهاية عمله مندوبا دائما لمصر فى الأمم المتحدة فى مايو 1991، فيما تم تخصيص الثانى للسنوات العشر التى قضاها وزيرا للخارجية، والتى انتهت فى مايو 2001.

لعل أهم ما يميز هذه المذكرات ــ كما يقول الناشر إبراهيم المعلم، رئيس مجلس إدارة دار«الشروق» فى تقديمه لها – إن: عمرو موسى يقدم فيها منهجا جديدا فى كتابة المذكرات السياسية لا يعتمد فقط على الذاكرة البشرية، التى تقف عند حدود بعينها، وتنتابها الكثير من عوامل التعرية، أقلها الخلط والخطأ والنسيان. بل إنه يكتبها من «الوثائق الرسمية» التى تنطق بـ«الحقيقة المجردة»، التى لا تقبل شكا أو جدلا، ولا تحمل شبهة انحياز. أو من خلال «شهادات مسجلة وموثقة» لآخرين شاركوه صناعة الأحداث، أو كانوا قريبين منها من موقع (شهود العيان)، وجميعهم على قيد الحياة».

تبقى نقطة فى غاية الأهمية وهى أن هذه الحلقات التى سننشرها من الجزء الأول من مذكرات عمرو موسى لن تغنى عن قراءة الكتاب بكامله، الذى تكشف صفحاته عن الكثير من الأسرار الشخصية والعملية فى حياة وزير الخارجية المصرى التاريخى؛ وبعبارة أخرى نقول: إن ما سينشر فى هذه الحلقات ــ وإن عرضناه على لسان موسى بصيغة المتكلم ــ هو اختزال شديد جدا للنص الأصلى بتفاصيله الكثيرة والجديدة والمشوقة فى آن واحد.

• طفولة فى رحاب الوفد

ولدت فى 3 أكتوبر 1936م، فى حى منيل الروضة بالقاهرة. كان من الأحياء الهادئة، التى تقبل على السكنى فيها الطبقة المتوسطة فى ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضى. النيل من الأشياء التى ارتبطت بها منذ مرحلة باكرة من حياتى. أذكر بمزيد من السعادة تلك المرات التى أخذتنى فيها والدتى السيدة «ثريا حسين الهرميل» للتنزه على صفحة هذا النهر العظيم. مازلت أشعر بقبضة يدها وهى تمسكنى بقوة خلال ركوبنا المراكب الشراعية التى كنا نتجول بها فى مياهه.

والدى الدكتور محمود أبوزيد موسى. كان يعمل مدرسا فى كلية الآداب بجامعة القاهرة. بعد عودته من فرنسا وتخرجه فى جامعة ليون دخل مجال السياسة مثله مثل شباب تلك الأيام الذين تعلموا فى أوروبا ويستندون إلى أسر عميقة الجذور، وانتخب نائبا فى مجلس النواب عن حزب الوفد فى أواخر عشرينيات وأوائل ثلاثينيات القرن الماضى، وكان مقربا من الزعيم مصطفى النحاس باشا؛ لأنه كان من ضمن مجموعة شباب حزب الوفد التى تلقت تعليما جيدا فى الخارج، وكان الحزب يستند إليهم ويراهن عليهم، ويعدهم للمستقبل فى محاولة مدروسة لتواصل أجياله.

فى هذه الفترة تركنا حى منيل الروضة، وانتقلنا إلى شارع سعيد المتفرع من شارع قصر العينى. كان منزلنا مشرفا على حدائق مجلس الوزراء، الذى كان قصرا للأميرة شويكار ومبناه الفخم وأشجاره الوارفة آنذاك. على الناحية الأخرى من هذه الحدائق يربض البرلمان بقبته التاريخية. يوميا كنت أطل من النافذة على هاتين المؤسستين (مجلس الوزراء والبرلمان)، وكثيرا ما حكت لى والدتى عن أهميتهما، التى تبدت لى من خلال متابعتى للحركة الدءوبة حولهما، لاسيما من الضباط والجنود الذين كانوا يرتدون ملابس التشريفة بألوانها الزاهية المبهجة.

بعد أن بلغت الخامسة بقليل، أصيب أبى بالفالج (نوع من الشلل)؛ الأمر الذى قلب نظام الأسرة. من بين الوصفات التى وصفت له كى تتحسن حالته العيش فى الريف، حيث البعد عن التوترات بما فيها العمل فى الجامعة والسياسة. تحقق ذلك بأن دعانا جدى لوالدتى النائب الوفدى فى مجلس النواب «حسين بك الهرميل» للإقامة معه فى منزله الكبير بـ«محلة مرحوم»، الواقعة إلى جوار مدينة طنطا. كان بيتا رحبا يسميه الناس هناك «السرايا»، ولذلك كان من السهل أن يخصص لنا فيه ــ والدى ووالدتى وأنا ــ جناحا كاملا.

خلال تلك الفترة التقيت ببعض زعماء الوفد الكبار فى مناسبات عديدة؛ فعندما بلغت السادسة من عمرى، جاء لزيارة جدى، القطب الوفدى الكبير، مكرم عبيد باشا، قبل أن يتم فصله من حزب الوفد فى يوليو 1942م. أنشدت أمامه نشيدا للترحيب به، يقول مطلعه «أهدى لمكرم باشا الورد»، وبعد ذلك بسنوات قليلة زارنا فؤاد باشا سراج الدين الذى أصبح سكرتيرا عاما للوفد.

لم يكن جديدا علىّ أن أقف أمام مكرم عبيد باشا للترحيب به فى هذه السن الصغيرة؛ فقبل هذه الزيارة خطبت فى الجماهير خلال مؤتمرات جدى الانتخابية الخاصة بالانتخابات البرلمانية التى أجريت فى مارس 1942م، والتى فاز فيها الوفد بأغلبية كبيرة بعد أن قاطعها «الأحرار الدستوريون» و«السعديون».

أول مرة زرت فيها النحاس باشا مع جدى كانت فى إجازة نصف العام سنة 1946م. قدمنى جدى إليه بقوله: «هذا عمرو ابن الدكتور محمود موسى»؛ فاحتضننى الباشا وقبلنى وربت على كتفى، وأجلسنى على حجره، وظل يسألنى بعض الأسئلة من تلك التى تسأل للأطفال فى مثل سنى: فى أى سنة دراسية أنت؟ وفى أى مدرسة؟.. وعندما أجيب يرد مبتسما: ما شاء الله.. ما شاء الله.

توفى والدى أوائل سنة 1945م، ولكن وجود جدى فى حياتى خفف نسبيا وقع غياب الأب على نفسى؛ فقد أولانى هذا الرجل العظيم عناية ورعاية خاصة، لم يحظ بها أى من أحفاده الآخرين. ذهبت بعد ذلك إلى المدرسة الابتدائية، ومع دخولى إياها لبست «بنطلون» طويلا لأول مرة، قبلها كنت أرتدى «الشورت» مثل معظم أطفال ذلك الزمان. كان لبس البنطلون الطويل واحدا من المطالب التى ألححت بها على أمى. أول بنطلون ارتديته كان رماديا، لبسته مع جاكت أخضر، وطربوش، فكان هندامى معقولا، لكن هذه القيافة والشياكة كانت تذهب إلى خبر كان عندما نلعب الكرة فى المدرسة؛ ففى المرات التى كنا لا نجد فيها كرة نلعب بها، كنا نلعب بطربوش واحد منا!.

كانت والدتى مهتمة جدا بأن أظل على علاقة جيدة بأسرة الوالد، فى قرية «بهادة» بمركز قليوب (تتبع الآن مركز القناطر الخيرية)، بمحافظة القليوبية. فى بداية كل إجازة صيفية ترسلنى إلى أسرة والدى لأقضى معهم أسبوعين قبل أن أتوجه معها وجدى إلى المصيف بالإسكندرية.

• صوت عبدالوهاب وأول سيجار

زيارتى السنوية للقاهرة فى إجازة نصف العام كانت فرصة مهمة جدا للاطلاع على الفنون والآداب الحديثة، فخالى «سامى الهرميل» الذى ننزل عنده، تلقى تعليمه فى أوروبا، ولذلك كان يقيم الحفلات والمآدب واللقاءات الثقافية والاجتماعية باستمرار فى بيته بالزمالك. فى إحدى زياراتنا له أقام حفل عشاء دعا إليه نخبة من أصدقائه من الشخصيات العامة، وكان من بينهم الدكتور محمد صلاح الدين، الذى أصبح وزيرا للخارجية فى حكومة النحاس باشا الأخيرة (يناير 1950 ــ يناير 1952م)، والموسيقار محمد عبدالوهاب، الذى لفت انتباهى من بين الحاضرين. كنت فى غاية السعادة لرؤيته؛ لأننى أحب أغانيه وصوته الجميل، الذى اعتدنا الاستماع إليه من خلال «الراديو»، لاسيما أغانى أفلامه.. وإلى الآن هو مطربى المفضل.

خلال تلك الفترة بدأت تباشير الشباب تظهر علىّ، من الرغبة فى تدخين سيجارة.. الإعجاب بفتاة.. إثقال الخطوة عندما ينادى علىّ أحد، فى محاولة لإظهار أننى قد كبرت ولم أعد طفلا. بعد أن تخطيت عامى الثالث عشر بقليل ــ فى سنة 1949م ــ وصلنى أول «سيجار» فى حياتى. لا أذكر من أعطاه لى. يومها دخلت السينما مع مجموعة من الأصدقاء، فوجدتها مناسبة لإشعاله بداخلها.

لم أكن على دراية بكيفية تدخين «السيجار»؛ فسحبت نفسا عميقا وكأننى أدخن سيجارة صغيرة. على إثر ذلك دخلت فى نوبة إغماء. حملنى أصدقائى إلى خارج السينما، وسط ضحك وتريقة، وأنا لا أشعر إلا بالماء الذى يلقونه على وجهى كى أفيق، وبينما أنا خارج من حالة الإغماء قال أحدهم وهو منهمك فى الضحك «لمّا انت مش قد السيجار.. بتشربه ليه؟!».

حصلت على الثانوية العامة من مدرسة «طنطا الثانوية الجديدة»، لكن يجب أن أعترف هنا أننى فى بداية هذه المرحلة أهملت بعض دروسى، وكانت النتيجة هى رسوبى فى الصف الأول الثانوى. تسبب ذلك فى صدمة كبيرة لى وللعائلة. عانيت من كل ما يمكن أن يعانيه طالب راسب فى أسرة مصرية تتصور لابنها مستقبلا زاهرا فيفاجئها بالرسوب. كنت أعاير بهذا الرسوب طوال إعادتى للسنة «أنت من كان الأول على مدرسته فى الابتدائية تسقط؟!»، هكذا كانت أمى تقول لى طوال الوقت. شددت من إجراءاتها العقابية ضدى؛ فكان الرسوب درسا قاسيا لى وعيته جيدا، وأصبحت من الناجحين حتى تخرجت فى الجامعة.

• الحياة الجامعية

حصلت على التوجيهية (الثانوية العامة) سنة 1953م، بمجموع بلغ 58.8%، وأعلنت كلية الحقوق بجامعة القاهرة أنها ستقبل الطلاب الجدد بمجموع حده الأدنى 60% للقسم الأدبى. لم يكن هناك نظام التنسيق المعمول به الآن لدخول الجامعات. أخذت أوراقى وذهبت لتقديمها فى هذه الكلية؛ فرفض الموظف تسلمها منى. قال: «إن مجموعك أقل من الحد الأدنى ب0.2% (اثنين من عشرة بالمائة) انتظر أسبوعين، قد يتقرر تخفيض الحد الأدنى».

لم أرتح لموضوع الانتظار أسبوعين؛ فقررت الذهاب لمقابلة عميد الكلية لأعرض الأمر عليه. لم أكن أتخيل حرمانى من دخول كلية الحقوق التى هى رغبة أكيدة لى وأمل لوالدتى، ناهيك عن اللوم الذى كنت أتوقعه لأننى لم أحصل على الـ60% المطلوبة. سألت أحد السعاة عن مكتب العميد، فسألنى عن سبب المقابلة فحكيت له الواقعة. قال لى: «اذهب إلى الشيخ محمد أبو زهرة، وكيل الكلية، والمسئول عن قبول الطلاب الجدد».

توجهت إلى الشيخ أبو زهرة فى مكتبه، فما إن رآنى حتى قال بصوته الجهورى، وبلهجة عدوانية لطيفة كانت معروفة عنه: «إيه؟.. عايز إيه يا ولد؟.. انت مين؟ وجاى ليه؟». قلت: اسمى فلان.. وعندى مشكلة صغيرة، وهى أن مجموعى أقل من الحد الأدنى للقبول بالكلية بـ0.2%، وأنا أريد أن تقبلنى فى الدفعة الجديدة.

باغتنى بنفس لهجته الحادة: مش قادر تجيب 60%؟، ده أنت خيبان بقى.. خيبان هه. لماذا لا تنتظر كام يوم ربما نوافق؟. أجبت: لماذا أنتظر والأمر عند فضيلتك، والفصل بين يديك؟ (اندهشت أنا نفسى لهذه الجملة البليغة التى صدرت منى دون إعداد ويبدو أنه «انبسط» منها أيضا)، وبالفعل كتب على الملف الذى يحتوى على أوراقى «أوافق ويسجل»، وقبلت فى كلية الحقوق.

فى هذه الفترة تزوجت والدتى من رجل فاضل هو المرحوم المهندس محمد عبدالرحمن عبدالبارى (من قرية زاوية البقلى فى المنوفية). كان مفتشا عاما لمشروعات الرى فى الغربية ومقره طنطا، وقد أسهم هذا الرجل الكريم فى تربيتى؛ فعلمنى دوام الصلاة، وأشرف على توجيهى بتسامح وتفهم لحاجات الشباب، وسهل لى التمتع ببعض الحريات الإضافية التى لم تكن حياة القرية ومجتمعها يتفهمها جيدا.

فى الجامعة وجدنا آفاقا واسعة تتفتح أمامنا. لم يكن هناك تسجيل للحضور أو الانصراف؛ ولذلك نجحت فى تكوين شلة واسعة جدا من الطلبة، كنا نذهب إلى كلية الآداب و«بوفيهها» الشهير أو نذهب إلى حفلات السينما الصباحية، وغير ذلك من حركات الشباب وأنشطته وشقاوته. (يحتوى الكتاب على تفاصيل كثيرة عن حياة موسى الجامعية).

• من المحاماة للخارجية

بعد تخرجى عملت محاميا تحت التمرين، كان كل ما أصنعه هو أن أطلب تأجيل بعض القضايا بتقديم بعض المبررات لهيئة المحكمة. فى البداية كان الكاتب الذى يعمل بمكتب المحاماة الذى أتدرب فيه يساعدنى فى كتابة الصيغ الخاصة بطلب هذه التأجيلات. لكن فى مرة من المرات ذهبت إلى محكمة الجيزة الجزئية لطلب تأجيل، وكنت قد درست أسباب التأجيل بهمّة لا بأس بها، وترافعت أمام القاضى، وحصلت بالفعل على ما أردت.

فى أحد أيام سبتمبر من سنة 1958م، وبينما أهم لدخول محل «جروبى» الشهير فى وسط القاهرة لمقابلة بعض أصدقائى، لمحت ذلك القاضى الذى ترافعت أمامه فى محكمة الجيزة الجزئية ــ لم أعد أذكر اسمه الأول، لكن لقبه كان: ضياء الدين ــ يجلس مع اثنين من أصدقائه، فأشار لى، فذهبت إليه. بادرنى بالقول: أنت ترافعت قدامى من كام يوم؟ قلت: نعم. قال لى: شوف يا ابنى، إذا استطعت أن تتحمل مشاق المحاماة لمدة 10 سنوات ستكون أكبر محام فى مصر، أنا أتنبأ لك بذلك، ومن الممكن أن تصبح وزيرا للعدل فى يوم من الأيام.

أكرمنى الله بأن التحقت بوزارة الخارجية سنة 1958، علما بأن القبول فى الخارجية لم يكن خلال هذه الفترة بالوساطة، كان الأمر يتوقف على قدرتك على اجتياز الامتحان السرى والمقابلة الشخصية، وسلامة بعض التحريات الأمنية التى تجرى على المتقدم للتأكد من عدم قيامه بأى نشاط سياسى من الذى تعتبره الدولة موجها ضدها، مثل عضوية جماعة الإخوان المسلمين، أو أى من التنظيمات الشيوعية التى كانت تنتشر فى مصر وقتها، وأنا لم يكن لى أى نشاط سياسى من هذا النوع خلال فترة الجامعة أو قبلها.

أول عمل تسلمته فى الوزارة كان فى إدارة تسمى «إدارة الأبحاث». كانت تربط بين وزارة الخارجية ورئاسة الجمهورية، فأى شىء تريد الوزارة إرساله إلى الرئاسة يتم عبر هذه الإدارة المهمة. بعد ذلك نُقلت لأصبح سكرتيرا خاصا لوكيل وزارة الخارجية الجديد، الفريق حافظ إسماعيل، بعد أن رشحنى مدير «إدارة الأبحاث»، المستشار صلاح وصفى، رحمه الله، لهذا العمل.

مكثت فترة فى مكتب إسماعيل، إلى أن جاءت الحركة الدبلوماسية، فعرفت أننى مرشح للعمل فى سفارتنا فى أثينا. دخلت عليه محتجا. قلت له: «يا أفندم أنا فى مقتبل حياتى المهنية، وأريد أن أتعلم. ذهابى لأثينا يساوى عندى الذهاب إلى الإسكندرية بالضبط»، بعد كثير من التفاصيل ألحقت للعمل لدى سفارتنا فى العاصمة السويسرية برن مع السفير فتحى الديب.

الديب كان رجلا ذا عقل راجح وتجربة ثرية فى الحياة، فكان متفهما لانطلاق الشباب ممن فى مثل سنى، لكنه فى الوقت نفسه كان قادرا على السيطرة على الأمور بشكل ممتاز. كان فاعلا فى القضية الجزائرية، وتربطه علاقات وثيقة جدا بقيادات الثورة الجزائرية؛ التى كانت تدعمها مصر.

أذكر خلال فترة عملى فى سفارتنا فى برن أن الرئيس جمال عبدالناصر كان يهتم بنظام غذائه، ولذلك كان من يخدمونه يرسلون من وقت لآخر من يأتى له بأصناف معينة من الطعام الخاص بـ«الرجيم» من سويسرا. كانت أشياء بسيطة، وكان يأتى لإحضارها رجل ضخم الجثة، وكنت أنا المسئول عن تسليمها له. هذا الرجل كان يصر على أن «مصر هى أكبر دولة فى الدنيا، وأن الرئيس عبدالناصر هو أعظم رئيس فى العالم.. لا أمريكا ولا روسيا.. سيبك من هذا الكلام الفارغ ده يا أستاذ عمرو، رئيسنا أهم شخصية فى العالم.. والاتنين دول بيتنافسوا عليه وهو موريهم الويل.. ورغم كده شوف تواضعه.. الرجل يأكل فول وجبنة زى باقى الشعب»!. وعلى الرغم من حبى الشديد لعبدالناصر فإننى كنت أضحك على المنطق الذى يتحدث به هذا الرجل، وبخاصة أن الرئيس ليس أهم رئيس فى العالم (يحتوى الكتاب على تفاصيل كثيرة عن الفترة التى قضاها موسى فى سويسرا).

• البحث عن أخى على موسى

بعد سنتين من ولادتى، ولد أخ لى هو طارق موسى غير أنه توفى طفلا. بعد ذلك بقليل قيل لى إن لى أخا آخر يعيش فى فرنسا من أم تزوجها أبى وهو يتلقى العلم هناك واسمه «على»، ثم أصبح «بيير» وقد ولد فى 3 مارس 1922، أى أنه يكبرنى بـ14 سنة. حاول أبى أن يأتى به إلى مصر قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية إلا أنه واجه معارضة شديدة من أمه، التى تمسكت بأن بقاءه فى فرنسا أفضل له من العيش فى الشرق، وأن ذلك ــ وفقا لما تراه هى ــ يصب فى مصلحته.

اندلعت الحرب ووقعت فرنسا تحت الاحتلال الألمانى. فور معرفة أبى بهذا الخبر سقط مصابا بالفالج حزنا على ابنه الذى لم يستطع الاتصال به أو معرفة مصيره. ظل ــ يرحمه الله ــ يتعذب على فراش المرض من شدة القلق على ذلك الابن الذى يعيش فى بلد يخوض حربا طاحنة لا هوادة فيها، إلى أن توفى فى سنة 1945، التى انتهت فيها الحرب دون أن يتمكن من معرفة مصير موسى الصغير فى فرنسا.

تمر السنون والسؤال عن مصير أخى يكبر بداخلى. صار لغزا كبيرا فى حياتى أعمل جاهدا على حله. قبل وصولى برن أجريت محاولات عديدة للبحث عنه لكنها فشلت (تفاصيل هذه المحاولات موجودة بالكتاب).

فى إحدى الإجازات التى أمضيتها فى باريس سنة 1962/1963 هدانى تفكيرى للبحث عن اسمه فى دفتر التليفونات الخاص بهذه المدينة. لم أصدق نفسى عندما وجدت اسمه مكتوبا فى هذا الدفتر. رجف قلبى بشدة. تذكرت أبى. خاطبته كأنى واقف أمامه: يبدو أن الله قد أراد أن يريح قلبك الذى لاقيت ربك وهو موجوع على أخى.

حاولت تمالك أعصابى أثناء إمساكى بالسماعة لإجراء أول اتصال بـ«بيير». قدمت له نفسى: أنا أخوك عمرو. ظهر مترددا فى البداية وغير قادر على استيعاب ما أقوله له، فهو الآن فى الأربعين من عمره، وبعد كل هذه السنوات يتلقى تليفونا من شخص يقول له: أنا أخوك. كانت المفاجأة كبيرة عليه. قال إنه يعمل فى قطاع البنوك، وأنه عائد لتوه من واشنطن، حيث كان يمثل فرنسا فى أحد الاجتماعات الهامة، وأنه مسافر إلى أفريقيا فى ظرف أيام قليلة.

قال بيير وقد بدأ يستوعب ما أقوله: «لابد أن نلتقى قبل أن تغادر فرنسا»، ودعانى إلى فنجان قهوة سريع معه بعد يومين. قضيت بقية اليوم واليوم التالى وأنا متوتر الأعصاب.. رحت أفكر فيما يمكننى أن أقول له.. هل أحكى له عن مرض والدنا بسبب خوفه عليه بعد اندلاع الحرب، أم أجعل اللقاء لطيفا هينا باعتباره لقاء تعارف أتوقع أن تتلوه لقاءات أخرى؟.. انحزت إلى الخيار الثانى.

ذهبت إلى «الكافيه دى لابيه» قبل الموعد بساعة أو أقل قليلا. جلست على مائدة تمكننى من رؤية كل من يدخل من الباب الرئيسى، وتمكن الداخل أيضا من رؤيتها. تشاغلت بقراءة صحيفة.. الوقت يمر بطيئا جدا. بدأ الناس يتقاطرون على«الكافيه» فهو وقت «شاى بعد الظهر». رحت أشخص ببصرى صوب الباب الرئيسى متمنيا أن أتمكن من التعرف على أخى دون أن يتوه أو أتوه أنا منه. فجأة دخل «والدى» فوقفت وتوجه هو إلىّ وتصافحنا. قلت «والدى» لأن بيير يشبه والدى تماما. أول ما قاله لى: تعرفت علىّ.. بسهولة يبدو أنك ذكى. قلت: «كل ما فى الأمر أنك تشبه والدنا بشدة، لا يحتاج الأمر إلى ذكاء خاص»، فأظهر سروره بتأكيدى على شبهه الكبير بوالدنا.

انتهى اللقاء بأن اتفقنا على مداومة الاتصال دون الإعلان عن أخوتنا بالنظر إلى ظروفه الخاصة، فضلا عن أن العلاقات المصرية ــ الفرنسية لم تكن فى أحسن حالاتها، وخشى من تأثير ذلك على مكانته فى فرنسا، وهو ما تفهمته بشدة، فهو ينطبق علىّ أيضا، وإن بشكل أقل. مضت الأمور فى أوقات لاحقة بتبادل الزيارات بينى وبين أخى، دعوناه ــ زوجتى وأنا ــ لزيارة القاهرة مع زوجته، واستضفناه فى منزلنا فى «سيدى عبدالرحمن»، ثم دعوناه مرة أخرى إلى حفل زفاف ابنتنا هانيه، وحضر أيضا مع زوجته. بيير موسى واحد من أهم وأشهر رجال البنوك فى فرنسا، معروف بكفاءته العالية فى عالم المال والبنوك، وله عدة كتب منشورة ومقروءة. تزوج ولم ينجب، ولايزال حيا. وأزوره مرة كل شهرين.

اقرأ أيضا:

 13 سبتمبر.. «دار الشروق» تحتفل بإصدار مذكرات عمرو موسى

 

«الشروق» تنفرد بنشر صور من طفولة عمرو موسى

 

قبل طرحها بالمكتبات.. أبرز 10 معلومات عن مذكرات عمرو موسى «كِتَابِيَهْ»

 

في مذكراته.. عمرو موسى يحكي قصة أخيه «الفرنسي»




شارك بتعليقك