• المحررة تتنكر فى صفة مندوبة أدوية وتخترق أكبر المخازن التى تساهم فى ترويج الدواء غير المرخص
• الجريدة تنتج علبة دواء وهمية وتعرضها على الأطباء لتوزيعها على المرضى
• تقرير دولى: مصر تخطت نسبة الـ10% من إجمالى الأدوية المتداولة .. و24 مليار جنيه حجم تجارة الدواء فى مصر
• رئيس الإدارة المركزية للصيادلة: هناك رقابة وتفتيش بصفة مستمرة على المخازن والمحاضر تثبت أن الغش يأتى من مخازن مجهولة
بحثت كثيرا عن كلمات أستهل بها هذا التحقيق، لكنى لم أجد أكثر تعبيرا من القصة التى علمتها بالصدفة من جارتى، التى كانت سببا لتحقيق استقصائى أجريته عن المنظومة الصحية وقطاع الدواء فيها، وقبل أن انتقل بكم لوقائع اكتشفتها عن دوائنا ومصدر علاجنا، سأسرد لكم هذه القصة كما روتها جارتى وأكدتها لى بالمستندات.
تقول (م. أ. س): «تزوجت منذ 11 عاما، لكن ابتلينا بعدم الإنجاب، وطوال هذه السنوات ذهبنا للكثير من الأطباء، كنا ننفق غالبية دخلنا على محاولات الإنجاب، كنا نقتطع من حصة الطعام لنجلب الدواء، أو ندفع ثمن كشف الطبيب، ولم نيأس أبدا من رحمة الله، وكلما أخبرونا عن طبيب جديد نذهب إليه، أنفقنا آلاف الجنيهات كنا نتدبرها بالدين، وفى شهر يناير جاءت البشرى بأنى حامل، وفرحت أنا وزوجى، وأثناء متابعتنا عند الطبيب (أ. ه) أستاذ ودكتور نساء وتوليد، كتب لى حقنا لتثبيت الحمل، وبرغم أنها كانت غالية الثمن إلا أن زوجى تدبر النقود وهنا كانت الكارثة، فلم تمر ساعات على أخذها حتى أصبت بنزيف نقلت على أثره إلى المستشفى».. تجهش بالبكاء وهى تنظر إلى بعين باكية وتقول: «يا ريتنى مت ومكنش اللى كان، فلقد فقدت روحى، فقدت حلم دام أحد عشر عاما».
وبعد أن هدأت قليلا عادت لتكمل قصتها قائلة: «بعد أن تماثلت للشفاء بحثت أنا وزوجى عن سر ما حدث لى وهنا كانت الكارثة الثانية، تبين أننا أخذنا حقن مغشوشة، وهذا ما أكده لنا أحد الصيادلة من جيراننا بأن هذه الحقن لم تكن متوفرة فى هذه الفترة، وأن الموجود منها كان مغشوشا، وبعد أن علمنا بذلك حررنا محضرا ضد الصيدلية التى حصلت منها على العلاج، لكن ماذا يفيد التعويض عن السنين اللى مرت من عمرى أنا وزوجى؟».
انتهت قصة جارتى ليبدأ تحقيقى عن غش الدواء، حيث وجدت موقعا لإحدى شركات الاستيراد والتصدير تعلن عن بيعها لماكينات تصنيع الأدوية، اعتقدت أثناء تصفحى للموقع أنها تقوم ببيع الماكينات لمصانع الأدوية الكبرى أو المصانع المرخصة الصغيرة.
مراحل تصنيع علبة الدواء الوهمية
اتصلت بالهاتف المدون على الموقع فرد مدير المبيعات الذى طلبت منه ماكينة لصنع أقراص تشبه «الباندول» فرد على بتلقائية: «عايزاها إمتى؟»، وطلب منى دفع جزء من الثمن، وبعد 5 أيام سيتم استلامها، فطلبت منه مقابلته مع شريكتى لإتمام الاتفاق.
فى وسط حى باب الشعرية حيث الحوارى الضيقة، ذهبت مع صديقتى فى العنوان المحدد ووجدت يافطة كبيرة على باب العقار تؤكد أن الشركة مرخصة، ولها سجل ضريبى وتجارى، صعدت الدور الأول حيث مقر الشركة، فقابلنا مدير الإنتاج الذى كنت هاتفته منذ ساعتين حيث اطلعنى على الكتالوج الخاص بماكينات صناعة الأقراص، وعلمنا منه أن سعر الماكينة 43 ألف جنيه، وبعد مجادلة خفض لنا المبلغ حتى وصل لـ40 ألف جنيه.
ولم يبخل علينا بإعطائنا النصائح نتيجة خبرته مع الأشخاص الذين يأتون له لشراء الماكينات الخاصة بغش الدواء قائلا: «خذوا بالكم انتو أول مرة لازم يبقا عندكم خطة تسويق عشان متخسروش فى أول المشروع»،
سألته عن إمكانية استيراد ماكينة لصناعة المضاد الحيوى رد سريعا: «دى أرخص ممكن توصل لـ18 ألف جنيه».
فى دهشة وحيرة لم يسألنا أى شخص من العاملين بالمكتب عما سنقوم به من خلال الماكينة، طبعا قمت بتصوير الشركة من الداخل بحجة إرسالها لباقى الشركاء، لكى يطمئنوا من مصداقية الشركة، وأخبرته أن باقى زملائى من محافظة المنصورة، واتفقنا معه على مقابلته فى اليوم الثانى لدفع مبلع 20 ألف جنيه، وبعد وصول الماكينة سوف ندفع المبلغ المتبقى.
بعد أن تأكدت من سهولة الحصول على الماكينة، قررت استكمال التجربة فى عمل فواتير لبيع الدواء للصيدليات والمخازن وعلب الكرتون التى يتم وضع المستحضر الدوائى بها، وتدوين بيانات المنتج على العلبة.
وفى أحد شوارع قاهرة المعز خاصة شارع «الدرينى» وجدت مطبعة كبيرة قابلت المسئول بها، واتفقت على البدء فى تنفيذ 1000 علبة كرتون كعينات أولية، ثم 10 آلاف علبة شهريا حسب الطلب واستهلاك السوق.
وكنت قد اشتريت علبة دواء حقن ثمنها فى السوق 100 جنيه تستخدم لعلاج الأنيميا، وأفرغتها وأخذت العلبة الكرتون التى أردت تقليدها، وبذلك يمكننى وضع أمبولات مغشوشة داخلها.
المدهش فى الأمر أن كلا الطرفين كان يعلمان أن المنتج مغشوش، ولا يوجد لدينا لا سجل ضريبى ولا ترخيص بإنتاج دواء، ورغم ذلك لم يعترض أحد، بل على العكس تماما الكل يساعدنا لمجرد حصولهم على الأموال.
وفى يوم آخر، ذهبت إلى مطبعة أخرى بالجيزة لصنع فواتير سجل ضريبى مزورة، لكى أستطيع بيع المنتج على مخازن الأدوية، وبالفعل تم تزوير 10 دفاتر فواتير مدون بها سجل ضريبى واسم شركة وهمى مقابل 200 جنيه فقط، ثم عرفت أن عملية الغش لا ينقصها سوى «أكلشية» لختم الفواتير، وسألت بعض الأشخاص عن إمكانية تزويره، فقالوا لى إن الأمر مستحيل ولابد من وجود ما يثبت أن الشركة لها سجل ضريبى ومرخصة، فذهبت إلى أحد مكاتب وسط البلد فى شارع متفرع من «شامبليون» وطلبت عمل «أكلشيه» مدون عليه اسم الشركة وسجلها الضريبى، وبالفعل تمت العملية ولكن هذه المرة سألنى صاحب المكتب «عايزاها فى إيه؟»، قلت له «بنعمل مشروع لصناعة دواء وبصراحة معنديش شركة لأننا بنبتدى»، فرد «ربنا يوفقكم انتو شباب ولازم نقف معاكم».
وبالفعل، ذهبت له فى اليوم التالى وأخذت «الأكلشيه»، وبهذا أصبحت أملك كل الخطوات التى تجعلنى أصنع دواء مغشوشا دون ترخيص وأقوم بتوزيعه.
لم أكن أتخيل أن المهمة ستكون غاية فى السهولة فى صناعة كل ما يخص الدواء، وبعد انتهاء كل الخطوات التى تخص صناعة أى دواء قررت استكمال التجربة من خلال مندوبى الدعاية، لكشف حقيقة تورط بعض الأطباء فى مساعدة تجار الأدوية فى بيع المنتج المغشوش الخاص بهم، مقابل الحصول على ربح أعلى من الشركة مقابل صرف الدواء للمرضى.
تجربة مندوبة مبيعات للدواء
صديقة لى تعمل فى مجال الدعاية الطبية كثيرا ما حدثتنى عن عملهم، فدورهم ببساطة هو تسويق الدواء الذى تمتلكه الشركة التى يعملون لديها، سواء بالإقناع اللفظى أو المادى للطبيب المعالج، وكنت أتعجب كثيرا عندما تحدثنى عن أخلاق كثير من الأطباء الذين لهم ثقلهم فى مجال الطب، وكيف يكون للطبيب وجه ثان أمام مندوب الدعاية لا نراه نحن العامة، فأمام مندوب الدعاية يصبح أكثر تحررا ويتحول لتاجر يتحدث عما سيحققه من مكاسب من كتابة الدواء التابع لهذه الشركة للمرضى، وقليل جدا منهم من يهتم بالمعلومة الطبية.
قررت أن أخترق هذه الدائرة بنفسى لأوثق كل ما أراه دون أن أتجنى على أحد، فذهبت إلى أحد محال الحقائب الجلد، واشتريت حقيبة تشبه التى كنت أراها مع صديقتى، ومن حديثى معها علمت أنها علامة لمندوب الدعاية، وأنها تحتوى على عينات من الدواء الذى تسوق له أو أوراق دعاية.
كذلك توجهت لأحد مكاتب الطباعة وأعطيته منشورا من منشورات الدعاية الخاصة بأحد أدوية المضادات الحيوية التى تعمل عليها صديقتى، وطلبت منه أن يصمم لى نفس المنشور، ولكن بعد تغيير اسم الدواء (سى بيوتك)، ولم يجادلنى صاحب مكتب الدعاية والطباعة، لكن فى بساطة اتفق معى على التكلفة التى طبعا كانت أضعاف التكلفة الحقيقية، وقال لى «بكرة تكون جاهزة».
جاء اليوم التالى، وبعد أن استلمت أوراق الدعاية أخذت عددا منها وتوجهت إلى عيادة الطبيب (سعيد. أ.م ) دكتور شهير فى أمراض الباطنة بمدينة المنصورة، دخلت العياده وقلبى يزداد خفقاته خوفا من أن يكشفنى فأنا صحفية، ولا أعرف عن الطب أو الدواء شيئا وكل معرفتى هى أربع كلمات أنجليزى أخبرتنى بها صديقتى عن الدواء، رأيت تمرجى العيادة، فتقدمت إليه وأخبرته بأننى أدعى كوثر عبده مندوبة شركة «رابش فارما».
ملحوظة: «رابش فارما» معناها شركة أدوية الزبالة، أخبرنى التمرجى بأنه من الممكن أن أحضر بعد ساعتين حتى ينتهى الطبيب من الكشف على المرضى، لأنه يقوم باستقبال مندوبى الدعاية بعد نهاية مقابلة المرضى.
تجولت قليلا فى نفس الشارع، وصعدت لعيادات أخرى مجاورة وكان الرد مشابها فى نفس العيادات، وبعد مرور ساعتين من التجول ذهابا وإيابا بالشارع، صعدت للعيادة رقم واحد فى جدول زياراتى، وفوجئت بما يقارب عشرين مندوب دعاية متواجدين، وقد خلت من المرضى، تعرفت على بنت توسمت فيها ملامح الطيبة، سألتنى: «هل أنتى جديدة بالمهنة»؟، فقلت لها نعم، فقالت «لا تقلقى ممكن تدخلى معايا»، وبالفعل هذا ما حدث بعد دقائق، جاء دورنا، وفجأة أصبحنا أمام الطبيب الذى قابلنا بابتسامة صفراء، وجلسنا على المقعدين المقابلين لمكتبه، تحدثت زميلتى سريعا معه، وفى كلمات موجزة أخبرته بالآتى:
«طبعا يا دكتور مش محتاجة أفكرك بالصنف بتاعى»، الطبيب: «عيب برده ده إنت فى عنينا»، مندوبة الدعاية: «الحاجة تمام يا دكتور؟»، الطبيب: «آه تمام ولما نخلص الـ 1000 دول يبقى ربنا يسهل»، وبعدها الطبيب تحول للحديث معى قائلا: «حضرتك معاهم فى الشركة»، أنا: «لا ده أول يوم لى شغل، أنا تبع شركة رابش فارما»، الطبيب: «أهلا، إيه بقى يا ستى الدوا اللى تبعكم».
أنا: حضرتك يا دكتور أنا بشتغل على مضاد حيوى اسمه (سى بيوتك) (ثيرد جينيريشن) وفى منه واحد جرام وفى نص جرام، الطبيب: آه
أنا: معايا يا دكتور البروشور بتاعه، ممكن حضرتك تقرأه..
الطبيب: يا ستى الكلام ده حافظينه وفى ألف صنف زيه
أنا: طيب يا دكتور احنا محتاجين دعم منك
الطبيب: إن شاء الله انتهت الزيارة، وخرجت أنا وزميلتى، فسألتها إذا ما كان أدائى جيدا؟
المندوبة: معقول بس المرة اللى جاية ابقى ادخلى معاه فى الشغل على طول
أنا: إزاى؟
المندوبة: اعرضى عليه مؤتمر تبعكم فى شرم الشيخ أو قلم غالى
أنا: طيب هو عادى يعنى؟
المندوبة: بعد أن ضحكت بشدة، لو عايزة يكتبلك صنفك برقم معين فهو بياخد نسبة 10%
أنا: أديله فلوس يعنى.. طيب هو هيقبل؟
المندوبة: آه متقلقيش ده العادى.
خرجنا من عيادة هذا الطبيب، وتوجهنا للعيادات المجاورة تقريبا كان نفس الأسلوب ما عدا عيادة الطبيب (ع.ب) أستاذ دكتور صدر، فلقد كان يدخل فى كل مرة ثلاثة مندوبين، وعندما دخلت مع اثنين آخرين، أجلسنا متجاورين وفوجئت بأن كل شخص منهم كان يعرض على الطبيب رشوة مباشرة، الأول عرض عليه كتابة 500 علبة من الدواء التابع لشركته مقابل «لاب توب» ماركة توشيبا، والثانى 200 علبة من دواء مقابل 10%، وعلمت بعد ذلك أن سعره 430 جنيها.
ارتجلت الموقف فعرضت عليه 500 علبة مقابل 10%، مع العلم بأن سعر الدواء تركيز واحد جرام من شركتى 40 جنيها والنصف جرام 26 جنيها، وبعد أن انتهينا من عروضنا تحدث إلينا الدكتور قائلا:
«انزلوا الصيدلية تحت، وحطوا البضاعة وأنا هتصل بيهم أبلغهم، وأثناء نزولنا على السلم علمت أن الصيدلية تابعة لزوجة الطبيب، وبهذا انتهى يومى الأول فى عملى كمندوبة دعاية.
جاء اليوم الثانى، حيث توجهت إلى مخزن أدوية بمنطقة القليوبية، وهو عبارة عن شركة تشترى الدواء من الشركات المنتجة ثم توزعه على الصيدليات مقابل هامش ربح، دخلت المخزن وكان يشغل طابقين من العمارة، وتوجهت إلى المدير المسئول عن المشتريات وكان يدعى (حمدى.أ)، عرفته بنفسى وأننى مندوبة دعاية لشركة «رابش فارم»، وأن معى منتجا يسمى «سى بيوتك»، فتحول مدير المشتريات إلى الكمبيوتر الذى أمامه، وكتب اسم الدواء فلم يظهر على شاشته، فقال لى هو الصنف ده جديد ولا إيه؟
أنا: آه
هو: طيب خصمه كام
أنا: 32%
هو: لا حضرتك ده مينفعش ده صنف جديد وانتو محتاجينه يعمل زبون، هزى الخصم شوية
أنا: عايزة على كام ومحتاج منه كام؟
هو: احنا بفضل الله بنوزع للمخازن على مستوى الجمهورية، بس دلوقت علشان الصنف جديد أنا هاخد منه 1000 علبة من واحد جرام و2000 من نص جرام خصم 50%.
أنا: بس ده كتير قوى الخصم ده أنا كده أخسر
هو: والله ده اللى عندى وممكن تشوفى حد غيرى
أنا: طيب خلاص مفيش مشكلة بس المرة اللى جاية هنزل الخصم
هو: والله لو ليه زبون وبيطلب لوحده من حقك طبعا
أنا: طيب أوكيه
هو: طيب اتفضلى حضرتك نزلى البضاعة فى المخزن تحت وبعدين عدى على الحسابات خدى تمنهم
أنا: ماشى شكرا بس أنا البضاعة مش معاى دلوقت هجيبها بكرة
هو: فى انتظار حضرتك.
توجهت لمخزن تلو الآخر، وكان الرد فى نفس السياق، لا اختلاف، اتصلت بمصدر لى يعمل بالتفتيش الصيدلى وسألته عن مخازن الأدوية، وهل يوجد عليها رقابة، فأخبرنى بأن هناك أكثر من 5000 مخزن غير مرخص، وأن المرخص منها رسميا صعب الرقابة على أسلوب شرائه للأصناف، وأن المفتش الصيدلى عندما يقوم بالتفتيش على مخزن أدوية يكون أمامه آلاف الأصناف وهو لا يعلم أيها مرخص وأيها غير مرخص، إلا ما سبق اكتشافه وصدر به منشور من الإدارة المركزية للصيادلة، وهذه تمثل نسبة 2% من الأدوية المغشوشة المنتشرة بالسوق، وأنه لا توجد لديهم قاعدة معلومات دقيقة يستند إليها المفتش وتحتوى على الأصناف المغشوشة وأن ما يتم كشفه من غش هو وليد الصدفة فقط.
وهكذا انقضى يومى الثانى فى عملى كمندوبة أدوية تسوق لمنتج شركته، لو دقق أحد لعلم أنها تسمى شركة الأدوية الزبالة.
جاء اليوم الأخير لعملى فى مهنة الدعاية للأدوية، توجهت إلى الصيدليات التى كانت مجاورة لعيادات الأطباء الذين قمت بزيارتهم، دخلت الصيدلية الأولى وعرفته بنفسى وسألت الشخص المتواجد «إيه أخبار شغل الـ«سى بيوتك» عندك؟
رد: هو حضرتك اللى تبعك الصنف، هو بقى بيتكتب فى روشتات بس احنا مش عارفين نجيبه منين؟
أنا: أه معلش هو لسه جديد ومتكودش فى الشركات الكبيرة ممكن تلاقيه فى مخزن أنا نزلت عندهم بضاعة.
هو: ماشى تمام
وهكذا من صيدلية لأخرى نفس الكلمات ولا أحد يهتم هل أنا فعلا مندوبة أدوية؟ هل فعلا دوائى يشفى المرض؟ هل هو مرخص من وزارة الصحة؟ كل تلك الأسئلة التى فى أول يوم عمل لى كمندوبة دعاية خشيت أن يسألنى إياها أحد، فم أجد من يفكر فيها غيرى، ودار فى خلدى السؤال الأكبر: هل هناك من يهتم بصحتنا ودوائنا أم نحن فى نظر هؤلاء زبائن ومصدر للنقود فقط؟ وفى طريق عودتى لمنزلى توجهت لقريب لى صيدلى وسألته ألا تهتمون أنتم الصيادلة بترخيص الدواء؟ ألا تستطيعون أن تفرقوا بين الدواء السليم والمغشوش؟.. ضحك باستهزاء وقال: لو الطبيب كتبه هعمل قرد وأجيبه، ولو عرفت إنه مش مرخص وقلت للمريض، المريض عنده كلام الدكتور قرآن، هيسيبنى ويروح يشتريه من صيدلية أخرى، وأبقى خسرت زبون وهطلع أنا اللى مش فاهم.
أنهيت حديثى معه وتوجهت إلى منزلى وألقيت نظرة على الأدوية الموجودة بالمنزل وأصبحت لدى شكوك هل هى أدوية مفيدة أم مغشوشة، لقد كنت أثق فى ملائكة الرحمة، توجهت للإدارة المركزية لشئون الصيدلة وهى خط دفاعنا الأول ضد الأدوية المغشوشة، ذهبت لأتحقق بنفسى عما يحدث هناك.
من خلال سؤالى، علمت أنه قد صدر أكثر من 132 منشورا فى عام 2013 لضبط وتحريز أدوية، وفى 2014 حتى تاريخه صدر ما يقارب الـ 50 منشورا، وكل منشور يحتوى على ما بين صنف واحد دوائى على الأقل، وبعضها يحتوى على 20 صنفا، يعنى بحسبه بسيطة فى عام 2013 تم غش ما يقرب من 200 صنف دواء، ونحن لا نعلم عنه شيئا.
تابعت عدة تصريحات سابقة لمسئولين، منهم الدكتور حاتم الجبلى، فوجدت وزارة الصحة بنفسها تعترف بأن هناك ما بين 10 إلى 30% من الدواء فى مصر مغشوش، وبحثت مرة أخرى لأرى هل هناك مسئول تصرف حيال ذلك، فلم أجد، بل وجدت أن الغش فى الدواء المصرى يزداد، ووصل لأن تحذر هيئة الغذاء والدواء الأمريكية فى بيان لها عام 2013 من أن مصر تعتبر من الدول المحتملة لمصادر الدواء المغشوش بأمريكا، وتحذر من جلب الأدوية منها.
رقابة التفتيش الصيدلي
سألت عن حجم الرقابة التى يمارسها التفتيش الصيدلى لضبط السوق والحفاظ علينا من الدواء المغشوش، فعلمت أن هناك ما يفوق الـ 1000 مفتش صيدلى يتقاضون سنويا مايقارب الـ 50 مليون جنيها، ولكن ما هى المحصلة لوجودهم، فما زال الدواء المغشوش يملأ الصيدليات، حتى عندما تتبعت المنشورات التى صدرت من الإدارة المركزية بضبط وتحريز أدوية مغشوشة، وجدت أن معظم الإدارات بمختلف المحافظات لم تحرك ساكنا، وأن المنشور لم يصل لهم ليصبح «حبرا على ورق، لا ينفذه أحد»، وأن حجم المضبوطات من الأدوية المغشوشة لا يمثل واحدا فى المليون، حتى وإن تحرك بعض المفتشين للبحث عما ورد بأحد المنشورات عن دواء مغشوش فإنهم يكتفون بزيارة صيدلية أو 10، مع العلم بأن كل محافظة بها ما لا يقل عن 2000 صيدلية بمعنى 2000 مصدر محتمل أن يكون لديهم أدوية مغشوشة.
من جانبه، أكد الدكتور محمود فتوح، رئيس النقابة العامة للصيادلة الحكوميين، أن مسئولية غش الدواء لا تتحملها وزارة الصحة أو التفتيش الصيدلى وحدهما، بل تتحملها العديد من أجهزة الدولة، ومنها الجهاز الإعلامى الذى لم يصبح له دور توعية، وجهاز الشرطة الذى نسى دوره فى مراقبة المطابع وأماكن بيع المعدات اللازمة لغش الدواء، إضافة إلى التموين الذى أغفل دوره فى حماية المستهلك.
وأكد فتوح أن عدد مفتشى الصيادلة محدود للغاية فى حين يوجد لدينا 50 ألف صيدلية، موضحا وجود 3 آلاف مخزن يحتاجون إلى عدد كبير من مفتشى الصيادلة لمراقبتهم ومتابعتهم بصفة مستمرة.
وأشار إلى عدم وجود قانون يحمى المواطنين من فساد شركات الأدوية المغشوشة، حيث إن قانون مزاولة مهنة الصيدلة رقم 127 لسنة 1955 لا يتناسب مع الغش الذى انتشر فى السنوات الماضية، والعقوبات لا تقل عن 20 ألف جنيه ولا تزيد عن 50 ألفا، وهذا لا يعد قانونا رادعا، بحسب قوله، مطالبا بإعدام من يقبل على غش أى مستحضر دوائى، مشيرا إلى أن حجم تجارة الدواء فى مصر بلغ 24 مليار جنيه.
ومن جانبها نفت الدكتور مديحة أحمد، رئيس الإدارة المركزية للصيادلة، أنه يتم بيع الدواء المغشوش من خلال المخازن المرخصة، حيث أكدت أنه يتم الرقابة والتفتيش بصفة مستمرة على المخازن، وأن ما يتم من محاضر يثبت ذلك أن الغش يأتى من مخازن مجهولة لا نعلم عنها شيئا.
وكانت وزيرة الصحة السابقة مها الرباط أكدت فى تصريحات سابقة أن إجمالى عدد المحاضر التى تم تحريرها للمؤسسات الصيدلية والتى ثبت وجود مخالفات فيها، 18251 محضرا، فيما بلغ عدد المؤسسات الصيدلية التى تم ضبط أدوية مهربة وغير مسجلة بوزارة الصحة بها 41 مؤسسة، بخلاف إحراز النيابة التى تم إعداد تقرير فنى بشأنها، والتى بلغ عددها 52 حرزا، وحسب تقارير دولية حديثة أكدت أن مصر تعدت النسبة العالمية فى غش الدواء لتصبح 10% من الدواء المغشوش على مستوى العالم يوجد فى مصر.

















مكاتب بيع ماكينات الأدوية الصينية