الخميس 15 نوفمبر 2018 3:37 م القاهرة القاهرة 24.6°

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

حكاية الفلاح الفصيح.. أكان فقط «فصيحاُ»؟

محمد جادالله
نشر فى : الأحد 24 يونيو 2012 - 11:35 ص | آخر تحديث : الأحد 24 يونيو 2012 - 11:35 ص

افعل الحق

 

لأنه عظيم

 

لأنه هو الباقى

 

وسوف ينالك الثواب

 

ويتبعك خلال عمرك المديد

 

أما من يتغاضى عن الخديعة

 

فلن تكون له ذرية

 

ولا وارثون على الأرض

 

كلمات خالدة لجدنا «خو إن إنبو» الذى عاش قبل 4400 عام فى قرية تدعى واحة الملح بالقرب من وادى النطرون.

 

اخترقت حكايته حواجز الزمن، حتى وصلت إلينا مدونة على برديات محفوظة الآن فى أحد متاحف العاصمة الألمانية برلين.

 

وتحمل لنا نموذجاُ لأثر الحق والعدالة فى عقيدة وحياة قدماء المصريين باختلاف طبقاتهم.

 

كان «خو إن إنبو» قروياُ يعمل من أجل قوت يومه، ويتفادى أى مشاحنات، من أجل سلامة أسرته، وسلامته.

 

وذات مرة وهو فى طريقه إلى المدينة لبيع حاصلات قريته التى حملتها قافلة صغيرة من الحمير، مر بضيعة موظف فاسد من موظفى الوزير الأول فى المملكة، فما كان من الموظف الفاسد ورجاله إلا أن سلبوه ما معه من بضاعة، وصادروا القافلة بعد أن أوسعوه ضربا.

 

كان ذلك حدثا صادماُ فى حياته، حيث عايش فيه الظلم بانتهاك قيم ماعت (الحق والعدالة ) التى تربى عليها ويؤمن بها، ويثق فى أن الملك يحكم بقوتها، وأن الكون يسير بنظامها، فحاول مع الموظف المغتصب أن يرجع له أملاكه، لكنه لم ينجح.

 

رفع «خو إن إنبو» شكواه للوزير الأول، الذى حاول بعض موظفيه إقناعه بسلامة موقف زميلهم ، فما كان من «خو إن إنبو» إلا بادره قائلاُ:

 

لقد عينت لكى تسمع جانب.

 

وتفصل بين خصمين

 

وتكبح جماح السارق

 

ولكنك تنحاز إلى جانبه

 

الناس يحبونك ولكنك معتد

 

أوتيت العلم

 

واكتسبت الدراية

 

لا لتسلب الناس

 

وتحولت كلماته تدريجيا من ديباجة شكوى عادية لقروى بسيط، إلى مرافعة نصب فيها الضمير حكماُ، وجسد فيها إيمانه بأن العدالة فوق الجميع، فنجده يقول:

 

هل يخطئ الميزان.؟!

 

هل يميل ذراعه إلى جانب.؟!

 

لا تخادع لأنك مسئول

 

لا تستهين بأمر لأنك متزن

 

لا تخادع لأنك الميزان

 

لا تحيد لأنك الحق

 

انظر فأنت حامى الموازين

 

إذا انحرفت.. انحرفت أنت

 

لم يملك الوزير أمام إعجابه ببلاغة جدنا وموضوعيته وقوة إيمانه إلا أن يرفع الأمر إلى الملك، الذى أوصى بأن يدون الكتبة كلمات ضمير القروى على لفائف البردى، كى يضمن لها الخلود، ووجه الوزير إلى عدم الحكم فى الأمر إلى أن ينتهى الكتبة من التسجيل.

 

واستمر بعدها «خون إن إنبو» فى مرافعته مخاطبا ضمير الوزير وإيمانه قائلا:

 

اعتدت سلوك البشر

 

لذلك فأنت عرضة للخطأ

 

أفضيلة بنى الإنسان

 

أصبح  زعيم المعتدين على الأرض؟

 

وأنهى كلماته أمام الوزير بتذكيره بكلمات الإله الخالق، مقيما بذلك عليه الحجة أمام العدالة المطلقة، يوم الحساب فى العالم الآخر:

 

أقم العدل من أجل الإله 

 

الذى أصبح عدله قانونا للعدل

 

فالعدل للخلود

 

وهو يهبط مع صاحبة إلى القبر

 

حينما يلف فى كفنه ويوضع فى التراب

 

وما إن انتهى من كلماته، حتى وجد غريمه مكبلاُ أمامه، يساق لتلقى العقاب، وأعاد له الوزير بأمر الملك ممتلكاته ومنحه فوقها عطايا لأسرته.

 

ولا تنتهى القصة فجينات «خو إن إنبو» الحضارية تنتقل داخل قلب القروى المصرى عبر آلاف السنين لنجدها سائدة، تكاد تقفز من عينى شخصية محمد أبو سويلم، التى جسدها الراحل محمود المليجى باقتدار فى فيلم «الأرض» للمبدع يوسف شاهين.

 

لقد أحببت فى جدنا القروى عدله وقوة الحق داخل نفسه وإيمانه العميق، وما زلت أتساءل:

 

لماذا اشتهر وقدم لنا فقط كمثال للفصاحة فى القول، وليس كمثل ننتفع به بصفته محبا للعدل وباحثا عن الحق أو كمؤمن يقول ويفعل ما يؤمن به؟



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك