على جانبى الطريق فى شارع سليمان جوهر بالدقى يضع البائعون عرباتهم وفرشاتهم التى تقدم مختلف أنواع السلع لخدمة أهل المنطقة، لم تكن قد مرت أيام على هجوم شرطة المرافق (البلدية) على الباعة، منتهكين بضاعة بعضهم وتاركين الأخرى، يقول تهامى إدريس الذى يبيع البلح بالشارع: «هم جاءوا بهدلوا المكان وأخذوا بعض الموازين من الباعة».
الموازين أو البضاعة التى تتم مصادرتها لا تعود إلا بمقابل مادى، تهامى بالطبع يخشى على عمله من هجوم البلدية التى تأتى لإزالة التعديات على الطريق من وجهة نظرها، ولكنه يضيف: «إذا تكلمنا بالحق فنحن نشغل الطريق فعلا، ولكن ماذا يمكننا أن نفعل، فليوفروا لنا مكانا نبيع فيه». لا يوجد معنى للحديث عن ترخيص بالنسبة لكل البائعين فى سليمان جوهر، فهجوم البلدية لا يتعدى على غير القانونى ويترك القانونى، ربما يتعدى على الذى يعرض بضاعته بأخذ مساحة مبالغ فيها حسب قول البائعين فى المكان، ولكن أحدا لا يعرف حدود تلك المساحة.
البائع الجائل مكان عمله هو الشارع، ظل لسنوات يكافح الشرطة للحفاظ على مكان عمله، وبعد الثورة عندما تراجع دور الشرطة والحكومة بصفة عامة أصبح الشارع المصرى مستباحا أكثر من قبل الباعة، وليس هم فقط، فالمطاعم والمقاهى تخرج لتأخذ مساحات من الرصيف والشارع، ستجد إشغالات الطريق عديدة، وإذا كان ذلك قد أصبح واضحا فى الشوارع الرئيسية فما بالك بالشوارع الجانبية بما تحتويها من باعة ومقاهى وطاولات تنس الطاولة والبلياردو. هذا الأمر أصبح فى عداد الطبيعى بالنسبة للمصريين. وإذا كان الباعة فى سليمان جوهر لا يعرفون الحدود التى تغضب منها البلدية، فلا أحد فى مصر تقريبا يعرف ما هى الحدود التى تراعى عمل الناس وتراعى حرمة الشارع وحقوق المواطنين.
وككل شىء أصبحت هناك أكثر من وجهة نظر أخلاقية تتعلق بالتعدى على الشارع، فهل علينا أن نترك الباعة الذين يكسبون رزقهم من هذه المهن فى مجتمع يعج بالبطالة؟ أم علينا تنظيم عملهم أو ربما منعه من أجل سلامة الطريق ونظافته ومنع إزعاج السكان.
يقول سيد الذى يبيع الخضراوات بشاعر سليمان جوهر: «كل واحد هنا فاتح بيت ويصرف على أسرة، لو تم إخلاؤنا من المكان ستغلق هذه البيوت»، ثم يعود ويؤكد: «نحن لا نفعل شيئا.. فقط نبيع.. فى أيام الثورة نحن من حمينا الشارع كله».
قد يبدو وضع حقوق الباعة كمواطنين مصريين فى الاعتبار عندما نتحدث عن شغلهم للطريق أمرا مفهوما، وأحيانا فى بعض الأماكن سيكون اختفاؤهم أمرا مزعجا بالنسبة لبعض سكان المنطقة الذين يعتمدون فى مشترياتهم عليهم، ولكن فى سياق آخر يبدو أن هناك انزعاجا فعليا من وجودهم، فببحث بسيط عن الصفحات التى تحمل اسم «الباعة الجائلين» على موقع «الفيسبوك» ستجد أن معظم الصفحات تنتقد هؤلاء الباعة، سواء بالدعوى لمقاطعة الشراء منهم أو من منطلق مناشدة السلطات لإنقاذ الأحياء منهم.
أحد الصفحات تدعو مثلا لإنقاذ «ميدان حلوان» من الباعة الذين يسيطرون على المساحة المحيطة بمترو الأنفاق هناك، وصفحة أخرى تدعو لطردهم من شارع المعهد الدينى بالإسكندرية. فى الأسابيع الأخيرة حدثت مفارقة أثارت الاهتمام، فهجوم البلدية على أكشاك الكتب بشارع النبى دانيال بالإسكندرية أغضب بعض المثقفين، ما أدهش البعض الآخر لأنه لا يوجد غضب مشابه لما يتعرض له الباعة الذين لا يبيعون الكتب بل سلع عادية أخرى.
ظهرت مؤخرا جمعية تضم الباعة الجائلين بميدان الجيزة، وهى فى طريقها لتنتشر فى بقية أنحاء القاهرة الكبرى ومصر، وساعد فى إنشائها مركز «عدالة» الحقوقى. يقول مدير الجمعية نصر عبده: «الباعة الجائلون فى مصر يكونون نحو 8 مليون شخص، علينا أن نضع فى الاعتبار أسرهم أيضا، بعضهم متعلمون ومنهم من حصل على شهادات عليا، وليسوا بلطجية كما يتم تصويرهم أحيانا».
سألته عن كونهم من منطلق ما مخالفين للقانون، فأجاب قائلا: «إذا كنا سنطبق القانون فلنطبقه على كل شىء، وإذا قررنا إخلاءهم فلا بد من توفير بديل ملائم، خاصة أن هؤلاء ليس لديهم دخل آخر»، مشيرا إلى أن الشرطة أحيانا ما تريد أن تثبت قوتها فتقوم بإخلائهم.
مطعم فى الطريق العام
استباحة الشارع لأغراض خاصة تتخذ أشكالا أكثر عنفا إذا تحدثنا عن المطاعم والمقاهى، يكتب ميشيل حنا فى مدونته «مستنقعات الفحم» عن المطعم الشهير الذى افتتح فرعا له فى ميدان تريومف بمصر الجديدة. افتتاح المطعم كان له تبعات، فالمطعم قطع شجرتين من الميدان لتظهر لافتته بشكل أوضح، ووضع طاولاته على الرصيف، وبالطبع أصبحت سيارات الزبائن تركن صفا ثانيا ما أعاق الحركة فى الميدان. هذا غير ملاحظة ميشيل لأوراق السندويتشات والأكياس التى تتطاير فى المكان. ويشير إلى أن المطعم تم افتتاحه من حوالى ثلاثة أشهر ليبدأ بعد ذلك تشويه الميدان. ويضيف ميشيل: «من أول الثورة والناس شعرت أنها امتلكت الشارع، فيفعل كل شخص ما يريد أن يفعله، حتى تحولت كل الشوارع إلى أسواق خضار».
فى أحد شوارع العجوزة يتحرك ربيع الذى يعمل فى أحد المقاهى بين طاولات المقهى الممتدة لعدة أمتار أمامها، يؤكد ربيع أن قبل الثورة وبعد الثورة: «القهوة والمطاعم شغالة بنفس الطريقة»، فالطلب على هذين المكانين من قبل المصريين دائم ولا يتراجع. تعامل عامل مقهى مثل ربيع مع البلدية هو أمر مستمر، ولكنه يؤكد مع ذلك أنهم كانوا أشد قبل الثورة منهم الآن. ويضيف: «أقصى ما يفعله الجيران إذا ما شعروا بالإزعاج هو أن يتقدموا بشكوى، وبعدها لن يحدث شيئا». يبدو من المستحيل أن تمتنع المقاهى عن انتهاك الشارع أمامها، لأن هذا أمر أساسى يرتبط بالعمل، فى هذا السياق يتحدث ربيع أنه عندما يُعرف أن هناك بلدية يتم جمع الطاولات والكراسى ثم إعادتها بعد انتهاء الحملة، إلى جانب قوله إن بعض المقاهى تدفع الأموال لأفراد البلدية أو تعفيهم من دفع المشاريب مقابل درء شرهم، ولكنه يضيف فى النهاية: «لو قررت الحكومة التضييق على المقاهى أو المطاعم ستكون كارثة، لأن هذه هى أماكن التنفيس الوحيدة للمصريين».