مقايضات ومواجهات «سلام القوة»!

عبد الله السناوي
عبد الله السناوي

آخر تحديث: الأحد 1 فبراير 2026 - 8:45 م بتوقيت القاهرة

تطل الحرب بأثقالها ومخاوفها على الشرق الأوسط كله، لا إيران وحدها، تحت عنوان واحد: «سلام القوة».
إنها الاستراتيجية المعتمدة للرئيس الأمريكى «دونالد ترامب» فى التعاطى مع الملفات الملتهبة فى المنطقة والعالم.
«سلام القوة» يعنى ــ بالضبط ــ دفع الأعداء المفترضين إلى حافة خيارات ضيقة بين التلويح باستخدام الحد الأقصى من القوة المدمرة، أو التسليم بمقايضات جائرة وفق ما تطلبه القوة الأمريكية المتغلبة.
لم يكن إرسال حاملة الطائرات «إبراهام لينكولن» إلى المنطقة محض استعراض للقوة، ولا تلويحًا بإمكانية الحرب على إيران دون نية استخدامها.
الحرب واردة تمامًا فى أى لحظة، لكنها قد لا تحدث إذا ما جرت فى الكواليس الخلفية مقايضات تحقق للولايات المتحدة أغلب، أو بعض، ما تريده من أهداف دون إطلاق رصاصة واحدة.
إسقاط النظام فى إيران هدف جوهرى، لكنه يمكن تأجيله لمرحلة لاحقة، فالتكاليف باهظة وسيناريوهات الفوضى المتوقعة يصعب تحملها بأى نظر سياسى أو استراتيجى.
تتبقى بعد ذلك أهداف جوهرية أخرى أهمها المشروع النووى والمشروع الصاروخى الباليستى: الأول بالتقويض، والثانى بالتقليص.
إذا كان ممكنا التوصل إلى مقايضات بشأنهما مقابل عدم اللجوء إلى العنف المطلق، الذى يتوعد به «ترامب»، فإن فرصة عقد صفقة أو مقايضة تظل على المائدة.
إنه الخيار الأسلم للمصالح الأمريكية، لكنه يقوض فى الوقت نفسه شرعية النظام وينذر بانهياره من الداخل.
تفكيك الدور الإقليمى الإيرانى وأية علاقة تربطه بالمنظمات المسلحة، التى تناهض إسرائيل كـ«حماس» و«الجهاد الإسلامى» فى فلسطين، وحزب «الله» فى لبنان، و«الحوثيون» فى اليمن، هدف جوهرى آخر لـ«سلام القوة».
المعنى ــ بالضبط ــ إعلان استسلام، لا بحثًا عن سلام إلا أن يكون «سلام القوة».
لم يكن مستغربًا ــ والأمر كذلك ــ أن تتشدد طهران فى خطابها المضاد ردعًا بردع وتلويحًا بالعواقب: «سيكون ردنا موجعًا».
حسب وزارة الخارجية الإيرانية، فإنه إذا كان ثمن منع الحرب بالمقايضة يفوق ثمن اندلاعها، فإنهم سوف يمضون فى التحدى إلى آخر الشوط.
هذا اختبار قوة يختلف فى حجمه وتداعياته عن اختبارى فنزويلا وجرينلاند.
الكلفة ــ هذه المرة ــ باهظة، والنتائج كارثية.
بافتراض الوصول إلى المرشد الأعلى «على خامنئى» على النحو الذى جرى مع الرئيس الفنزويلى «نيكولاس مادورو»، فإن النظام لن ينهار، ولن تعقد فى طهران صفقات مماثلة لتلك التى جرت فى كاراكاس.
الأرجح أن تضرب الفوضى كافة أنحاء المنطقة.
لا بديل جاهز أو مهيأ لحكم إيران.
النخبة الليبرالية مفككة ومنهكة، وأنصار نجل الشاه السابق هامشيون فى المعادلات الداخلية.
غياب البديل، الذى يستطيع الإمساك بمقاليد السلطة، سيناريو يقلق الإدارة الأمريكية نفسها.
لا يمكن مقارنة الاختبار الإيرانى بما يحدث، أو قد يحدث، فى العلاقات الأوروبية الأمريكية على خلفية أزمة جزيرة جرينلاند.
بقوة الحقائق، يستحيل تمامًا غزو الجزيرة الدنماركية الاستراتيجية والغنية بثرواتها المعدنية، فهو يفضى مباشرة إلى انهيار حلف «الناتو» والتحالف الغربى فى اللحظة نفسها، أو تجريد الولايات المتحدة من أبرز نقاط قوتها.
اللافت فى الاختبار الإيرانى، وقوف الاتحاد الأوروبى فى نفس الخندق الذى تقف فيه الإدارة الأمريكية.
صنّف «الحرس الثورى» كـ«منظمة إرهابية»، وفرض عقوبات جديدة على إيران استهدفت أفرادًا وكيانات.
بدا الموقف الأوروبى المتناقض فى علاقاته مع الإدارة الأمريكية بين أزمتى جرينلاند وإيران نوعًا من التوظيف السياسى لتقليل فجوة الخلافات فى الأولى لصالح التصعيد المتزامن، دون تحمل أية أعباء استراتيجية فى الثانية.
بذات التوقيت، تحرك لاعبون دوليون وإقليميون للتوسط بين واشنطن وطهران.
الأطراف الدولية، خاصة روسيا والصين، يعرضان التداخل للعودة إلى موائد التفاوض.
حسب الكرملين: «فرص التفاوض مع إيران لم تُستنزف بعد»، فيما «ترامب» يؤكد مراوغة المعنى نفسه: «الخيارات كلها مفتوحة».
الأطراف الإقليمية كلها تتحسب للنتائج الوخيمة على مصالحها وأمنها إذا نشبت الحرب.
دول الخليج كلها بلا استثناء أبدت رفضها للحرب خشية تداعياتها البالغة الخطورة على أمنها المباشر.
مصر ودول أخرى تداخلت فى الملف لمنع الحرب.
عرض الرئيس التركى «رجب طيب أردوغان» وساطة بلاده رهنا على علاقات خاصة تربطه بالرئيس الأمريكى، فى محاولة لتجنب حرب مدمرة قرب حدوده، وتعويلاً على تفاهمات أخرى استجدت وصلت ذروتها إلى تقليص وزن قوات سورية الديمقراطية «قسد» فى المعادلات السورية بقوة السلاح.
كان ذلك تغييرًا جذريًا فى التحالفات وفق المصالح المتغيرة.
لم تأبه الولايات المتحدة بأية أدوار سابقة أسندت للقوات الكردية فى مواجهة «داعش»، ولا اعترضت أوروبا على العصف بالحليف الكردى.
بتلخيص دراماتيكى للمبعوث الأمريكى «توم براك»: «لقد انتهى دورها».
الإيرانيون بدورهم منفتحون على الوساطة التركية، لكنهم لا يعولون كثيرًا على سيناريوهات منع الحرب خشية مفاجآت «ترامب»، التى لا يمكن توقعها.
أمام سيناريوهات الحرب الوشيكة، يجد «ترامب» نفسه فى ورطة محكمة، فهو يطلب أن يوصف بـ«رجل السلام»، بينما ينخرط عمليًا فى حروب على جبهات متعددة بذريعة «سلام القوة».
الأمريكيون لا يؤيدون فى أغلبيتهم هذا المنحى السياسى الخطير، الذى قد يكلف حزبه الجمهورى خسارة الانتخابات النصفية فى نوفمبر المقبل.
باسم «سلام القوة» قد تتضرر المصالح الأمريكية أكثر من أى توقع، ويتصدع تمامًا شعاره: «لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى».

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved