هدية أخرى من ترامب: الجولان


صحافة عربية

آخر تحديث: الإثنين 1 أبريل 2019 - 10:50 م بتوقيت القاهرة

فى الطريق إلى الإعلان عن «صفقة القرن» كما وعدت الإدارة الأمريكية وذلك غداة الانتخابات الإسرائيلية، استمر الرئيس ترامب فى سياسة الصدمات الحاملة لهدايا لإسرائيل: سياسة تقوم على إعادة تعريف بشكل أحادى للإطار الجغرافى والمفاهيمى للنزاع العربى ــ الإسرائيلى. وللتذكير بدأ الرئيس الأمريكى بـ«إخراج» القدس من دائرة المفاوضات معترفا بالقدس الموحدة عاصمة لإسرائيل ثم أثار موضوع إعادة تعريف مفهوم اللاجئ الفلسطينى لإسقاط مفهوم اللجوء عن الأكثرية مع ما يحمل ذلك من نتائج على جميع الأصعدة. التعريف الأمريكى الجديد الذى يضرب بعرض الحائط القوانين والأعراف الدولية ودور ومهام وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، يسقط اللجوء عمن ولد خارج فلسطين بعد قيام إسرائيل: فأولاد اللاجئين الذين أخرجوا فى عملية الطرد الجماعى ليسوا بلاجئين حسب هذا التعريف. ويذكرنا ذلك بالمقولة التى رددها أكثر من مسئول إسرائيلى وقوامها أرض بلا شعب لشعب بلا أرض. وأخيرا وليس آخرا يقدم الرئيس الأمريكى هدية جديدة لإسرائيل من خلال اعتراف واشنطن بحق إسرائيل فى ضم الجولان إليها «لأسباب أمنية». يناقض ترامب بذلك قرار مجلس الأمن 497 الصادر فى عام 1981 الذى رفض قرار إسرائيل حينذاك بـ«شرعنة احتلالها» للجولان.
***
الانحياز الكلى للموقف الإسرائيلى طبع دائما السياسات الأمريكية تجاه النزاع العربى ــ الإسرائيلى مع استثناءات قليلة فى لحظات معينة. ولكن لم يصل الأمر أبدا فى السابق إلى اعتماد هذه السياسة الأحادية الحادة من خلال التعدى الفاضح على قرارات مجلس الأمن التى صوتت بالطبع إلى جانبها واشنطن فى الماضى وقرارات أخرى للجمعية العامة إلى جانب التعدى الفاضح على مبادئ وقواعد وأسس القانون الدولى.
إنها «سياسة ردة» تهدف إلى اختزال النزاع بشكل أحادى وعبر رؤية وفهم يلتقيان بشكل شبه كلى مع إسرائيل: الهدف من تحويل النزاع من نزاع حول حقوق وطنية وحقوق سيادية مشروعة إلى خلاف بالمفهوم التجارى القائم على مفهوم المقايضة والتسوية المتبادلة للمنافع للطرفين يحددها «القاضى» الأمريكى فى محكمته الخاصة. فلا توجد مرجعيات مبدئية دولية معروفة ولا أسس قانونية حاكمة لنزاع من هذا النوع، إنه نزاع فى فراغ من أى مرجعيات يقوم على توازن قوى على الأرض وواشنطن جزء أساسى منه: يعتدى بشكل فاضح على سيادة دولة فنقتطع جزءا من أراضيها إرضاء لمفهوم أمنى مطلق لدولة احتلال. تسقط قرارات الأمم المتحدة حول القدس مع ما تحمله من رمزية دينية لأبناء الديانات السماوية الثلاث إرضاء لأصولية دينية وقومية حاكمة فى إسرائيل.
***
للتذكير، «ارتضت» إسرائيل عبر «وديعة رابين» فى صيف 1993 بإعادة كامل الجولان حتى حدود الرابع من حزيران كما فسرت النقطة تحديدا لتنكشف القصة بعد ذلك أنها كانت محاولة لممارسة ضغوطات غير مباشرة على المفاوضات مع الطرف الفلسطينى عبر التلويح بالضغط بورقة المفاوضات مع سوريا. ولكن عاد الموقف الإسرائيلى ليؤكد رفضه لخط الرابع من حزيران لمنع سوريا من الوصول بشكل خاص إلى مياه بحيرة طبريا وإعطاء وعود بتقديم «هدية» من أراضٍ أخرى مقابل إقامة شريط إسرائيلى بعرض نصف كلم تقريبا بين سوريا ومياه بحيرة طبريا وهو بالطبع ما رفض من سوريا. الهدف كان منع سوريا من حقوق المشاطأة فيما يخص البحيرة. الجولان يحمل أهمية أمنية واقتصادية وزراعية ومائية لإسرائيل وهو ما يدفع لا بل يشجع إسرائيل ضمن الأوضاع القائمة فى الشرق الأوسط حاليا ومن خلال وجود صديق مميز فى البيت الأبيض لإعادة تعريف أسس النزاع وقواعد تسويته.
صحيح أن القضية الفلسطينية ليست على جدول الأولويات العربية الراهنة لأسباب عديدة تتعلق بالأوضاع فى الإقليم الشرق أوسطى «وأهل القضية» فى حالة ضعف كبيرة بسبب الخلافات المستفحلة فى البيت الفلسطينى وسوريا تعيش حروبا سورية وأخرى حول سوريا ولكن ذلك لا يسمح بتمرير مشاريع الحلول القادمة. فالهويات الوطنية لا تسقط أيا كانت والخلافات السياسية وغيرها بين أبنائها ولا تموت بل قد تشكل وقودا لصراعات مختلفة تزيد من الحرائق فى شرق أوسط يعيش حريقا كبيرا فى عصر «الإطفائى» ترامب.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2019 ShoroukNews. All rights reserved