سلوكيات محيرة
علي محمد فخرو
آخر تحديث:
الأربعاء 1 أبريل 2026 - 7:55 م
بتوقيت القاهرة
الهجمة الصهيو - أمريكية الأخيرة كشفت أنواعًا من السلوكيات المحّيرة. المحّير هو وجود تلك السلوكيات مع فكر ومبادئ مناقضة لها فى ذات الشخص الواحد. وبصراحة يعجز الإنسان عن إيجاد تفسير مقنع لتلك الظاهرة إلا إذا قبل على نفسه أن يأخذ بما ادّعاه بعض المستشرقين الكارهين الحاقدين من وجود اهتزاز ثقافى حضارى فى تركيبة الشخصية العربية، وهو بالطبع ادّعاء باطل.
مناسبة الحديث عن هذه الظاهرة، من أجل التنبيه لخطورتها الثقافية، وجودها مؤخرًا فى أى جزء من الوطن العربى يواجه وضعًا كارثيًا مجتمعيًا داخليًا أو يواجه حربًا فرضها الخارج الاستعمارى التآمرى عليه ويؤدى إلى انقسامات شعبية حادة فى فهم أسبابهما أو فى الإشارة إلى مسببيهما.
دعنا نذكر مثالين يبّينان ما نعنى:
الأول هو ما رأيناه إبان المأساة الوطنية القومية الإنسانية التى عاشها شعب غزة المنكوبة طيلة السنتين الماضيتين. آنذاك وجدنا ما لا يصدق: بعض أقطار عربية وبعض أحزاب عربية وحفنة صغيرة من شخصيات عربية تقف موقف المتفرّج اللا مبالى من معاناة مليونين من رجال ونساء وأطفال غزة على يد الإجرام الدموى الصهيونى اليومى فقط لأنهم معادون لعلاقات وأفكار حركة حماس التى يدّعون بأنها جزء من حركة الإخوان المسلمين والتى يعتبرونها فى رأس قائمة أعدائهم السياسيين، ويتهموها بأنها قامت بعمل فوضوى غير مقبول.
نسى هؤلاء من قام باحتلال أرض عربية وتشريد الملايين من سكانها وقتل مئات الألوف من ساكنيها ومعاملة الباقين كالعبيد فى كانتونات محاصرة وغير ذلك من جرائم وانتهاكات لا حصر لها ولا عد بحق شعب فلسطين طيلة ثمانين سنة.
نسى هؤلاء كل ذلك التاريخ المرير ونسوا البطولات والتضحيات ومواجهة الموت بشجاعة المجاهدين الملبّين لما يعتقدونه نداء دينهم وأوامر ربهم التى قام بها الفلسطينيون، فكانت النتيجة، بقصد أو دون قصد، تسهيل استباحة الكيان لكل شبر من أرض غزة وموت أكثر من سبعين ألف بريء.
ولِمَ لا، فقد كان العدو الصهيونى يشعر بأن الإرادة والفعل عند أولئك قد أصبحا فى خدمته وبأن الإنسان الصهيونى فى نظر أولئك يساوى أكثر من هؤلاء الفلسطينيين.
عمى الولاء السياسى وألاعيب الكراهية البليدة فى الحياة السياسية العربية تغلب على كل حس أخوى عروبى وعلى كل رابطة إسلامية وعلى القيم الأخلاقية الإنسانية فكان أن ساهم كل أولئك العابثين بجزء من فضيحة العصر: شعور الفلسطينيين بأن إخوتهم فى العروبة والإسلام قد تخلوا عنهم، ولم يكن شعورًا خاطئًا.
أما المشهد الثانى فهو ما نراه الآن فى الخليج العربى. لقد اختلف الناس حول الكثير من جوانب الحرب الصهيو - أمريكية ضد إيران، واختلفوا أيضًا على كثير من جوانب ردّ الفعل الإيرانى على دول مجلس التعاون. لقد تأثرت كل تلك الاختلافات بالعلاقات المذهبية وبالأيديولوجيات السياسية وبالعلاقات المصلحية مع أنظمة الحكم وبأشكال لا تحصى من حكايات التاريخ.
هذا طبيعى ومن حق الناس أن يختلفوا حول حدث كارثى معقد كالذى أصاب دول الخليج العربى جميعها.
لكن هل يجوز أن تؤدى تلك الاختلافات إلى عمى البصيرة فتخرج علينا جهات ويخرج علينا أشخاص ليدافعوا عن ضرورة إعطاء أمريكا قواعد عسكرية فى كل دول مجلس التعاون حتى بعد أن فشل تواجدها فى حماية تلك الدول إبان هذه الحرب الدائرة؟ وأهم من ذلك هل حقًا أن تاريخ أمريكا مع العرب سيجعل منها قط مصدر أمان لأى جهة عربية؟
هل يتناسى محبّذوا الوجود العسكرى الأمريكى على أرض العرب أن أمريكا هى الدولة التى احتضنت الوجود والجرائم والسرقات الصهيونية طيلة الثمانين سنة الماضية وأمدّته بالسلاح والمال والنفوذ؟ وأنها الدولة التى وقفت فى وجه الحركة والتطلعات القومية الوحدوية فى مصر وسوريا والعراق وليبيا ولبنان والخليج العربى وغيرهم حتى أحبطتها ممّا أوصلها إلى الضعف والتراجع؟ وأنها الدولة التى تآمرت على العراق بالكذب والمؤامرات حتى احتلته وجزأت مجتمعه إلى أن أخرجته من الدور المحورى القومى الذى كان يلعبه؟ وأنها الدولة التى درّبت رجالات القاعدة فى أفغانستان ثم جاءت بهم إلى شتى الأقطار العربية، تحت شتى المسميات ليدمروا كل الأنظمة القائمة؟ وأنها الدولة التى رعت المذبحة الصهيونية فى غزة ومنعت هيئة الأمم من إتخاذ قرار لوقف المذبحة وأنها الآن تخطط، تحت شتى المسميات لترحيل الفلسطينيين؟ وأنها الدولة التى نقلت القدس العربية والجولان السورى إلى ملكية الكيان الصهيونى من خلال رئيسها الأمريكى النرجسى الحالى؟ وأنها الدولة التى أوقفت حتى المعونات الإنسانية عن اللاجئين العرب وتتأمر الآن على أى دور لهيئة الأمم إلا إذا كان تحت أوامرها ومؤامراتها المتناغمة مع الحركة الصهيونية؟
وهل نذكر مئات الحروب والمؤامرات التى قامت بها أمريكا عبر العالم من خلال خيانة العهد والتخلى عن الذين وثقوا بها عبر تاريخها كله؟
أبعد كل ذلك، وبالرغم من كل ذلك، تنبرى لنا أصوات، باسم الاعتدال والعقلانية، لتنادى ببقاء الوجود الأمريكى العسكرى، ومعه بالطبع الوجود السياسى والاقتصادى، فى كل بلاد الخليج العربى، حتى بعد أن تبينت لعبة جرّ دول الخليج العربى إلى الدخول فى حربها الصهيو - أمريكية العبثية ضد إيران، وكادت أن تنجح لولا حكمة بعض القادة الخليجيين العقلاء؟
أن نختلف مع إيران فى السياسة وفى الأمن وفى الأفكار شيء قابل للأخذ والعطاء أما أن ننضم إلى المعسكر الأمريكى - الصهيونى فهذا شىء آخر. الأول شيء طبيعى وحتى مقبول، أما الثانى فهو خيانة للضمير والقيم العروبية والإسلامية والتزاماتها. ووا أسفاه على ما فرط بعض هؤلاء فى جنب الله العلى العادل الحق.
مفكر عربى من البحرين