من دفتر رحلاتى الجبلية.. رحلتان فى إيطاليا
جميل مطر
آخر تحديث:
الأربعاء 1 أبريل 2026 - 7:55 م
بتوقيت القاهرة
أما وقد بلغت أعلى مراتب العمر وأروعها أظن أننى صرت أقدر من أى وقت مضى على أن أصدر أحكامًا لا غبار عليها ولا ممالأة فيها ولا خوف منها. أعنى الأحكام التى تخص أى شىء باستثناء السياسة. ففى السياسة انحياز لا مفر منه. أما عن أعلى مراتب العمر وإسباغ صفة الروعة عليها فالقصد من ورائهما التعبير عن قيمة توصلت إليها، أو توصلت لى، بعد عقود شهدت معى مختلف التجارب الإنسانية. شهدنا معًا حروبًا وسلامًا، برودة ودفئًا، صداقات وعداوات. عشنا معا نمارس أو يمارس ضدنا الصدق حينا والكذب حينًا آخر، ذقنا معا حلاوة الجمال ومرارة القبح، تفانينا فى عمل الخير وقصرنا فى محاربة الشر. حتى وصلنا أخيرًا إلى مرحلة لا خيارات حول الموقف من تفاصيلها.
• • •
استلمت سيارتى من وكيل الشركة فى روما، وفى نفس اليوم سألت نبيل العربى زميلى فى أكبر دفعة من الملحقين الدبلوماسيين يجرى تعيينها فى الخارجية منذ تولى الضباط الأحرار مسئولية الحكم فى مصر، سألته عن أقرب موقع سياحى يلجأ ناحيته المقيمون فى روما مع عائلاتهم فى أيام العطلات. غاب عنا قليلًا وعاد ومعه خريطة قال عنها إن لا أحد من الأجانب المقيمين فى إيطاليا أو السائحين إليها يتحرك دونها.
فتح نبيل الخريطة ليحدد لى موقع مدينة تيفولى و«فيلا ديستى» بالذات. اشتهرت حدائق التيفولى بتخطيطها الجذاب ونافوراتها العديدة وبالقصر الرائع. حدد لى أيضًا موقع «كاستيل جاندوفلو» الضاحية التى يقيم فيها بابا الفاتيكان فى شهور الصيف، وهى مرتفعة قليلًا عن سطح البحر وتتوسطها بحيرة واسعة، تركنى اختار بين الاثنين.
اخترت مصيف البابا. تحركنا فى الثامنة صباحًا يدفعنى الفضول والرغبة فى إدخال السعادة إلى عائلتى وصديقات لنا من لبنان، لكن راح يهدئ من حماستى ما وشت به الخريطة عن قدر الارتفاع الضئيل لهذه الضاحية. كنت ما أزال أعيش عقدة المقطم، الجبل المتاخم للحى الذى ولدت فيه وشهد مرحلة تنشئتى الأولى. خيل إلينا، أنا وغيرى من الأهل وأطفال الحى الذى انتقلنا إليه، أن المقطم جبل، لأكتشف فى أول رحلة لى خارج مصر أنه ليس جبلًا وإنما نتوء من سلسلة جبال أعلى تمتد على طول البحر الأحمر والصحراء الشرقية، ولأقابل من يبلغنى أن كلمة المقطم، هى تحريف، أو تصحيح إن شئنا، لكلمة المقتطع التى أطلقها عليه أوائل علماء الجغرافيا العرب، أو ربما أحد قادة الفتوحات العربية.
كانت، على كل حال، رحلة طيبة من نواحى أخرى. الضاحية كانت تبعد ما لا يزيد على خمسة وعشرين كيلومترًا عن روما. يتوسطها ولكن على ارتفاع مناسب قصر أو قلعة البابا. كل ما فى القرية يعكس ذوقا رفيعا وطبيعة خلابة حتى إنها مصنفة فى أحد كتيبات السياحة باعتبارها واحدة من أجمل قرى إيطاليا. تتوسطها بحيرة "ألبانو"، وتتوسط أيضا مجموعة تلال "ألبان" المقتطعة بدورها من سلسلة جبال "أبينين" المتمددة كسلسلة الإنسان الفقرية من أقصى جنوب إيطاليا إلى أن تنبسط الأرض شمالا عند سهل لومبارديا حيث توجد مدينة ميلانو أشهر مدن إيطاليا المتقدمة صناعيا وتجاريا وثقافيا.
مرة أخرى أجرب السفر قائدا لسيارتى فى رحلة إلى نابولى، عاصمة الجنوب. كانت الرحلة سهلة والطريق الساحلى مريح ومنبسط. توجهنا فور وصولنا إلى مقر سكن نائب القنصل وهو أيضا من زملاء دفعتى. شربنا القهوة بسرعة متشوقين لركوب العبارة التى سوف تحملنا إلى جزيرة كابرى، تلك الأسطورة السياحية. جمالها فى جبالها ووديانها ومقاهيها المتناثرة وقصورها المترامية على قمم الجبال، قصر منها كان المفضل لدى الملك فاروق. قصور أخرى استضافت كبار قادة الحرس والوصيفات وسكرتارية جلالة الملك وأحد كبار الصحفيين وكان ملازما للملك والحاشية والأميرات شقيقات الملك والملكة نازلى فى كل رحلاتهم الخارجية.
بعد قضاء يومين بين كابرى ونابولى قررت العودة على طريق غير طريق الشاطئ المنبسط حيث بعض أجزائه دافعة للملل ككل طرق السفر المنبسطة وإن كان أغلبه يمر إلى جانب جبال مبهرة تتخللها مصايف توقفنا فى بعضها. حاول مضيفنا أحمد والى إثنائنا عن هذه المغامرة خاصة أننا كنا فى الخريف والأبينين على عكس مختلف سلاسل الجبال فى أوروبا غير مأمونة الجانب فضلًا عن كونها فى ذلك الحين جبالًا غير متحضرة سياحيًا. كانت نصيحة تأكدنا خلال الرحلة الصعبة من صدقها. كنت رغم الإرشادات من جانب أهل نابولى قد تعمدت أن أخفى عنهم أنها ستكون الرحلة الأولى لى سائقًا لسيارة وإلى جانبى زوجتى فى جبال الطرق فيها لا تتسع إلا لسيارة واحدة فى الاتجاهين وبخاصة عند الاقتراب من القمم أو الهبوط منها.
إن نسيت الكثير فلن أنسى اللحظات التى شهدت هبوط سحابة سوداء على قمة جبل كنا على وشك الوصول إليها. لا أذكر بالدقة الكافية كيف أننا قررنا أن تخرج زوجتى من السيارة لتمشى أمامها، وهى ممسكة بكشاف بدائى تستكشف أطراف الطريق خشية أن ننزلق نحو حافة لا نراها والسحابة السوداء تظللها وتظللنا. كنت أقود وأمامى زجاج السيارة يكاد لا يرى من خلاله سوى ضوء خافت صادر عن الكشاف الضعيف الذى أمسكت به زوجة مرتعبة.
• • •
انتهت الرحلة بسلام بعد أن خلفت فى ملف ذكرياتى قصة أول تجربة قيادة على طرق جبلية وعرة وفى ظروف خطرة. هذه التجربة بكل المعاناة التى عشناها كانت وراء تحقيق حلم قديم، حلم قيادة سيارة فى مواقع متعددة من سلاسل جبال شامخة، وبخاصة سلسلة الألب الأشهر فى خيالى وزيارة قرى ومدن سمعت أو قرأت عنها. أذكر أننى خرجت مما سمعت وقرأت منبهرا حتى قبل أن أصعد فيها بسيارتى وقبل أن أمشى فى شوارع مدن أوروبا وأزور كنائسها الأثرية وغيرها من المبانى الأثرية الرائعة مثل كنيسة نوتردام فى باريس وكنيسة العائلة المقدسة فى برشلونة وتماثيل نحتها أعاظم الفنانين فى روما. أحلامى غطت غالبية المواقع التاريخية فى إيطاليا والساحة الأكبر فى برلين والغابة السوداء قرب ميونيخ وكل شارع ومقهى ودار الأوبرا فى فيينا والبحار السبعة قرب سالزبورج وقرى وسط الألب فى سويسرا.
هذه المواقع ليست سوى نماذج للكثير من إبداعات الطبيعة والبشر، أكثرها لا يرى إلا برحلات ينظمها ويقودها بنفسه إنسان مثلى يحلم بزيارة أثر أو شخص فى موقع بجبل ضمن سلسلة جبال فيقرر فى لحظة ويبدأ على الفور يحقق الحلم منفردا أو مع رفيق سفر. هذا بالضبط ما عشت أفعل خلال عطلاتى. بدأت بركوب جبال إيطاليا ظنًا منى أنها ستكون أقل وعورة، أملًا فى أن تكون تمهيدًا طيبًا وآمنًا لاقتحام عالم القيادة الجبلية الصعبة فى الألب وغيرها من السلاسل الشهيرة فى العالم.. تحقق الحلم.