فى مدح الحب

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الأربعاء 2 مايو 2012 - 8:05 ص بتوقيت القاهرة

كانت مصادفة لا أكثر. كنت جالسا أسمع خبرا مزعجا أثار فى روحى «القرف» وأطلق فى قلبى دقات جرس إنذار، جرس فى حجم أجراس الكنائس، ودقات بصوت الرعد. أما الخبر فكان عن حكم قضائى بحبس الفنان عادل إمام عقابا على إبداعاته على امتداد حياته الفنية!. وكانت على المائدة، إلى جانبى، مجلة الإيكونوميست البريطانية مفتوحة على صفحة عروض الكتب، وعلى عرض من العروض تأشيرة من قلمى بوجوب قراءته، وقراءة الكتاب نفسه إن أمكن.

 

الكتاب يحمل عنوان «فى مدح الحب». بينما كانت اللحظة، لحظة الاستماع إلى خبر عادل إمام، تحمل العنوان التالى: «فى غرس الكره».

 

•••

 

عاد المفكرون فى الغرب وفى الهند يكتبون عن الحب. قيل إنهم عادوا للكتابة كرد فعل مضاد لمزاج عالمى يميل أكثر فأكثر إلى الحقد والكره، وكمقاومة لحال «قرف» عام يهيمن على عديد من الشعوب تحت ضغط تيارات متطرفة ومتشنجة ومتعصبة. قيل فى الوقت نفسه إنهم عادوا يكتبون عن الحب لاستعادة الناس إلى الحب بعد أن ابتعدوا عنه خلال السنوات الأخيرة. أما لماذا ابتعد الناس عن الحب فالبعض يتهم العولمة التى شجعت الشعوب على إدمان الاستهلاك والاستغراق فى الماديات، على حساب أنبل العواطف وأرقها، مثل الحب.

 

بعض آخر اتهم الإنترنت وعناصر الشبكة الاجتماعية الإلكترونية لأنها شوهت سمعة الحب وأطفأت رونقه. فقد حلت لغة الكمبيوتر فى التراسل بين المحبين محل لغة القلب، اللغة التى كانت تكتب بها الرسائل الغرامية، وفقد المحبون والمحبات متعة استلام مغلف بداخله ورقة بلون أو بآخر، يجب أن تلمسها الأصابع لتفتحها فتنفعل بلمسها كافة الحواس، حاسة النظر وحاسة الشم وحاسة اللمس، وأحيانا حاسة التذوق. هنا، فى أماكن متعددة على الظرف والرسالة، توجد بصمات لا تراها العين المجردة. هنا سقطت دمعة أو أكثر. هنا تردد القلم فى كتابة كلمة ونقل إحساس. كثيرون أعرفهم حافظوا على الرسائل ومرت سنوات وها هم يعودون إليها، عادوا إلى البصمات والدموع والكلمات المتعثرة، لكن صادقة.

 

يتهمون أيضا الشركات التى اختطفت الحب وجعلته سلعة تباع وتشترى على شاشات الكمبيوتر. تزعم هذه الشركات بأنها تقوم بدور الخاطبة، أى تتولى بمقابل مادى تعريف طرف إلى طرف آخر تحت عنوان البحث عن الشريك المناسب للزواج. تروج الشركات لبضاعتها اعتمادا على أنها تقدم «حبا مضمونا» فى شكل تأكيدات تحقق التناسق والتكامل بين طرفين يسعيان إلى الزواج. فهى تعرض صورا فوتوغرافية محسنة لهما وتحتفظ لكل منهما بنبذة حياة محترمة ومنقحة وتضع قائمة بالطباع والأخلاق المناسبة وتقديرات للثروة الشخصية المعتبرة، هكذا يطمئن الزبون الباحث عن حب أو زواج لأنه سيحصل على حب «مضمون».

 

•••

 

لا يوجد شىء مضمون فى الحب. هذا ما يقوله المسيو آلان باديو Badieu الفيلسوف الفرنسى. الحب، فى نظره، لا يكتمل إلا إذا توافر له عنصر المخاطرة. لا حب حقيقيا بدون مخاطرة، فالمخاطرة تخلق اللهفة واللهفة وقود الحب. وما تفعله شركات الحب الإلكترونية هو أنها تستبعد المخاطرة، وتقدم حبا بضمان لفترة محدودة. يضيف الكاتب بقوله إن الحب المضمون غير مأمون، فضمان استمرار الحب وارتقائه هو الشعور المتواصل لدى العاشقين بأن حبهما مهدد دائما ومعرض للخطر. الحب أكبر كثيرا من مجموع أجزائه ومكوناته وتعبيراته وممارساته ولحظاته. هو أكثر من علاقة بين طرفين. هو حياة يصوغها اثنان هما اللذان يحددان بدايتها ومسيرتها ونهايتها، الحب لا يقوم بقرار منفرد كما يتصور كثيرون، لأنه كما قال أرسطو قبل 2000 سنة حياة واحدة يسكنها جسدان.

 

بهذا الفهم يرفض باديو الكثير من أفكار الفلاسفة القدماء والمعاصرين. الحب ليس انتشاء أو ابتهاجا بلقاء عابر أو متعمد. وهو ليس عقدا بين طرفين وليس اتفاقا أو معاهدة أو تفاهما يبدأ العمل به فى لحظة مقررة سلفا، وهو ليس وهما أو صداقة أو شراكة أو خطوبة أو زواجا.

•••

 

الجديد فى الموضوع أن العلماء صاروا يتدخلون فى حوارات الفلاسفة حول الحب. خرج بعضهم يعلن أن الحب علم، هذا هو ما تؤكده أستاذة الانثروبولوجيا Durban فى كتابها «علم الحب والخيانة». تحاول ديربان تقديم رؤية علمية تستند إلى نظرية النشوء والتطور لتثبت أن الحب درجة راقية جدا من درجات التطور، فالحيوانات مثلا لا تحب، على عكس ما يعتقده البعض. الحب كما يراه العلم صيرورة لا يمكن للحيوان ممارستها، فهو «يبدأ بشهقة اللقاء الأول مؤذنة بإمكانية الوقوع فى الحب». ولم يعرف العلم أن حيوانا شهق فى لقائه الأول بطرف من الجنس الآخر، ولم يعرف أنه شعر بالشوق أو مارسه. الإنسان هو الكائن الوحيد الذى يشتاق إلى شخص أو كائن حى آخر، هذا الشوق هو الذى يفسر جدية الإنسان عندما يحب، ويفسر كراهيته للخيانة، وكلاهما لا يتوافران فى عالم الحيوان.

 

بشر يبشرون بالحب، وبشر ينشرون الكره، والنصر النهائى للحب، ولو فى زمن موبوء بالكره.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved