مخاض عسير للاتفاق الأمريكى ــ الإيرانى

بشير عبد الفتاح
بشير عبد الفتاح

آخر تحديث: الإثنين 1 يونيو 2026 - 8:04 م بتوقيت القاهرة

على وقع انعدام الثقة، وغياب المرونة التفاوضية؛ أضحى إدراك أى اتفاق، أو حتى مذكرة تفاهم بين واشنطن وطهران، أشبه بمهمة «هرقلية وبيزنطية». غير أن معطيات شتى تدفع بالجانبين صوب التماس تفاهمات اضطرارية للخروج من النفق المظلم. لعل أبرزها:

المأزق الاستراتيجى، الذى انزلقا إليه بعد أسابيع حافلة بالمواجهات، والمهاترات، والمفاوضات العبثية. فوفقًا لعالم السياسة الأمريكى ويليام زارتمان، ترنو النزاعات المسلحة إلى التسوية الملحة عندما تصل الأطراف المتحاربة إلى ما أسماه «المأزق الاستراتيجى المُضر بالجميع»، أى عندما يعجز التصعيد عن تحقيق نصر حاسم لأى منهم. ومن ثم، يغدو التفاوض خيارًا لا مندوحة عنه. ويُعرف هذا الطرح فى أدبيات إدارة الأزمات بلحظة «نضج الصراع». بمعنى أن يغدو الاستمرار فى الحرب أعلى كلفة من وقفها، أو تحقيق أية مغانم من ورائها. الأمر الذى يجعل مواصلة التصعيد ضربًا من الجنون. هنالك، يصل الصراع إلى طريق مسدود، مما يضطر المتحاربين إلى التراجع والارتكان إلى التفاوض، والقبول بالوساطة. وتتسم هذه المرحلة من الصراع بخصائص عدة، أهمها: استنزاف الموارد، بمعنى إدراك الأطراف أن قدراتهم الاقتصادية والعسكرية قد تجاوزت مستوى الإنهاك المحتمل. وانسداد الأفق، حيث يقتنعون باستعصاء الحسم العسكرى، وتعثر بلوغ نصر كامل. وتعاظم التكلفة، إذ يتفاقم الشعور بالألم والندم، جراء تعاظم الخسائر البشرية والمادية والمعنوية، بغير جدوى استراتيجية.

عجز القوة الأمريكية؛ فبرغم تفوقها العسكرى الكاسح، فشلت واشنطن فى تحقيق أهدافها الاستراتيجية. وفى توسله مخرجًا من «المأزق الاستراتيجى» الذى هوى إليه؛ يتأرجح ترامب ما بين التهديد باستئناف العمل العسكرى، والدعوة لإدراك اتفاق. وتحت وطأة الإخفاق فى بلوغ أى من أهدافها المعلنة من الحرب، خاصة مع استمرار إيران فى استعراض قدرتها على الصمود رغم الضغوط المتنامية والخسائر الهائلة التى تكبدتها، تجد إدارة ترامب نفسها فى خضم حرب مفتوحة وطويلة الأمد، شأنها فى ذلك شأن إدارات سابقة طالما انتقدها ترامب لذات السبب.

بكل امتداداتها الإقليمية وتداعياتها الدولية، تكاد حرب إيران تلامس نهاية حتمية دون أن يتمكن أى طرف من انتزاع نصر حاسم أو فرض إرادته المطلقة على الآخرين. ولا تعنى هذه النتيجة انتهاء الصراع بقدر ما تدشن مرحلة جديدة أكثر تعقيدًا يمكن تسميتها «التوازن الهش»؛ حيث تتراجع خلالها احتمالات الحسم القاطع لصالح إدارة ممتدة للأزمة ضمن حدود الردع المتبادل وتوازن الخسائر. وعلى مدى أشهر من المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لم تنجح العمليات العسكرية ولا الضغوط الاقتصادية ولا التصعيد الجيوسياسى فى صياغة تسوية نهائية. ورغم أن الحرب أعادت رسم بعض ملامح ميزان القوى فى الشرق الأوسط، إلا أنها لم تُنتج منتصرًا قادرًا على تحويل إنجازاته التكتيكية إلى نصر استراتيجى مستقر ومستدام.

تصطدم استجابة واشنطن وطهران لموجبات التفاهم الملح بعدم ولوجهما بعد مرحلة الاستجابة لنداء السلام، بحيث يتحول تفكيرهما من أوهام التشبث باستراتيجية «إثبات القوة» إلى اليقين فى جدوى البحث عن تسوية للنزاع، بما يتيح «نافذة ذهبية» للوسطاء. ذلك أن وصول الصراع إلى هذه المرحلة من الإنضاج الذاتى غالبًا ما يوفر بيئة مواتية لإنجاح مساعى السلام. ويبدو أن طهران وواشنطن لا تزالان أسيرتين لحماسة داخلية تغريهما بمواصلة المواجهات طالما لم تبلغا نقطة الإنهاك القصوى. فلم يشعر أحد طرفى المعادلة بعد بأن استمرار الوضع الحالى غير قابل للتحمل، حيث ما برحا مقتنعين بأن لديهما القدرة على مواصلة الحرب وتحمل مزيد من التكاليف. فمن جانبه، لم يصل النظام الإيرانى إلى نقطة الجمود المؤلم المتبادل بما يدفعه لتقديم تنازلات استراتيجية. وفى المقابل، فشل ترامب فى تحويل الضغط العسكرى إلى مسار تفاوضى مستقر. وكما هو معلوم، لا تُحسم الصراعات الكبرى بالقوة وحدها، بل بقدرة الأطراف على إدراك اللحظة التى يصبح عندها استمرار الصراع هو الهزيمة بعينها. ومن رحم جولة جديدة من الحرب، قد تنبلج اللحظة التى يضطر عندها الطرفان إلى التماس تسوية سلمية.

تأبى إسرائيل إلا ابتزاز الأمريكيين استراتيجيًا عبر المطالبة بثمن فادح لتمرير اتفاق لا ترغب فيه بين واشنطن وطهران. ففى عام 2015، انتزعت من إدارة أوباما مكافأة ثمينة نظير تمرير خطة العمل الشاملة المشتركة. تضمنت وقتذاك حزمة من التعويضات والحوافز العسكرية والدبلوماسية لضمان استمرار التفوق الاستراتيجى الإسرائيلى إقليميًا كما ونوعًا. إذ شملت تعزيز قدراتها القتالية عبر زيادة المساعدات العسكرية الأمريكية لها إثر توقيع مذكرة تفاهم تاريخية فى سبتمبر 2016 تتضمن دعمًا تناهز قيمته 38 مليار دولار على مدى عشر سنوات، علاوة على تعميق التعاون المشترك فى تطوير أنظمة عسكرية متطورة مثل: «القبة الحديدية» و«مقلاع داود» وتقنيات اكتشاف الأنفاق، ناهيك عن تكثيف التنسيق الاستراتيجى المتمثل فى التعاون الاستخباراتى والعمل المشترك مع حلفاء واشنطن فى المنطقة لكبح جماح نفوذ إيران الإقليمى وفك ارتباطها بوكلائها.

تشكل قضية الضمانات تحديًا مهمًا للمفاوضات الجارية، خصوصًا فى ظل أفول دور الأمم المتحدة كوسيط دولى وتصاعد الصراعات وتراجع القيادة الأخلاقية العالمية، إلى الحد الذى يهدد بارتداد العالم إلى أحقاب الفوضى والاستخدام العبثى وغير المبرر للقوة العسكرية. فلقد جدد الأمين العام للأمم المتحدة منذ أيام تحذيره من التآكل الخطير فى قيم احترام القانون الدولى وميثاق الأمم المتحدة، ما يدفع العالم نحو التخبط واستفحال النزاعات. ومن ثم، تطالب طهران بضمانات دولية صارمة على شاكلة إصدار قرار من مجلس الأمن الدولى لمنع تكرار الهجمات الأمريكية ــ الإسرائيلية عليها، وتحصين أى اتفاق مع واشنطن وضمان تنفيذ بنوده وإلزام الأمريكيين بعدم التخارج منه مثلما فعل ترامب مع الاتفاق النووى عام 2015. ذلك أن قرار مجلس الأمن الدولى رقم 2231 وضع اتفاق أوباما تحت طائلة الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وهو الملزم والمصحوب بإجراءات عقابية إزاء طهران فقط، إذ كان يتضمن آليتى «الاستعادة» و«الزناد» لإعادة فرض العقوبات عليها بمنأى عن مجلس الأمن وحق الفيتو حال ثبوت عدم التزامها ببنود الاتفاق.

لم يتحرر ترامب من «عقدة أوباما»؛ حيث لا يمل التأكيد على أنه سيدرك اتفاقًا أفضل من ذلك الذى أبرمه الرئيس الأسبق عام 2015، والذى حدد النسبة القصوى لتخصيب اليورانيوم عند 3.67% لمدة 15 عامًا، مع خفض مخزون اليورانيوم المخصب بنسبة تتراوح بين 20% و40%، من 11 طنًا إلى أقل من 300 كيلوجرام فقط عبر نقله إلى روسيا. كما قلص عدد أجهزة الطرد المركزى الإيرانية إلى نحو خمسة آلاف بدلًا من 19 ألفًا، مع الحرص على استدامة سلمية البرنامج النووى الإيرانى عبر السماح للمنظمات الدولية بمراقبته وفق آلية تسمح بالتفتيش الدقيق والمتواصل لضمان تقويض قدرة إيران على عسكرته. وفى مسعى منه لتحقيق إنجاز زمنى، يصر ترامب على تمديد مدة اتفاقه المحتمل حتى عشرين عامًا، بزيادة خمس سنوات عن اتفاق أوباما. كما يلح فى تخلى إيران عن مخزونها من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، والبالغ 440 كيلوجرامًا، سواء بتسليمه لواشنطن أو لطرف آخر أو تدميره داخل إيران أو خارجها برعاية واشنطن وإشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وتوسلًا منه لتعظيم فرص تسويق الاتفاق المرتقب أمريكيًا وعالميًا باعتباره أفضل من اتفاق 2015، طالب ترامب دولًا خليجية وإسلامية بالانضمام إلى اتفاقات أبراهام.

فى تحليل نشرته دورية «فورين أفيرز» الأمريكية قبل قليل، توقع خبراء تشابه مآلات حرب أوكرانيا وإيران مع مخرجات حرب فيتنام. ومن جهته، يرجح جدعون روس، مؤلف كتاب: «كيف تنتهى الحروب.. لماذا نخوض دائمًا المعركة الأخيرة؟»، انتهاء الحرب الأمريكية ــ الإسرائيلية ضد إيران على غرار نهاية حرب فيتنام، أى بتسوية هشة تعالج بعض القضايا الفرعية الآنية الملحة، بينما تُبقى القضايا المركزية المزمنة والمعقدة دون حسم. فمثلما تم إرجاء تحديد مصير فيتنام الجنوبية، ستمتد المباحثات بشأن هندسة مستقبل إيران وسبر أغوار مآلات برنامجها النووى. ويتفق أولئك الخبراء على أن تعاظم إرهاق المتحاربين سيضطرهم إلى تسويات ترسخ حالة الجمود العسكرى والدبلوماسى. فبمجرد بلوغ إدارة ترامب أرضية مشتركة مع طهران، ربما لا تتردد فى بلورة تفاهمات لا تكترث بمخاوف وحسابات إسرائيل ودول الجوار الإيرانى. لذلك يرجح روس إدراك اتفاق يوقف الحرب، ويسمح باستئناف الملاحة السلسة فى مضيق هرمز، بينما يؤجل حسم القضايا المتعلقة ببرنامج إيران النووى.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved