الاتحاد الأوروبى أمام تحديات جمة

ناصيف حتى
ناصيف حتى

آخر تحديث: الإثنين 1 يونيو 2026 - 8:09 م بتوقيت القاهرة

نعيش اليوم فى لحظة تاريخية تشهد تحولات رئيسية على المستويين العالمى والإقليمى (مختلف أقاليم العالم ولو بدرجات متفاوتة). تحولات نتجت وتنتج عنها سمات فى العلاقات الدولية بعضها بدأ بالاستقرار كقواعد ناظمة مستقبلًا للعلاقات بين الدول وأخرى ما زالت فى طور التشكل، فى نظام عالمى جديد: نظام يوصف «بنظام ما بعد، بعد الحرب الباردة».

البعض «يستشرف» قيام نظام ثنائى القطبية (الولايات المتحدة الأمريكية والصين الشعبية)، باعتبار أن الأخيرة تعود من بوابة الجغرافيا الاقتصادية إلى الجغرافيا السياسية أيضًا. البعض الآخر يرى قيام نظام ثلاثى القطبية مع روسيا الاتحادية ولو فى موقع أقل ثقلًا من القطبين الآخرين بسبب الضعف فى الشق الاقتصادى مقارنة معهما. نظام يقوم على التفاهمات والتحالفات بالقطعة وليس التحالفات المقفلة أيًا كان الخطاب السياسى لهذا الطرف أو ذاك.

فى هذا الإطار العالمى الجديد الذى يتشكل يبرز تراجع دور ووزن طرف دولى شريك أساسى فى «القطب أو الحلف الغربى» فى النظام الدولى الذى انتهى بشكل تدريجى، وهو الاتحاد الأوروبى. الطرف الذى كان يشكل نموذجًا للتعاون الإقليمى المتعدد الأبعاد والأهداف ولو أنه ما زال الأكثر تقدمًا فى هذا المجال.

عدة أسباب تقف وراء تراجع وزن ودور الاتحاد الأوروبى على الصعيد العالمى. من هذه الأسباب ما يعيده البعض إلى التوسع السريع بضم الدول الأوروبية التى ولدت سياسيًا من جديد إلى الاتحاد، بعد سقوط وانهيار الحلف الشرقى بقيادة موسكو السوفيتية والتكلفة الكبيرة خاصة على الصعيد الاقتصادى فى تلك العملية رغم أهميتها السياسية.

البعض الآخر يرجع ذلك أيضًا إلى بروز عوائق موضوعية من «وطنية» تعكس أولويات مختلفة فى السياسة والاقتصاد والدفاع والمال والأمن، قد تعبر عن رؤية مختلفة ناتجة عن تطورات رئيسية على الصعيد الوطنى عند هذه الدولة أو تلك، رغم التفاهم على الأسس الاستراتيجية فى عملية البناء الأوروبى. زاد فى مساحة الاختلاف تراجع، والبعض يقول وهن، دور القاطرة الأوروبية. الدور الذى كان يقوم به بشكل متكامل الثنائى الفرنسى الألمانى فى قيادة القطار الأوروبى.

يعود ذلك بالطبع أيضًا إلى اختلاف الأولويات وكذلك إلى تراجع الإمكانات الموظفة أو القابلة للتوظيف فى هذا المجال عند كل من الدولتين المعنيتين. أضف إلى ذلك صعود قوى أخرى تبحث عن دور قيادى فى هذا المسار. وبالطبع كلما ازداد عدد الأعضاء فى «النادى الأوروبى» ازدادت إمكانات الاختلافات بين المقاربات والأولويات ولعبة التنافس ولو فى البيت الواحد.

من الأمور السلبية فى هذا السياق أيضًا، الأزمة فى «البيت الغربى» بين أوروبا والولايات المتحدة خاصة فى ظل إدارة الرئيس ترامب وعقيدة الأحادية الحادة التى تطبع سياساته وأولوياته الدولية على حساب بلورة التفاهم خاصة فى الأمور الاستراتيجية فى البيت الأطلسى.

أبرز مثال على ذلك، الشعور الأوروبى بخيبة الأمل من الولايات المتحدة فيما يتعلق بالأزمة الأوكرانية التى تحظى بأولوية استراتيجية فى أوروبا واعتبار كثير من الأوروبيين أن واشنطن تعقد تفاهمات مع موسكو فى هذا المجال على حساب حلفائها فى «البيت الغربى». واشنطن من جهتها تتهم أوروبا بعدم الوقوف معها كما يفترض بالحليف الاستراتيجى من حيث الدور وتوظيف الإمكانات والمواقف، فى الحرب مع إيران.

عنصر آخر أضعف ويضعف عملية البناء الأوروبى وبالتالى دور «القطب الأوروبى» صعود اليمين المتشدد فى أوروبا وأولوياته البعيدة أو المتناقضة مع أولويات السياسات الأوروبية المشتركة سواء على الصعيد الدولى أو الإقليمى الأوروبى أو الداخلى الوطنى مما يزيد من حدة الانقسامات المتعددة الأوجه والمترابطة النتائج من حيث انعكاساتها السلبية على مسار البناء الأوروبى. وأكثر ما يدل على ذلك هو شبه الغياب الأوروبى الكلى والفاعل عن «مسرحين» استراتيجيين أساسيين وتاريخيين بالنسبة لأوروبا أو بالنسبة لـ أهم دولها فى أزمان مختلفة وهما الشرق الأوسط وإفريقيا.

الجماعة الأوروبية التى صارت الاتحاد الأوروبى والذى اعتبر عن حق النموذج الذى يفترض الاقتداء به فى التعاون أو التكامل الإقليمى التدرجى المتعدد الأبعاد والأهداف، صار اليوم يعانى من العديد من التحديات الداخلية والخارجية المترابطة والمتداخلة. تحديات تساهم فى إضعاف، والبعض يقول فى تهميش دوره، على الصعيدين الداخلى التكاملى والخارجى الاستراتيجى، فيما يتعلق بقدرة التأثير بالأحداث والتطورات التى تهم الأمن الأوروبى، بمختلف أوجه، فى لحظة تبلور النظام العالمى الجديد.

وزير خارجية لبنان الأسبق

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved