خزائن متخمة.. وقلوب لا تعرف الرحمة

خولة مطر
خولة مطر

آخر تحديث: الثلاثاء 1 يوليه 2014 - 7:35 ص بتوقيت القاهرة

كان المساء قد بدأ يسدل ستاره، ولكنه مساء آخر فقد تلاصقت العربات قبل البشر، وتراكضت مسرعة باتجاه كل مراكز بيع المأكولات، ودرجات الحرارة فى ارتفاع، والشوارع تزينت بالفوانيس وملصقات مسلسلات هذا الشهر.. التهاب الحرارة وانقطاع الكهرباء عن الكثير من المناطق لم يمنع البيوت من أن تلفظ البشر إلى الشوارع.. إنه رمضان حتما.. نعم شهر رمضان يعود هذا العام ككل الأعوام ليذكرنا بمدى ارتباط هذا الشهر بالأكل والمسلسلات والكثير من الكسل.. ولا شيء آخر..

إنه رمضان فلنتوقف عن كل عمل إلا الإفراط فى الملذات الحسية.. حتما عندما يتكئ ذاك على باب العمارة وكأنه يصغى إلى قراءة للقرآن بأعلى درجات ما يتحمله جهازه الصغير.. هو الآخر يفرط فى المظهر وينسى الجوهر.. قالوا الإصغاء للقرآن وليس أن يكون هو جزء من الضوضاء العامة للحياة اليومية فى هذا الشهر.. الإصغاء والاستماع إليه فى كل أيام العام وليس فقط خلال الثلاثين يوما هذه..

•••

إنه رمضان حيث يعيد اكتشافنا لكم نحن مفرطون فى المظاهر والحسيات بعيدا عن الروحانيات رغم أنه شهر روحانى بجدارة.. تقف تلك السيدة قبل حلوله بأكثر من شهر تخزن فى الأطعمة وتحضر فيها.. تفتح خزائن مطابخ العرب لتجدها متخمة بكل ما لذ وطاب.. لا يفصل بين وجبة وآخرى سوى وصلة من مسلسلات الشهر الكريم! كيف ارتبط الصيام عن المعاصى وعن إيذاء الآخرين والتعبد والإصغاء والمحبة والرحمة وكل تلك الصفات الجميلة، نعم كيف ارتبط فقط بالملذات أو متى تحول إلى أن يصبح شهر الملذات بتميز؟ ربماعندما غرقت مجتمعاتنا فى الماديات وربما عندما تحولنا إلى أكبر أمة تستهلك ولا تنتج أو حتى عندما تمسكنا بالقشور حتى أصبحنا موضع تساءل إن لم يكن سخرية الكثيرين فى العالم..

إنه رمضان والدين يختطف والدم يصبح متلازمة للدفاع عنه.. تسقى الأرض من الموصل حتى يبرود بذاك الدم الطاهر .. تنتهك الأرواح لترفع أعلام سوداء وأرواح أكثر سواد. يهجر العرب الأرض، يجرون باتجاه الجهات الأربع لا ملاذ للعربى سوى بلاد الله الواسعة بعيدا عن هنا حيث خرج الأنبياء لكل الكون مبشرين الإنسانية بعالم أكثر رحمة وانفتاح وسعادة..

•••

إنه رمضان.. يقف ذاك المنقوع فى الحقد ينثر سواده بين أركان المدن. يحلل ويحرم كما يشاء أو كما قيل له ويتبعه كثيرون شباب جاءوا من مختلف جهات الكون ليتطوعوا فى خدمة الدين وباسم الدين!

إنه رمضان والكنائس تهدم وأضرحة الأولياء الصالحين و المكتبات ودور العلم ومقابر لفلاسفة عرب نشروا النور فامتلاءت به كتبهم واختفى هو من قلوب شبابنا الذين لو خرج لهم ابن رشد الآن لعلقوا المشانق له!

إنه رمضان.. وبين المنافسة على الأكل والمسلسلات يسير اللاجئون فى أوطانهم وبين الأوطان يبحثون عن خيمة وكسرة خبز وبعض من الماء الغير ملوث بدماء أحبتهم..

•••

إنه رمضان شهر الرحمة حيث يعود من جديد والمسلمون قد انتزعوا كثيرا من الرحمة من قلوبهم قبل عقولهم.. من وزعوا عليهم مفاتيح الجنة لم يخبروهم أنه دين الرحمة أولا قبل السيف طبعا وقبل الرصاصة الأخيرة التى وقف ذاك القادم من مدن الجهل والحقد والتخلف يفرغها فى ادمغت الراكعين لا خشوعا ولا سجودا بل خوفا.. نفس ذاك الخوف الذى اصبح اقرب إلينا من الوريد..

إنه رمضان ليتكم جميعا تصلون من أجل أن يعود الله ليسكن القلوب والعقول.. ليتكم تكثرون الدعاء بأن يبقى أهلنا فى مدننا المنكوبة بخير وإلا فلا رمضان لنا بعد اليوم فقد بدأنا العد التنازلى نحو البربرية البشعة.. بربرية لن ينجو منها أحدنا حتى أولئك الجالسون هناك الواقفون على أطراف الصحراء المتناهية يبعدون الربيع عنهم ويأتون بالصيف الحارق للكل..

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2021 ShoroukNews. All rights reserved