السلطة الأخلاقية للدول تتبع قافلة النّعى

علي محمد فخرو
علي محمد فخرو

آخر تحديث: الأربعاء 1 يوليه 2026 - 8:00 م بتوقيت القاهرة

فى كشفه لما لحق به كمدعى عام للمحكمة الجنائية الدولية أظهر كريم خان رسالة الوعيد والتهديد المافيوية التى استلمها من اثنى عشر سيناتورًا أمريكيًا، باستهدافه واستهداف أفراد عائلته، إن لم يتوقف وزملاؤه قضاة المحكمة عن إصدار أحكام بارتكاب الإبادة الجماعية ضد الشعب الفلسطينى من قبل بعض القادة الصهاينة فى الكيان الصهيونى. وهى رسالة مساندة بالطبع للعقوبات الشخصية التى أصدرها بحقهم الرئيس الأمريكى ترامب ونظام حكمه منذ أكثر من عام.

لكن كريم خان، وبشجاعة الرجل النبيل، أنهى ذلك الكشف بتصريح بالغ الأهمية والخطورة عندما قال: «إن السلطة الأخلاقية للدول بدأت تتفتّت.. وأنه إذا لم يكن لدينا قانون فماذا يتبقّى؟» إنها إعلان نعى بنهاية النظام الأخلاقى الدولى، ليتبع إعلانات ببكائيات ونعى متلاحقة عبر العقود القليلة الماضية بموت الحداثة وقيم الأنوار، وتشوه الديمقراطية واقترابها من الموت، وسقوط مبدأ العدالة الاجتماعية بموت الاشتراكية، وهزال وقلة حيلة نقابات العمال وتفتّتها واختراقها، وتراجع الكيانات الاجتماعية المحلية من أجل التهيئة لابتلاعها من قبل النظام العولمى النيوليبرالى، وإعلان موت مكون الإيديولوجيات فى الحياة السياسية لتحل محلها الاستقلالية الذاتية الفردية الأنانية الاستهلاكية الخاضعة لمنطق ونظام السوق وحده، واقتراب التركيبة التاريخية العائلية من الضياع من أجل إحلال كل أنواع الانحرافات الجنسية، لتكون هى أساس العلاقات البشرية، والآن بدأت أصوات ونعى كل المهن والتخصصات البشرية تمهيدًا لمجيئ الروبوتات وشتى أنواع مداخل الذكاء الاصطناعى، وأصبح عتاة الثروات والسلطات وعبيدهم ينادون بتقليص أو إماتة الملايين من الذين سيهيمون نتيجة لذلك فى صحارى البطالة وعدم الحاجة لهم.

وينتهى البعض بإعلان موت المجتمعات المدنية، تنظيمًا وعلاقات وعيش مشترك وحقوق مدنية.

مواكب النعى والبكائيات تلك نشاهدها ونسمعها يوميًا فى شتى ساحات الحياة الغربية الحضارية. إنها محاولة إماتة حضارة دون وجود من يرفض هذا المصير الذى تريد هذه الأقلية الفكرية أو المصلحية أو تلك فرضه على العالم المشغول ببلادات ونكات وأكاذيب وشائعات وسائل التواصل الاجتماعى والرّكض وراء مهرجانات الغناء والرقص والرياضة، يركضون وراءها حتى لا يرون تلك الصور البائسة لما آلت إليه أوضاع العصر من حروب وصراعات وتيه عاطفى وفكرى وروحى.

 تجاه كل ذلك أليس من واجبنا، نحن أمة العرب وعالم المسلمين، أن نطرح على أنفسنا أسئلة بشأن كل مواكب البكائيات والنعى تلك؟

ماذا عن الحداثة التى نريدها، ونوع الديمقراطية التى نسعى للانتقال إليها، والنظام الاقتصادى والمالى الذى ينسجم مع قيمنا ومع تطلعاتنا القيمية الإنسانية والأخلاقية، والمؤسسات التى نريد إصلاحها وإبقائها فى حياتنا والتخلص من تلك التى لا نريد؟.. إلخ.. من مئات الأسئلة الذاتية غير الخاضعة وغير المقلّدة؟ من قال إن تاريخنا وتراثنا لا يملكان بعضًا من الإجابات، وأن ليس لدينا من المحاولات والأيديولوجيات الذاتية الحديثة الموضوعية والعقلانية والمتوازنة التى نستطيع أن نفتّش فيها عن الكثير من الحلول؟

نحتاج الإجابة عن مثل تلك الأسئلة بصدق وشجاعة لنواجه المحاولات الاستعمارية الأمريكية - الصهيونية المستمرة، خصوصًا فى السنين الأخيرة، من أجل تشويه الذاكرة الجمعية لشعوب أمتنا، وعلى الأخص شاباتنا وشبابنا.

    

مفكر عربى من البحرين

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved