حين تنصف الرواية من ظلمهم التاريخ
حسين عبدالبصير
آخر تحديث:
السبت 1 أغسطس 2026 - 7:20 م
بتوقيت القاهرة
هناك كتب نقرأها لأنها تضيف إلى معلوماتنا، وهناك روايات نقرأها لأنها تضيف إلى إنسانيتنا. والفارق بين النوعين كبير. فالمعرفة يمكن أن تمنحها لك الوثيقة أو الدراسة الأكاديمية، أما القدرة على أن ترى العالم بعيون الآخرين، وأن تشعر بآلامهم وأحلامهم، فهي هبة الأدب العظيم. ومن هنا جاءت رواية «الوصول المقطوع» للكاتبة رشا عدلي، الصادرة عن دار الشروق المصرية العريقة في القاهرة، بوصفها عملًا يتجاوز حدود الرواية التاريخية التقليدية ليصبح تأملًا عميقًا في العلاقة بين الإنسان والتاريخ، وبين الذاكرة والنسيان، وبين الحقيقة والخيال.
أنا كروائي ومؤرخ وعالم آثار أرى أن الرواية الحقيقية لا تنافس التاريخ، ولا تدعي أنها بديل عنه، بل تكمل ما يعجز التاريخ عن قوله. فالمؤرخ محكوم بالوثيقة، وعالم الآثار محكوم بالشاهد المادي، أما الروائي فمحكوم بضميره الإنساني وخياله الخلاق. وإذا كان التاريخ يروي لنا ما وقع، فإن الرواية تكشف لنا كيف عاش البشر ما وقع. وإذا كانت الوثيقة تحفظ الحدث، فإن الأدب يحفظ الروح.
لقد أمضيت عقودًا أتنقل بين المواقع الأثرية، وأقرأ النقوش المصرية القديمة، وأفك رموز البرديات، وأقف أمام التماثيل والمعابد والمقابر الملكية. وفي كل مرة كنت أخرج بالسؤال نفسه: أين الإنسان العادي؟ أين العامل الذي حمل الحجر؟ أين النحات الذي أفنى عمره في تشكيل الجمال؟ أين المرأة التي انتظرت زوجها العائد من العمل في المحجر أو في الجيش؟ أين الطفل الذي نشأ في ظل تلك التحولات الكبرى؟ كانت أسماء الملوك محفوظة، أما أسماء صناع الحضارة الحقيقيين فقد ابتلعها الزمن.
هذا السؤال لم يفارقني وأنا أقرأ «الوصول المقطوع». فالرواية لا تتوقف عند استعادة قصة فرقة العمال المصرية التي اقتيدت إلى ميادين الحرب العالمية الأولى، وإنما تتجاوز ذلك إلى مساءلة الطريقة التي يُكتب بها التاريخ نفسه. فمن يقرر من يستحق أن يبقى في الذاكرة؟ ولماذا تتحول حياة آلاف البشر إلى مجرد أرقام في تقارير رسمية، بينما تُخلَّد أسماء قلة قليلة في الكتب والتماثيل؟
التاريخ، في صورته التقليدية، يميل إلى الاحتفاء بالسلطة. فهو يكتب عن الملوك والرؤساء والقادة العسكريين، ويهتم بالمعارك والاتفاقيات والتحولات السياسية الكبرى. أما الرواية، فهي بطبيعتها أكثر ديمقراطية. إنها تمنح البطولة لمن لا يملكون سلطة، وتعطي الكلمة لمن لم يُتح لهم الكلام، وتجعل الإنسان البسيط مركزًا للعالم، لا هامشًا فيه. ولهذا فإن الرواية ليست مجرد فن للسرد، بل هي أيضًا موقف أخلاقي من الحياة.
لقد نجحت رشا عدلي في أن تنقل القارئ من التاريخ بوصفه سلسلة من الوقائع، إلى التاريخ بوصفه تجربة إنسانية. فالوثيقة تستطيع أن تخبرنا بعدد الذين جُنّدوا، وعدد الذين ماتوا، وعدد الذين عادوا، لكنها لا تستطيع أن تنقل إلينا رعشة الوداع، أو مرارة الغربة، أو خوف أم لا تعرف إن كانت سترى ابنها مرة أخرى، أو شوق رجل إلى قريته وهو يقف في أرض لا يعرفها. هذه المساحات التي تعجز عنها الوثيقة هي الوطن الطبيعي للرواية.
وهنا تكمن قيمة الأدب الحقيقي. فهو لا يناقض التاريخ، وإنما يمنحه قلبًا. إنه يضيف إلى الحقيقة بعدها الإنساني، ويذكرنا بأن التاريخ ليس مجرد تواريخ وأرقام، بل هو قبل كل شيء حياة عاشها بشر من لحم ودم، أحبوا وخافوا وحلموا وتألموا مثلنا تمامًا.
ولعل ما يلفت النظر في «الوصول المقطوع» أن الكاتبة لم تتعامل مع التاريخ بوصفه زينة روائية أو خلفية للأحداث، بل بوصفه مادة حية للتأمل. فالبحث التاريخي واضح، والاطلاع على الوثائق والأرشيفات حاضر، لكن المعرفة لا تتحول إلى عبء على النص، بل تصبح جزءًا من نسيجه الفني. وهذه معادلة نادرة في الرواية التاريخية؛ أن يشعر القارئ بأنه يثق فيما يقرأ، دون أن يفقد متعة القراءة أو انسياب السرد.
وأحسب أن أهم ما يميز هذا العمل هو أنه لا يدعو إلى التعاطف مع شخصياته فحسب، بل يدعو إلى إعادة النظر في مفهوم البطولة نفسه. فالبطل هنا ليس قائدًا عسكريًا، ولا شخصية استثنائية تغير مجرى التاريخ، بل إنسان بسيط يحاول أن يحافظ على كرامته في ظروف قاسية، ويتمسك بإنسانيته في عالم يسعى إلى تحويله إلى مجرد أداة. وهذه الرؤية هي ما يجعل الرواية معاصرة، رغم أنها تستلهم أحداثًا وقعت قبل أكثر من قرن.
فالإنسان، في النهاية، لا يتغير كثيرًا. تتغير الملابس والأسلحة والحدود السياسية، لكن الخوف هو الخوف، والحب هو الحب، والحنين هو الحنين. ولهذا يستطيع القارئ المعاصر أن يرى نفسه في أبطال هذه الرواية، وأن يشعر بأن ما حدث لهم ليس بعيدًا عنه، بل هو جزء من التجربة الإنسانية المشتركة.
ومن واقع خبرتي في دراسة الحضارة المصرية القديمة، أستطيع القول إن أكبر خطر يهدد أي حضارة ليس سقوط مبانيها، بل فقدان ذاكرتها. فالمعابد يمكن ترميمها، والتماثيل يمكن إعادة تجميعها، أما الذاكرة إذا أصابها النسيان، فإن استعادتها تصبح أكثر صعوبة. ولهذا كان الأدب، عبر العصور، أحد أهم أدوات مقاومة النسيان. إنه يحفظ ما لا تستطيع الأحجار أن تحفظه، ويصون ما لا تستطيع الوثائق أن تسجله.
إن الرواية العظيمة لا تعيد كتابة التاريخ، وإنما تعيد كتابة الإنسان. وهذا ما فعلته رشا عدلي. لقد أعادت الاعتبار إلى أولئك الذين مروا في التاريخ مرورًا عابرًا، ثم اختفوا من صفحاته. أعادت إليهم أصواتهم، ووجوههم، وأحلامهم، وأكدت أن قيمة الإنسان لا تحددها مكانته في كتب التاريخ، وإنما مكانته في ضمير الإنسانية.
ولعل أكثر ما أعجبني في هذا العمل أنه لا يقع في فخ الحنين الرومانسي إلى الماضي، ولا يحول التاريخ إلى أسطورة، بل ينظر إليه بعين ناقدة، وبقلب إنساني. إنه يذكرنا بأن الماضي ليس زمنًا مقدسًا، وإنما تجربة يمكن أن نتعلم منها، وأن نعيد قراءتها كلما تغيرت أسئلتنا.
بعد الانتهاء من قراءة «الوصول المقطوع» لم يكن السؤال الذي بقي في ذهني: ماذا حدث لفرقة العمال المصرية؟ بل كان السؤال: كم من البشر لا يزالون حتى اليوم يعيشون المصير نفسه؟ كم من إنسان يعمل ويضحي ثم يختفي من الذاكرة؟ وكم من تاريخ لا يزال ينتظر من يكتبه من زاوية الإنسان لا من زاوية السلطة؟
هذه هي قوة الأدب. إنه يجعل الماضي مرآة للحاضر، ويجعل الحكاية الخاصة قضية إنسانية عامة. ولهذا فإن الرواية لا تنتهي عند الصفحة الأخيرة، بل تبدأ هناك، حين يخرج القارئ وهو يعيد النظر في العالم من حوله.
إن «الوصول المقطوع» ليست مجرد رواية ناجحة، بل شهادة على أن الأدب المصري ما زال قادرًا على إنتاج أعمال تجمع بين البحث الرصين، والخيال الخلاق، والرؤية الإنسانية العميقة. وهي تؤكد أن دار الشروق، بتاريخها الثقافي العريق، لا تزال تراهن على الأدب الذي يبقى، لا الأدب الذي يستهلك سريعًا.
وفي النهاية، أستطيع أن أقول إن هذه الرواية لم تُكتب لتروي لنا ما حدث قبل أكثر من مئة عام، بل كُتبت لتذكرنا بأن الإنسان يظل هو القضية الكبرى في كل الأزمنة، وأن الحضارات لا تُقاس فقط بما شيدته من آثار ومعابد ومدن، وإنما أيضًا بقدرتها على حفظ ذاكرة أبنائها جميعًا. وعندما يعجز التاريخ عن إنصاف هؤلاء، تأتي الرواية لتقوم بهذه المهمة النبيلة، فتمنح المنسيين أسماءهم من جديد، وتعيد إليهم مكانهم المستحق في ذاكرة الإنسانية.