سد النهضة.. الوضع بعد التقارب الأمني الأمريكي الإثيوبي
عبدالرحيم شلبي
آخر تحديث:
الثلاثاء 1 سبتمبر 2026 - 8:55 م
بتوقيت القاهرة
منذ الإعلان في سبتمبر ٢٠٢٥ عن دخول سد النهضة الإثيوبي مرحلة التشغيل، لا يزال الملف بين مصر وإثيوبيا والسودان خاليًا من أي اتفاق ملزم ينظم ملء الخزان وتشغيله. وهذا الفراغ يطرح سؤالين يندر أن يُطرحا معًا: لماذا لم تنجح مصر في وقف المشروع؟ وهل يشكل فعلًا تهديدًا جديًا لزراعتها؟
الحقيقة أن التقاعس ليس غياب الفعل، بل غياب الأداة. تستند القاهرة إلى مبادئ القانون الدولي في الاستخدام المنصف للمياه العابرة للحدود، وإلى إعلان المبادئ الموقّع عام ٢٠١٥ بين الدول الثلاث. وقد طرحت مصر الملف أمام مجلس الأمن الدولي أكثر من مرة، دون أن يصدر عن ذلك قرار ملزم، واكتفت الجامعة العربية بتأييد سياسي دون أدوات ضغط فعلية، ولم ينتج الاتحاد الأفريقي رغم عقد كامل من الوساطة أي آلية إلزامية. فحين وقّعت ست دول من دول حوض النيل في أكتوبر ٢٠٢٤ اتفاقية إطارية للتعاون في الحوض، بقيت مصر والسودان خارجها، في مؤشر إضافي على الانقسام حول البنية المؤسسية للنهر. أما السودان، الشريك الطبيعي في هذا الملف، فتُقعده حربه الأهلية عن أي دور فاعل، ولا يمكن أن يستعيد هذا الدور إلا بعودة الاستقرار السياسي فيه. ويبقى الدعم الأمريكي، رغم غياب تدخل حاسم ومباشر، سندًا دوليًا ذا وزن لمصر في هذا الملف.
أما الخيار العسكري، فتغيبه عن الحسابات المصرية لا يعود إلى عجز، بل إلى أن كلفته السياسية والرمزية قد تفوق أي مكسب محتمل. فأي ضربة تستهدف السد، ولو بشكل محدود، تنطوي على خطر إطلاق كميات كبيرة من المياه المتراكمة خلف الخزان باتجاه مجرى النيل الأزرق، ما يغرق مناطق سودانية مأهولة قبل أن يصل الأثر إلى الحدود المصرية- أي أن السودان، الحليف الذي تسعى مصر لحمايته، سيكون أول من يتحمل كلفة أي تصعيد عسكري لا آخر من يتحملها. يضاف إلى ذلك حساسية خاصة إزاء أي تدخل عسكري مصري أو عربي في بلد أفريقي جنوب الصحراء، وهو ما قد يعيد إحياء قراءات ما بعد استعمارية تضر بصورة مصر كشريك للقارة لا كقوة مهيمنة قادمة من الشمال.
• • •
وفوق حسابات القوة، ثمة قربى تاريخية ورمزية بين الشعبين نادرًا ما تُستحضر. فالحضارة الفرعونية وإثيوبيا، وريثة مملكة أكسوم، من أعرق حضارات القارة الأفريقية وأكثرها عراقة، وهي قربى تولّد إعجابًا متبادلًا لا تُبدده توترات الحاضر. ففي عام ٦١٥ للميلاد، منح النجاشي الملك المسيحي في أكسوم اللجوء لأوائل المسلمين الفارّين من الاضطهاد في مكة، وهي واقعة مؤسسة محفوظة في المصادر الإسلامية الكلاسيكية. وفي عام ١٨٩٦، شكّل انتصار إثيوبيا في معركة عدوة على إيطاليا الاستعمارية أحد الرموز النادرة لانتصار قوة أفريقية على جيش أوروبي، وهي ذكرى تعتز بها أفريقيا كلها، ومصر معها. وعلى الصعيد الديني، ظلت الكنيسة الأرثوذكسية الإثيوبية لأكثر من خمسة عشر قرنًا تابعة للبطريركية القبطية في الإسكندرية قبل أن تنال استقلالها الكنسي عام ١٩٥٩، فيما تضم إثيوبيا اليوم إحدى أكبر الجاليات المسلمة في أفريقيا، تتركز في شرق البلاد حول مدينة هرر. وقد امتد هذا الرباط إلى الدبلوماسية الأفريقية، حين اختار عبدالناصر عام ١٩٦٣ دعم أديس أبابا مقرًا لمنظمة الوحدة الأفريقية بدلًا من فرض ترشيح القاهرة، في لفتة تضاف إلى حياد الإمبراطور هيلا سيلاسي الرمزي ووضع إثيوبيا كأحد البلدان الأفريقية القليلة التي لم تخضع للاستعمار.
يضاف إلى هذا الرصيد التاريخي حساب سياسي داخلي على الجانبين معًا. فالقبول بإطار ملزم يمثل بالنسبة لرئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد تنازلًا عن سيادة وطنية يصعب تبريره داخليًا بعد عقد كامل من التعبئة الشعبية حول السد كرمز للاستقلال. وفي المقابل، فإن أي تراجع مصري عن المطالب التاريخية سيُقرأ في الداخل المصري على أنه تفريط. وهذا التوازن الحرج بين موقفين لا يملك أي منهما ترف الهزيمة السياسية المعلنة هو ما يفسر استمرار الأزمة في حالة إدارة طويلة الأمد، دون اتفاق رسمي ودون اندفاع متعمد نحو القطيعة.
أما على الصعيد الزراعي، فالفجوة بين الحصة التاريخية لمصر من مياه النيل واحتياجاتها الفعلية آخذة في الاتساع، ويمنح احتياطي بحيرة ناصر مصر هامشًا زمنيًا محدودًا لا يتجاوز بضع سنوات لامتصاص أي صدمة كبرى. وقد استثمرت مصر في حلول داخلية، من إعادة تدوير مياه الصرف الزراعي إلى التوسع في مشروع الدلتا الجديد وتحلية مياه البحر وتعميم الري بالتنقيط، غير أن هذه الحلول تبقى تدابير للتكيف مع الزمن، لا علاجًا بنيويًا للعجز المائي المزمن.
• • •
وفي هذا السياق، لا يبدو التمويل والدبلوماسية مسارين متنافسين بالنسبة للقاهرة، بل أداتين متكاملتين لهدف واحد: دفع إثيوبيا نحو قبول إطار ملزم يحكم تشغيل سد النهضة والسدود الثلاثة الجديدة المعلنة على النيل الأزرق. وإذ فشلت الدبلوماسية التقليدية في تحقيق أي اختراق خلال عقد كامل، يبقى الضغط المالي أداة أكثر واقعية، سواء عبر الجهات الإقليمية الممولة لإثيوبيا، خصوصا من دول عربية، أو عبر مؤسسات التمويل الدولية بضغط أمريكي. غير أن نجاح هذا المسار مرهون بعدم لجوء إثيوبيا إلى ممولين غير غربيين أقل تشددًا في الاشتراطات، والصين حاضرة هنا كأحد المصادر المحتملة لهذا التمويل البديل، وهو ما يمثل نقطة احتكاك هادئة لكن حقيقية بين القاهرة وبكين إذا ما تعمق دور الأخيرة في هذا الملف.
• • •
غير أن حسابات الضغط المالي والدبلوماسي هذه لا يمكن فصلها اليوم عن تطور طرأ في الأسابيع الأخيرة على العلاقة الأمريكية الإثيوبية نفسها، وهو ما يستدعي التوقف عنده. ففي مايو ٢٠٢٦، وقّعت واشنطن وأديس أبابا في العاصمة الأمريكية إطار الحوار الهيكلي الثنائي، الذي أرسى تعاونًا منتظمًا يغطي الانخراط الاقتصادي والأمن والاستقرار الإقليمي، ووضع الأساس لتحول تدريجي من نموذج المساعدات التنموية التقليدية -الذي تجسّده استراتيجية التعاون الإنمائي القطرية ٢٠٢٢-٢٠٢٧ بقيمة ٢.٠٦٣ مليار دولار عبر الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية- نحو نموذج قائم على الاستثمار التجاري المباشر والتبادل التجاري. وعلى هذا الأساس، عُقدت في ١٩ و٢٠ أغسطس ٢٠٢٦ مشاورات ثنائية بين وزارتي الدفاع في البلدين، بمشاركة اللواء تشومي جيمشو، مدير عام العلاقات الخارجية والتعاون العسكري في الجيش الإثيوبي، من الجانب الإثيوبي، ونائب مساعد وزير الدفاع الأمريكي بريان إليس من الجانب الأمريكي، أفضت إلى الإعلان في ٢١ أغسطس عن رفع التعاون الدفاعي والأمني إلى مستوى إطار استراتيجي شامل. ويقوم هذا الإطار على أربعة محاور: الأمن والاستقرار الإقليميين في القرن الأفريقي وممر البحر الأحمر ومكافحة الإرهاب؛ التنسيق المؤسسي والتشغيلي عبر التدريب المشترك والتعليم العسكري المهني وتبادل المعلومات الاستخباراتية؛ تعزيز قدرات المشاركة في عمليات حفظ السلام الأفريقية والدولية، مع تركيز خاص على التخلص من الذخائر غير المنفجرة والدعم اللوجستي والالتزام بالقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان أثناء هذه العمليات؛ وأخيرًا بناء ثقة مؤسسية بعد سنوات من الفتور الدبلوماسي، بما يرسّخ علاقة ثنائية أكثر قابلية للتنبؤ. ولا غرابة في هذا التوجه: فالولايات المتحدة، بحكم موقعها كقوة عظمى ذات مصالح متعددة، تدير في القارة الواحدة أكثر من محور استراتيجي في آن واحد، دون أن يعني هذا التعدد تراجعًا عن التزام سابق تجاه طرف بعينه.
من حيث أثره على ملف سد النهضة، فإن هذا التقارب العسكري بين واشنطن وأديس أبابا يقلّص، لا يزيد، من احتمالات أي مواجهة عسكرية إقليمية حول السد -وهو خيار لم يكن أصلًا في مقدمة أولويات القاهرة. وتواصل الولايات المتحدة، في الوقت نفسه، تأكيد دعمها لحق مصر القانوني في تأمين حصتها من مياه النيل عبر إطار تعاقدي ملزم. بل إن العلاقة الأمنية الجديدة بين واشنطن وأديس أبابا قد تمنح الإدارة الأمريكية نفوذًا إضافيًا للتدخل لدى إثيوبيا ودفعها نحو قبول تسوية ملزمة، أكثر مما تشكل تهديدًا لموقف مصر.
مساعد وزير الخارجية الأسبق
هذا المقال موجز عن نسخة مطولة نُشرت بالفرنسية على منصة " ORIENT XXI"