نتائج لقاءات كوشنر ورفاقه مع حماس وإسرائيل
رخا أحمد حسن
آخر تحديث:
الثلاثاء 1 سبتمبر 2026 - 8:55 م
بتوقيت القاهرة
إزاء تمادى إسرائيل بالاستمرار فى عمليات التدمير والقتل فى قطاع غزة وعدم التزامها بوقف إطلاق النار ورفضها المضى فى تنفيذ المرحلة الأولى من خطة ترامب للسلام فى غزة، ورفضها خريطة الطريق التى توصل إليها مجلس السلام فى غزة مع قادة حركة حماس على تسليم سلاحها مقابل انسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلية تدريجيا من قطاع غزة وترحيب الرئيس ترامب بذلك، وإزاء ما تقوم به إسرائيل من التوسع فى إقامة المستوطنات فى الضفة الغربية وتسليط المستوطنين الإسرائيليين ــ وهم أصلا من احتياطى الجيش الإسرائيلى، بترهيب وتدمير ممتلكات الفلسطينيين فى الضفة الغربية وإرغامهم على ترك منازلهم فى خطوات لضم الضفة الغربية لإسرائيل والحيلولة دون قيام دولة فلسطينية، إزاء ذلك كله وغيره كثير قرر ترامب إيفاد صهره وموضع ثقته جاريد كوشنر، ومعه ميلادينوف، وتونى بلير، من مجلس السلام فى غزة إلى مهمة فى الشرق الأوسط شملت لقاءات مع كبار المسئولين المصرييين، وحركة حماس، وإسرائيل.
• • •
وقد أعلن فى البداية أن كوشنر ومرافقوه سيزورون إسرائيل والالتقاء مع نتنياهو يوم الأحد ١٦ أغسطس ٢٠٢٦، وذلك على أساس أن إسرائيل هى التى تضع العراقيل أمام خطة ترامب، ورفضت موافقة حماس على تسليم سلاحها. ولكن تغير البرنامج ووصل كوشنر ومرافقوه مصر يوم الأحد بدلاً من إسرائيل، والتقى كوشنر مع الرئيس السيسى بحضور وزير الخارجية، ورئيس المخابرات العامة، وتم بحث جهود وقف إطلاق النار فى قطاع غزة ومبادرات السلام فى الشرق الأوسط، وتطورات القضية الفلسطينية، وضرورة قيام كل الأطراف بتنفيذ التزاماتها بموجب اتفاق وقف الحرب فى قطاع غزة.
والتقى كوشنر ومعه ميلادينوف وتونى بلير فى مدينة العلمين الجديدة مع قادة حركة حماس خليل الحية، وخالد مشعل، ومحمد درويش، وغازى حمد، وبحضور ممثلين عن الدول الوسيطة ومن بينها مصر. وهنأ كوشنر قيادة حماس على الانتخابات التى أسفرت عن تولى خليل الحية رئاسة المكتب السياسى للحركة. ووصفت حماس اللقاء بأنه كان جيدًا للغاية، وأنهم أكدوا لكوشنر ومرافقيه أن حركة حماس، بعد تطبيق خطة السلام وخريطة الطريق، ستمارس حقها الطبيعى فى العمل السياسى إلى جانب انخراطها فى العمل الاجتماعى، وأن الحركة تلقت تطمينات واضحة هى والفصائل الأخرى بشأن مستقبلها السياسى وممارساتها بكل حرية دون تصفيات أو ملاحقة عناصرها. وأكد الحية أن حماس اتخذت من السلاح وسيلة للوصول إلى تحقيق أهداف الشعب الفلسطينى من أجل حل سياسى واضح للقضية الفلسطينية يوصل إلى تقرير المصير، وهو ما تنص عليه خطة الرئيس ترامب والتى تم الاتفاق عليها ثم توقيعها فى أكتوبر ٢٠٢٥.
وأشاد كوشنر بموقف حماس، واعتبر أن ما قدمته لشعبها كبير جدا. وأوضح الحية أنه لم يتغير شىء على الأرض، وأن عمليات القتل الإسرائيلية مستمرة، رغم تراجعها، وأن ما تريده حماس هو إيجاد أفق لحل سياسى، وأكد أنه لن يتم فتح مفاوضات مجددًا على بنود خريطة الطريق ولن يسمح بتعديلها. وأوضح مجلس السلام أنه ليس مطلوبًا من إسرائيل تنفيذ أى عملية انسحاب من الخط الأصفر الأساسى قبل بدء عملية حصر سلاح حماس وتخزينه، بينما إسرائيل مجبرة على الانسحاب من المناطق التى وسعت وجودها فيها وتوسيع الخط الأصفر مؤخرا.
ولم تعط إسرائيل حتى الآن موافقة على خريطة الطريق التى تم الاتفاق عليها بين مجلس السلام فى غزة وحركة حماس، والتى تضمنت التزام كل الأطراف بخطة ترامب للسلام فى قطاع غزة، وضمان الانسحاب الإسرائيلى وعودة الحياة الطبيعية، وتمكين الإدارة المدنية الفلسطينية وإعادة الإعمار، وتعزيز الأمن والتنمية، وتهيئة مسار سياسى يحقق تقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية، وتتولى لجنة التحقيق الدولية أى انتهاكات من قبل أى طرف، وتوافق حماس والفصائل على تسليم مهام الحكم المدنى والوظائف الأمنية إلى اللجنة الوطنية الفلسطينية التى تدير غزة باستقلالية كاملة فى أداء مسئولياتها، وستعمل على استمرارية المؤسسات والخدمات والتعامل مع المواطنين بشكل عادل، واتخاذ الترتيبات والإجراءات اللازمة لتجميع سلاح حركة حماس والفصائل الفلسطينية الأخرى فى قطاع غزة مع ترتيبات انسحاب القوات الإسرائيلية من القطاع. ويلاحظ أن الرئيس ترامب رحب بخريطة الطريق واعتبرها انتقالة مهمة فى عملية تحقيق السلام فى قطاع غزة، بينما رفضها نتنياهو وأكد أن القوات الإسرائيلية لن تنسحب من مواقعها الحالية فى قطاع غزة قبل نزع سلاح حماس بالكامل. وكانت إسرائيل عند إعلان وقف إطلاق النار فى غزة تسيطر على نحو ٥٣٪ من إجمالى مساحة القطاع ووضعت الخط الأصفر عند هذا الحد، ولكنها الآن أصبحت تسيطر على نحو ٧٠٪ من القطاع ونقلت الخط الأصفر عند هذا الحد. وبينما تطالبها خريطة الطريق ومجلس السلام فى غزة بالانسحاب الآن إلى الخط الأصفر الأول، يرفض نتنياهو أى انسحاب قبل نزع سلاح حماس بالكامل. وهذا تعنت كبير للغاية.
وقد تناول كوشنر والمرافقون له وفريق حماس والوسطاء الطعام معا، ثم عقد كوشنر اجتماعًا ومرافقوه مع رئيس اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة، على شعث، وبعض أعضاء اللجنة، حيث أكد شعث لكوشنر أن أولويات اللجنة إعادة الأعمار وتقديم المساعدات للسكان الفلسطينيين فى غزة، وطلب أن ينقل لترامب أن كل الفلسطينيين يتطلعون للعيش فى سلام وبلا حروب، وأكد كوشنر للجنة أنه سيعمل بقوة أثناء وجوده فى إسرائيل من أجل أن تلتزم بما تم الاتفاق عليه.
• • •
استغرق لقاء كوشنر ومرافقوه مع نتنياهو نحو أربع ساعات. وأشارت جريدة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية أن الأمريكيين غاضبون فعلا من نتنياهو، ويشعرون بأنه يستخف بالخطة التى طرحها ترامب للسلام فى غزة، وأن نتنياهو يقوم بألاعيب معيبة لا تطاق بغرض المماطلة وكسب الوقت إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية فى ٢٧ أكتوبر ٢٠٢٦، وأن ترامب سبق أن وافقه على تضمين بعض مطالبه فى خطة السلام فى غزة قبل إعلانها، إلا أن نتنياهو خاف من اليمين الإسرائيلى الذى رفضها، وأعلن بدوره على الملأ أنه لا يقبلها. وجاء فى صحيفة معاريف الإسرائيلية أن نتنياهو يضع حساباته الانتخابية فوق كل اعتبار، ولا يكترث لحسابات ترامب الانتخابية للتجديد النصفى للكونجرس الأمريكى فى نوفمبر ٢٠٢٦.
ونشرت الصحف الإسرائيلية أن ترامب يرى أنه قد حان الوقت ليستجيب نتنياهو لما يطلبه منه، وأشارت إلى أن مطالب ترامب تدور حول عدة نقاط، منها تأكيد إسرائيل مجددا قبول خطة ترامب للسلام فى غزة والتى أقرها مجلس الأمن للأمم المتحدة، والانسحاب الإسرائيلى التام إلى الخط الأصفر الأول فى غزة وعدم الوجود فيما عداه، وتوسيع نطاق المساعدات اليومية لسكان غزة والتمهيد لأن توزع بعيدا عن أيدى حماس، ودفع عملية إعمار غزة والامتناع عن وضع العراقيل أمامها، وإتاحة الفرصة لدخول لجنة التكنوقراط الفلسطينية إلى قطاع غزة لتباشر العمل وتتسلم الحكم من حماس، ووقف تام للاغتيالات وإطلاق النار فى قطاع غزة والضفة الغربية بما فى ذلك اعتداء المستوطنين الإسرائيليين على الفلسطينيين.
ونشرت جريدة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية أن نتنياهو فهم رسائل واشنطن وجعلته متوترًا، كما أنه فى حالة غيظ من لقاء مجلس السلام فى غزة وكوشنر مع رئيس حركة حماس خليل الحية، وقيل أنه وبخ كوشنر على هذا اللقاء، ويشعر أن ترامب امتنع فى الأسابيع الأخيرة عن الإعراب عن تأييده لنتنياهو كما كان يفعل فى بداية العام. وصرح ترامب ــ أثناء اجتماع كوشنر مع نتنياهو ــ بأنه يفضل أن يبقى خارج اللعبة الانتخابية فى إسرائيل ولا يعلن تأييده لشخص معين، ولكن من غير المستبعد أن يتدخل فى نهاية المطاف ويعلن تأييده لأحد المرشحين. واعتبر نتنياهو أن هذا بمثابة تحذير له بتأييد ترامب لأحد منافسيه إذا لم يكف عن وضع العراقيل أمام خطة ترامب.
وتشير تسريبات بأن نتنياهو أقنع كوشنر بأن حماس مخادعة وأنها تواصل تعزيز قواتها وتجنى الأرباح من الضرائب ونهب المساعدات. وأكد نتنياهو لكوشنر أنه لن يكون هناك انسحاب إسرائيلى أو إعادة إعمار إلا بعد أن تسلم حماس أسلحتها الثقيلة والخفيفة بالكامل، وأن قوات الاستقرار الدولية لن تدخل غزة إلا بعد نزع سلاح حماس ولن تتم أى عملية إعمار قبل ذلك. ويلاحظ أن نتنياهو ربط بين دخول قوات الاستقرار الدولية وإعادة الأعمار، بينما من أهم أدوار هذه القوات مراقبة التزام الأطراف بوقف القتال، والإشراف على المعابر ودخول المساعدات وتأمين توزيعها، والتعاون مع لجنة الإدارة الوطنية الفلسطينية فى القطاع، واستلام المناطق التى تنسحب منها إسرائيل إلى حدود الخط الأصفر الأساسى. وطالما لم تدخل قوات الاستقرار الدولية قطاع غزة، فإن إسرائيل ستفعل ما تريد على ضوء قول كوشنر لنتنياهو أن واشنطن لن تقيد حق إسرائيل فى الدفاع عن نفسها إذا كانت هناك أى تهديدات وشيكة فى قطاع غزة.
• • •
لقد أعطى كوشنر ومرافقوه مسكنا قويا لقادة حماس باللقاء معهم والاستماع إليهم وطمأنتهم دون أى التزام محدد بتغيير الأوضاع المأساوية والاعتداءات الإسرائيلية فى قطاع غزة، وأوصل وتلقى رسائل نتنياهو دون حدوث تغيير فى مواقف نتنياهو فى المرحلة الحالية، بل أعطاه الضوء الأخضر لتقوم إسرائيل بكل ما تراه من عمليات عسكرية فى قطاع غزة تحت شعار الدفاع عن النفس. وستبقى الأوضاع معلقة إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية والأمريكية، ونأمل أن لا تمتد إلى أكثر من ذلك، مجرد أمل.
مساعد وزير الخارجية الأسبق