عندما تنتهى الخطب.. مشاهدات من أروقة الأمم المتحدة

جيهان فاروق الحسيني
جيهان فاروق الحسيني

آخر تحديث: الخميس 1 أكتوبر 2026 - 7:25 م بتوقيت القاهرة

مع انتهاء اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، تبقى الأسئلة التى تتركها وراءها مفتوحة ولا تنتهي؛ فبينما يراها البعض محفلًا حاسمًا، يصعب على من يتابع هذه الاجتماعات ألا يشعر أحيانًا بأن المسافة بين كثافة الخطاب وضآلة أثره على الأرض تتسع عامًا بعد عام. وبالأخص فى عالمنا العربى، الذى ينظر إليها من منظور سياسى، أصبحت، فى مجملها، مجرد «مكلمة» واستعراض للعلاقات العامة.

فهى لا تعدو كونها منصة لتبادل الكلمات التى لا تؤثر ولا تُترجم على أرض الواقع، وتفشل فى حل القضايا الأساسية والجوهرية، طالما ظلت اليد العليا فيها لأمريكا، التى تفرض هيمنتها باعتبارها المساهم الأساسى والأكبر فى موازنتها.


وحتى عندما تشهد القاعة خطابات نارية وقوية من بعض الزعماء، تثير حماس الجمهور العربى والإسلامى، فإنها تظل شكلية، مجرد كلمات رنانة تحظى بالإعجاب، لكنها تتبخر فور انتهاء الجلسة، دون أن يكون لها أى وقع أو أثر حقيقى، وتبقى مجرد حبر على ورق لا علاقة له بالواقع.

 

ذكريات الاتحادية فى شرق مانهاتن


عند ذهابى لحضور اجتماعات الأمم المتحدة هذا العام، وتحديدًا فى أول أيام High-Level Week للجمعية العامة، كانت الأجواء ممطرة ومغلقة. كنا نسير عبر طريق خاص وممر أمنى مخصص، حتى وصلنا إلى الشارع 45 وEast Avenue باتجاه الشرق.


نيويورك، فى الجانب الشرقى من مانهاتن، كانت تبدو وكأنها ثكنة عسكرية، ذكرتنى بآخر أيام حكم الرئيس مبارك، عندما كنت أذهب إلى قصر الاتحادية، مقر الرئاسة فى حى مصر الجديدة. كانت هناك حواجز، وكنا نسير فى طرق التفافية حتى نصل إلى البوابة التى تمكننا من الدخول.


كانت الإجراءات الأمنية مكثفة وغير مسبوقة؛ رجال الأمن والشرطة ينتشرون على طول المسار، ويقيمون حواجز أمنية ومسارات طويلة لتنظيم حركة المشاة والمارة. وفى حديث سريع مع أحد رجال الأمن، قلت له: «أحضر كل عام، ولكننى لم أرَ مثل هذه الترتيبات والدقة من قبل!». فأجابنى بابتسامة: «هذه السنة ليست كأى سنة أخرى!».


وبدا لى أن هذا الاستنفار الأمنى الاستثنائى ارتبط بوجود الرئيس الأمريكى دونالد ترامب فى المنطقة فى ذلك اليوم.


لا أعرف لماذا أعادتنى العبارة، مع الحواجز والاستنفار من حولى، إلى مشاهد القاهرة فى أيام يناير 2011.

 

عزلة المنطقة والتحديات اللوجستية


كان الاستنفار الأمنى غير المسبوق يمتد على طول المربع المحيط بالفنادق ومقر الأمم المتحدة، حيث كانت المنطقة بأكملها أشبه بمنطقة مغلقة تمامًا، لا تحمل أى مظاهر لحركة طبيعية إلا ما يخص الأمم المتحدة أو الوفود الرسمية. حتى حركة المرور شُلّت كليًا؛ وعندما حاولت ركوب سيارة تاكسى، رفض السائق التوجه إلى المنطقة بسبب إغلاق الطرقات.


شملت هذه الترتيبات أيضًا ارتفاعًا هائلًا وغير مسبوق فى أسعار فنادق نيويورك. حتى الفنادق الكبرى، مثل فندق Lotte New York Palace، الذى كان يستضيف فيه الرئيس الأمريكى ترامب حفل استقبال لرؤساء الوفود المشاركة، بلغ سعر الغرفة العادية فيه أكثر من 1000 دولار لليلة.


وهناك تحدثت مع مسئولة علاقات الضيوف (Guest Relations) عن أسعار الغرف خلال هذه الفترة. أخبرتنى بأن هناك أسعارًا خاصة للوفود الرسمية والدبلوماسيين والصحفيين، وأن سعر الغرفة العادية يصل إلى نحو 1050 دولارًا لليلة، فضلًا عن تكاليف إضافية.


ثم أضافت، وكأنها تقدم لى الخبر السار: «الواى فاى مجانى!». عندها قلت لها ضاحكة: «إذن، العرض لا يقاوم!».


وبالرغم من ذلك، قابلت وفودًا صحفية كبيرة من دول عديدة تعانى من أزمات مالية أو أزمات فى الدولار، يقيم أفرادها فى هذا الفندق، فى مشهد يعكس حرص الجميع على الحضور والتغطية فى هذا المحفل العالمى، وما يجمعه من تناقضات بين السياسة الميدانية وكواليسها الخلفية.


أما بالنسبة لى، فأمام هذا الارتفاع الكبير فى أسعار الإقامة، قررت ألا أبيت فى نيويورك. حجزت تذكرة القطار، وغادرت ليلًا فى وقت متأخر.


ولم يكن القطار رخيصًا هو الآخر، لكننى كنت أرى أن ما عايشته من مشاهد وانطباعات خلال الساعات التى قضيتها هناك يستحق.

 

ما يبقى بعد إغلاق الأبواب


بعض الرحلات تنتهى عندما نعود إلى المنزل، وبعضها يبدأ تأثيرها الحقيقى بعد العودة.


ورحلتى إلى الأمم المتحدة كانت من النوع الثانى.


فقد عدت إلى واشنطن فى منتصف الليل، لكننى لم أعد بالأفكار نفسها التى ذهبت بها. حملت معى صور الحواجز الأمنية فى شرق مانهاتن، وازدحام الوفود، وأحاديث عابرة، وتفاصيل الفنادق، ورحلة القطار، والأهم من ذلك كله، أسئلة كثيرة عن العلاقة بين الخطاب والممارسة، وبين ما يقال تحت قبة الأمم المتحدة وما يحدث خارجها.


ربما كانت هذه هى القيمة الحقيقية للرحلة بالنسبة لى: أن أرى المشهد لا من مقاعد المتابعين، وإنما من داخله، ولو لساعات قليلة.


وعندما غادرت نيويورك، لم يكن السؤال الذى ظل يرافقنى هو: ماذا قال الزعماء فى خطاباتهم؟ وإنما سؤال أبسط وأصعب فى الوقت نفسه:


ماذا يبقى من كل هذه الكلمات عندما تنتهى الجلسات، وتُغلق الأبواب، وتعود الوفود إلى بلادها؟

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved