نتنياهو يقترح أن تصبح إسرائيل «إسبرطة».. لكن فى الحقيقة ستصبح «متسادا»

من الصحافة الإسرائيلية
من الصحافة الإسرائيلية

آخر تحديث: الخميس 1 أكتوبر 2026 - 7:30 م بتوقيت القاهرة

مَن قال إن الوعود الانتخابية لا تُنفَّذ فى إسرائيل؟ لقد وعد نتنياهو فى خطابه أمام الأمم المتحدة بأن العالم كله ضدنا، وها هو يحرص على تنفيذ وعده يومًا بعد يوم. لم تعد عبارة «العالم كله ضدنا» أغنية لفرقة من تسعينيات القرن الماضى، نتمتم بها بهدوء ونحن نساوم فى بازار إسطنبول، بل أصبحت برنامجًا سياسيًا، وهذه ليست الوعود الوحيدة التى ستتحقق؛ فزعيمنا بتسلئيل سموتريتش يعدنا فى مقابلة مع موقع «واى نت» بأن ينظّم لنا فى الولاية المقبلة حربًا ضخمة فى الضفة الغربية «أرمجدون».

لقد خضنا حروبًا كثيرة، لكننى لا أذكر أن سياسيًا إسرائيليًا لوّح بحرب باعتبارها وعدًا انتخابيًا، بالعكس، فقد كان الجميع فى الماضى يعدون بالسلام، ونتنياهو أكثر من غيره.


وتركّز الحملات الانتخابية بطبيعتها على الماضى: ما فعلته الحكومة القائمة، ومواضع نجاحها وإخفاقها. وطبعًا، هذا صحيح هذه المرة، حين تكون الفجوة بين النجاح والفشل واضحة ومؤلمة إلى هذا الحد. ومع ذلك، فإننى أقترح أن نضع هذا الحساب جانبًا للحظة وننظر إلى ما يخبئه لنا المستقبل، وهذا مهم، لأن هناك عددًا غير قليل من الناخبين فى إسرائيل المستعدين لطى صفحة ما جرى هنا خلال السنوات الأربع الأخيرة، لكن من المشكوك فيه أنهم يدركون حتى النهاية ما الذى سيحدث إذا واصلت المجموعة الحالية الإمساك بزمام السلطة.


لنبدأ بالساحة الدولية؛ فقد شرعت مجموعة من دول أوروبا الغربية، وفى مقدمتها بريطانيا وفرنسا وهولندا والنرويج، فى إجراءات برلمانية وقرارات حكومية قد تنتهى إلى فرض عقوبات مؤلمة. وليس من قبيل المصادفة أن هذه التحركات لم تُستكمل، فالحكومات ترى فيها رصاصة فى بيت النار، وستبقى السلاح جاهزًا ومصوَّبًا حتى 27 أكتوبر.


وتشمل العقوبات قيد الإعداد مجالات متعددة. ربما أكون مخطئًا، لكن يبدو لى أن أكبر قدر من الضرر الممكن يكمن فى العقوبات التى تستعد بريطانيا ودول أوروبية أُخرى لفرضها على العلاقة بين إسرائيل والضفة. والتفسير الضيق للتشريع سيجعل حياة مئات الآلاف من الإسرائيليين وآلاف الشركات فى الضفة الغربية أكثر صعوبة، وربما فى القدس الشرقية وهضبة الجولان أيضًا. أمَّا التفسير الواسع، فسيسير، كما حدث فى الضغط الأمريكى على إيران، وفق مبدأ التشبيك؛ أى سيُعاقَب أيضًا مَن يتعامل تجاريًا مع مَن يتعامل تجاريًا مع الضفة، وسيُعاقَب مَن يتعامل تجاريًا مع مَن يتعامل تجاريًا مع مَن يتعامل تجاريًا معها. وقد يؤدى تفسير كهذا إلى شلّ البنوك وشركات التأمين وكل شركة تقدم خدمات إلى الإسرائيليين خارج الخط الأخضر ولها صلة بالأعمال التجارية فى العالم.


وهناك نوع آخر من العقوبات يتعلق بجوازات السفر؛ فجوازات السفر الإسرائيلية لا تتضمن عنوانًا، وفى إطار التمييز بين إسرائيل والمناطق، طُرحت فى هولندا فكرة إلزام إسرائيل بإضافة مكان الإقامة إلى جواز السفر، لكن إسرائيل سترفض ذلك بطبيعة الحال، وعندها سيُعامل كل حامل لجواز سفر إسرائيلى باعتباره مقيمًا بالضفة، وربما يعيدون فرض الحاجة إلى الحصول على تأشيرات.


كل هذا غير عادل وغير متناسب، بل حتى تخرج منه رائحة معاداة السامية، لكن هذا هو الخطر الكامن فى الزاوية؛ لقد أصبحنا موضع إجماع، لكن ليس لمصلحتنا، فصورة إسرائيل سيئة إلى هذا الحد فى الوقت الراهن، إلى درجة أنه عندما يحظى «فوضى» -المسلسل المعروض على «نتفليكس»- بنسبة مشاهدة مرتفعة، يصبح ذلك موضوعًا لتقرير كبير فى الصحافة الدولية. هناك مقاتلون إسرائيليون لا يزال العالم مستعدًا لمشاهدتهم، كيف يمكن أن يكون ذلك؟


إن الضغط من أجل مقاطعة إسرائيل يأتى من الأسفل، من الشارع، ومشكلتنا، للأسف، تكمن فى الدول الديمقراطية، أمَّا الديكتاتوريات، فما زلنا نتعامل معها بصورة جيدة فى الوقت الراهن. لقد أصبحت مقاطعة إسرائيل الموضة السائدة فى الرياضة (أيرلندا على سبيل المثال)، وفى الثقافة، وفى الأبحاث الأكاديمية، وستكون المحطة التالية فى المؤسسات الدولية التى تنتمى إليها إسرائيل: مسابقة يوروفيجن، والاتحادات الرياضية الأوروبية، وبرنامج «هورايزن»، وبرنامج البحث والتطوير التابع للاتحاد الأوروبى.


وتُظْهِرُ الرحلة الجوية التى أُلغيت فى نهاية الأسبوع الحالى إلى موريشيوس مدى هشاشة مكانتنا كمواطنين فى العالم. ويمكن لمقاطعة شركات الطيران التى تطلب التزود بالوقود، وإلغاء الرحلات المغادرة من تل أبيب، ومنع تحميل وتفريغ الأسلحة أن تنتشر كالنار فى الهشيم، ويكفى لهذا الغرض قرار من لجنة عمالية، أو نقابة مهنية لمراقبى الحركة الجوية أو عمال الأمتعة أو موظفى التفتيش، وستحذو أمريكا حذو أوروبا.


إن نتنياهو يقترح أن تصبح إسرائيل "إسبرطة"، المدينة- الدولة التى تشكل الحرب غاية حياتها، لكنه حقيقة الأمر يعرض علينا أن نصبح «متسادا»؛ حصنًا محاصرًا تكون نهايته انتحارًا بطوليًا. هل هذا ما يريده أغلبية الإسرائيليين؟ لا أعتقد ذلك.

قلةٌ فى العالم سمعت باسم جادى أيزنكوت، أمَّا اسم نتنياهو، فمعروف للجميع، فهو ليس مجرد اسم فى الأخبار، بل هو رمز وعلامة تجارية. وإذا نجح [نتنياهو] فى تشكيل الحكومة المقبلة، فلن يحتاج كارهوه فى العالم إلى أكثر من ذلك، فقبل أن يمنح سموتريتش الحرب التى يحلم بها، ويمنح بن جفير عرب إسرائيل، وجوتليب منظومة القضاء، وباردوجو الإعلام الحر، ستبدأ المقاطعات. هناك عمليات فى حياة الدول يصعب جدًا إيقافها.

 

ملاحظة:


متسادا: قلعة/حصن على جبل بعيد قرب البحر الميت، قاوم من داخله، بحسب السردية اليهودية، مجموعة من المتمردين اليهود الرومان حتى النهاية، وانتهى بهم الأمر بالانتحار الجماعى كى لا يقعوا أسرى فى أيدى الرومان.

ناحوم برنياع
يديعوت أحرونوت
مؤسسة الدراسات الفلسطينية

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved