الإجراءات الجنائية بعد التأجيل.. ثلاثة اعترافات وأربعة واجبات
محمد بصل
آخر تحديث:
الخميس 1 أكتوبر 2026 - 9:03 م
بتوقيت القاهرة
بعيدًا عن الارتباك الذى أحاط بإرجاء تطبيق قانون الإجراءات الجنائية إلى أول أكتوبر 2027، من حقنا أن نسأل: هل يحمل هذا الإرجاء بصيص أمل لتحقيق توافق واسع حول القانون خلال هذا العام؟ وأن نطالب بإعادة النظر فى فلسفته الرئيسية وعدد من مواده بالتوازى مع تطوير بنية الاتصالات والإنترنت والتوقيع الإلكترونى والجاهزية التكنولوجية والفنية المطلوبة لتفعيل مراكز الإعلانات الهاتفية والإلكترونية ومنظومة التقاضى عن بُعد والمحكمة الرقمية والبدائل التقنية للحبس الاحتياطى وغيرها من المستجدات.
السؤال حق والمطالبة ضرورية لأن إرجاء تطبيق القانون عامًا إضافيًا ينطوى فى الواقع على ثلاثة اعترافات.
الأول أن التقييم الفنى لسرعة استيفاء المتطلبات التكنولوجية فى المحاكم كان مُبالغًا فى تقديره، أو بالأحرى لا يراعى الواقع العملى، وغير جاهز للتجربة العملية.
الثانى أن وضع الإطار التنظيمى والفنى المطلوب لتطبيق هذه المتطلبات قد تأخر بصورة ملحوظة. وأعتقد أن أسباب هذا التأخير تتعلق بالإمكانيات الفنية واللوجستية، مما يجعلها أسبابًا منطقية ومعقولة، ولكن القرارات بشكل عام كان يجب أن تصدر قبل فترة مناسبة من موعد تطبيق القانون، حتى تخضع للتجربة أولًا للتعرف على المعوقات التى قد تطرأ فى التطبيق الفعلى.
والاعتراف الثالث وهو الأهم أنه لم يكن هناك حاجة ملحّة للإسراع فى إصدار القانون، خاصة بعد اعتراضات رئيس الجمهورية على بعض مواده فى أكتوبر 2025، وكان من الأفضل وقتها اعتبار هذا الاعتراض مؤشرًا على غياب التوافق المنشود، وتوسيع إعادة الدراسة لتشمل موضوعات أخرى، سواء كانت متصلة باعتراضات الرئيس أو غيرها.
فالدستور لم يضع قيدًا على البرلمان عند إعادة نظر المشروع، وكذلك المادتان 177 و178 من اللائحة الداخلية لمجلس النواب التى تنص صراحة على أن «يحيل المجلس الاعتراض والبيانات المتعلقة به فى ذات الجلسة إلى اللجنة العامة لدراسة المشروع المعترض عليه والمبادئ والنصوص محل الاعتراض وأسبابه الدستورية أو التشريعية بحسب الأحوال» وأنه إذا قبل المجلس اعتراض الرئيس فتشكل «لجنة خاصة لإعادة دراسة المشروع وتعديل نصوصه، طبقًا لما قرره من مبادئ عند مناقشة تقرير اللجنة العامة عن الاعتراض».
وقد طالبت وقتها بذلك باعتبار أن اللجنة العامة بمجلس النواب تملك توسيع إعادة الدراسة لتشمل موضوعات أخرى، سواء كانت ذات صلة باعتراضات الرئيس أو غير ذلك، وأن لمجلس النواب وحده سلطة وضع حدود التعديل ومساراته بناء على تقرير اللجنة العامة، لكن ما حدث هو أن مراجعة اعتراضات الرئيس تمت على عجل وفى أضيق الحدود.
وهناك رأى آخر مُقدّر يتجه إلى أن التوسع مسألة إشكالية لم يحسمها الدستور، غير أن السوابق البرلمانية تميل لإمكانية التوسع ومنها ما حدث فى قانون التجارب السريرية عام 2018 عندما وجدت اللجنة الخاصة نفسها مضطرة لتعديل مواد أخرى سواء كانت مرتبطة بالمواد المعترض عليها بصورة لا تقبل الفصل أو التجزئة، أو كانت ذات تأثير محتمل عليها.
وعلى ضوء تلك الاعترافات الضمنية تترتب واجبات ينبغى الإسراع فى تطبيقها، من قبَل مجلس النواب والجهات الحكومية المعنية لإنجاح قانون الإجراءات الجنائية عند تطبيقه سواء فى أول أكتوبر 2027 أو بعد ذلك.
فى الأيام الأخيرة تشرفت بتلقى رسائل عدد من خيرة القضاة والأكاديميين والمحامين فى مصر، الحالمين بتصحيح المسار، على نحو يجعل القانون معبّرًا عن احترام الكرامة الإنسانية والحرية الشخصية ويعكس الإرث التاريخى للمحاكم المصرية، ويتغلب على الثغرات التى بدأت صغيرة وأصبحت فجوات هائلة فى ظل العمل بقانون الإجراءات الجنائية السابق (الذى مازال ساريًا) رقم 150 لسنة 1950.
والواجب الأول هو توسيع الحوار المجتمعى والفنى المتخصص من خلال مؤتمر شامل وجامع لأطراف العدالة، يطرح بجرأة وموضوعية جميع شواغل القضاة والمحامين، ويدرس بعمق الرؤى المتناثرة فى مواقع التواصل الاجتماعى ووسائل الإعلام، لعل فيها ما يساعد فى تطوير القانون الحالى.
الواجب الثانى هو الانفتاح نحو إعادة النظر فى فلسفة القانون - التى لم تتغير أساسًا - وتحديدًا فى جمع النيابة العامة بين سلطتى التحقيق والاتهام، والنظر بجدية إلى مقترحات تفعيل نظام قاضى التحقيق.
أما ثالث الواجبات فهو تدشين آلية رقمية (منصة تفاعلية) تتيح التقدم بالمقترحات وتضمن اطلاع عموم المواطنين، وبالأخص القوى السياسية وأصحاب المصلحة والباحثين المتخصصين، على التطورات المتتابعة على هذا القانون، ليصبح قانون الإجراءات الجنائية (المقترن دائمًا بوصف الدستور الثانى للوطن) تجربة أولى حقيقية لشفافية صناعة التشريعات.
والواجب الرابع والأخير - حتى الآن - هو فتح نقاش آخر - بالتوازى - حول إشكاليات استخدام التكنولوجيا فى شئون العدالة والإجراءات القضائية والإدارية، بما يحقق أسرع الطرق وأكثرها أمانًا وموثوقية، ويحافظ فى الوقت ذاته على الضمانات الأساسية المقررة للمتهمين والدفاع وجميع أطراف المنظومة وبالأخص العلانية والشفافية والمناظرة والمواجهة.