تكاليف تحسين الصورة فى الولايات المتحدة

محمد المنشاوي
محمد المنشاوي

آخر تحديث: الجمعة 1 نوفمبر 2013 - 8:50 ص بتوقيت القاهرة

عقب نشر عدة جهات صحفية تقارير توثق لتعاقد بين الحكومة المصرية وشركة اللوبى الأمريكية جلوفر بارك جروب، أصدرت وزارة الخارجية بيانا مكتوبا يوم الأحد الماضى عن هذا التعاقد. وقبل الخوض فى تحليل بيان الخارجية المصرية تجدر الإشارة إلى أن صورة التعاقد الموجود على موقع وزارة العدل الامريكية والذى جاء فى 22 بندا ينص على أن قيمة العقد تبلغ 250 ألف دولار شهريا تدفعها الحكومة المصرية مقابل خدمات الشركة، وهو ما يزيد على ثمانية آلاف دولار يوميا (ما يقترب من 56 ألف جنيه مصرى).

ووفقا للعقد الذى وقعه السفير المصرى لدى واشنطن السيد محمد توفيق يوم 15 أكتوبر، فإن الشركة تلتزم بأن «تقدم لمصر استشارات فى الاتصالات والدبلوماسية العامة، تشمل الاتصالات المرتبطة بتنفيذ الحكومة لخريطة الطريق، من أجل بناء مؤسسات ديمقراطية شاملة، من خلال الانتخابات البرلمانية والرئاسية». كما تقوم الشركة بعدة أنشطة علاقات عامة، وتخطيط استراتيجى، وتواصل مع الإعلام الأمريكى، وفتح قنوات اتصال بين أعضاء السفارة المصرية وأعضاء الكونجرس والعاملين فى الإدارة الأمريكية والوزارات المختلفة.

•••

بيان وزارة الخارجية المكون من أربع نقاط جاء شديد الاختصار، وهو ما يزيد الغموض حول هذه المسألة. فالنقطة الأولى فى البيان تحمل صيغة خبرية فى طبيعتها إذ أقرت بتعاقد الحكومة المصرية مع الشركة المذكورة. ومع الإقرار بأهمية إصدار بيان من الخارجية بهذا الخصوص، إلا أن البيان صدر متأخرا بعدما خرجت تقارير صحفية تؤكد حدوث التعاقد. ويضاعف اللوم على وزارة الخارجية كون الوزير الحالى وعدد من كبار مساعديه خدموا فى واشنطن لسنوات طويلة ويعرفون أن وزارة العدل الأمريكية تشترط تسجيل ونشر هذه العقود. لذا كان واجبا على الخارجية المصرية أن تبادر بالإعلان عن هذا التعاقد قبل أن ينشر الاعلام تفاصيل هذه التعاقد وتضطر الوزارة لإصدار هذا البيان.

ذكرت النقطة الثانية أن التعاقد مع شركات العلاقات العامة نهج متعارف عليه بين دول العالم. إلا أن البيان تناسى أن الغالبية العظمى من الدول التى تستعين بشركات اللوبى فى واشنطن تمثل نوعين. الأول هو الدول سيئة السمعة والتى تنتهك حقوق الانسان وتقيد الحريات منها دول عربية ودول أفريقية أو جمهوريات وسط آسيا. وتستعين هذه الدول باللوبيات لتبرير سياسات استبدادية أو غياب ممارسات ديمقراطية. ويكون الشأن السياسى الداخلى فى هذه الدول هو محور أنشطة شركات اللوبى فى تعاملها وتواصلها مع المسئولين والإعلام الأمريكى. والنوع الثانى يمثل دولا لها مصالح اقتصادية مباشرة فى الولايات المتحدة مثل كندا وبريطانيا وغيرها من الدول الديمقراطية التى تستعين بشركات اللوبى خدمة لهدف غير سياسى مثل خدمة تجارة الاخشاب بين الولايات المتحدة وكندا أو هدف جذب استثمارات أمريكية لبريطانيا أو تشجيع قدوم السياح الأمريكيين للدنمارك.

النقطة الثالثة فى البيان الصحفى أكدت تعاقد جماعة الإخوان المسلمين مع شركات أمريكية مماثلة قبل وخلال تولى الرئيس السابق محمد مرسى الحكم، وفى تلك الحالة لم يكن التعاقد يتم باسم الحكومة المصرية. كما أكد البيان استمرار التعاقد بعد عزل الرئيس السابق. وهذا الادعاء بدون ذكر أسماء هذه الشركات يحتمل بديلين. إما أن وزارة الخارجية تختلق هذه المعلومة لأسباب تخصها، أو أن الوزارة لديها معلومات حصرية ولا تريد أن تبيح بها. شخصيا أكتب عن موضوع شركات اللوبى وعلاقاتها بالحكومة والجهات المصرية منذ أكثر من ست سنوات، ولا أعرف أن لجماعة الإخوان المسلمين علاقات بشركات علاقات عامة أو لوبى تخدمها فى واشنطن. بيانات وزارة العدل الامريكية التى فحصتها لا تتضمن أى إشارة لمثل هذا التعاقد. لذا يجب على وزارة الخارجية أن تذكر أسماء هذه الشركات، إن كانت لديها، لتعريف دوائر واشنطن بهذه المعلومة من ناحية، ولمساعدة أى صحفى أو باحث يهتم بدراسة علاقات جماعة الإخوان مع دوائر واشنطن من ناحية أخرى.

النقطة الرابعة والأخيرة فى البيان ذكرت نصا أن «هذا التعاقد لا يكلف الحكومة أية أعباء مالية». إلا أن صورة العقد تناقض هذا القول. نص العقد فى المادة التاسعة منه على «أن الدفعة الأولى من الأتعاب سيتم دفعها من قبل وحدة عمليات مساعدات التنمية التابع لوزارة التعاون الدولي». ويحمل هذا التناقض بين البيان وصيغة العقد احتمالين، الأول أن وزارة الخارجية تعنى أن هناك جهة ما ستدفع نيابة عن الحكومة المصرية هذه التكاليف، وهو ما يعد بمثابة فضيحة على أقل تقدير. والاحتمال الثانى هو أن الدفع سيتم عن طريق استخدام أموال منح أجنبية مخصصة للقيام بمشاريع تنمية داخل مصر من أجل دفع تكلفة شركة اللوبى وهكذا لا تتكلف الحكومة المصرية شيئا من الناحية النظرية، إلا أنها فى الواقع تهدر أموالا قد تكون مخصصة لمشروعات تنمية مثل بناء مدرسة أو مستشفى.

•••

كتبت فى السابق ممتدحا وزارة الخارجية، واليوم أكتب منتقدا من منطلق توقعات متزايدة فى أداء أكثر سرعة وأكثر حرفية، والأهم أن يحترم عقول المصريين. لا شك هناك عصبية زائدة وارتباك فى رد الحكومة المصرية المؤقتة على قرار إدارة أوباما بوقف مساعدات عسكرية لمصر. ويظهر هذه واضحا من الانزعاج الكبير من طريقة تغطية الإعلام الأمريكى لما تشهده مصر منذ الثالث من يوليو الماضى، ويؤكد تاريخ التعاقد الجديد اللاحق لصدر قرار الإدارة الأمريكية هذا الانزعاج. إلا أنه من غير المقبول أن يكون الانزعاج مبررا لسوء الاداء.

وقد يكون من المفيد نشر نص قانون أمريكى معروف باسم «تسجيل الوكلاء الأجانب» رقم 22-611 والصادر عام 1938 والذى ينص على ضرورة تسجيل العقد المالى، وتسجيل وتوثيق كل الأنشطة التى يقوم بها الوكيل الأمريكى ذات طبيعة سياسية أو شبه سياسية مع وزارة العدل الأمريكية. وتصبح هذه البيانات متاحة لأى شخص يريد الاطلاع عليها بعد ذلك.

وبعد أشهر من الآن ستنشر وزارة العدل الأمريكية تفاصيل الأنشطة والخدمات التى ستقوم بها الشركة الأمريكية خدمة للحكومة المصرية بما فيها من مراسلات إلكترونية ومكالمات هاتفية ومقابلات وتسهيل مقابلات لمسئولين مصريين ونشر بيانات صحفية وحملات دعائية وغيرها.. فهل تبادر وزارة الخارجية وتمتلك شجاعة نشر هذه التفاصيل شهريا، وذلك قبل حصول الإعلام عليها من وزارة العدل الامريكية.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2020 ShoroukNews. All rights reserved