مؤتمر صحفى بحضور عمر بن أبى ربيعة

سمير عمر
سمير عمر

آخر تحديث: الأحد 1 نوفمبر 2026 - 6:45 م بتوقيت القاهرة

كنا فى إحدى الدول الأوروبية ننتظر مؤتمرًا صحفيًا يعقده رئيسها، وطال انتظارنا لانشغال الرئيس بعقد لقاءات ثنائية مع ضيوفه من قادة الدول المشاركة فى الاجتماع الذى دعا إليه، وفى ساعات الانتظار تلك يكون الصحفيون مشغولين بمتابعة الأخبار والبحث عما يدور خلف الكواليس، لكنهم أيضًا، وبخاصة عندما لا تحمل ساعات الانتظار أى تطورات تستحق المتابعة، يستثمرون وقتهم فى النقاش والدردشة فى أمور شتى ليس من بينها القضايا التى جاءوا من أجلها لحضور المؤتمر الصحفى، وهذا ما حدث تمامًا فى هذه المرة.

كان الصحفيون العرب يمثلون الأقلية فى هذا اللقاء، وبينما كنت أتحدث مع أحد الزملاء الصحفيين العرب، اقترب منا زميل من أصل عربي، لكنه يحمل جنسية دولة أوروبية، صافح زميلى الذى كان يعرفه، ثم صافحنى فبادرت بالتعريف بنفسى.
فكان رده: «طبعًا أنا أعرفك»، وأضاف مازحًا: «وهل يخفى العُمر!».أعجبتنى المزحة، فقلت له: «شكرًا جزيلاً على هذا الإطراء، لكن هل تعرف من صاحب هذا البيت الذى بات مثلاً يُضرب؟ أعنى: وهل يخفى القمر؟».
فقال: «فى الواقع لا أعرفه، فأنا رغم جذورى العربية وحرصى على التحدث بالعربية لا أحفظ كثيرًا من الشعر العربى».فقلت له: «حسنًا تعجبنى صراحتك، الشاعر هو عمر بن أبى ربيعة، صاحب أشهر قصائد الغزل فى تاريخ الشعر العربى».
أما قصة البيت الذى ذكرته فقد رواها أبو الفرج الأصفهانى فى كتاب «الأغانى» شارحًا قصيدة عمر بن أبى ربيعة، وهى ببساطة: أن ثلاث فتيات كن يتمنين أن يأتيهن عمر بن أبى ربيعة سرًا، وبينما هن يتحدثن بذلك ظهر عمر وهو فوق حصانه واسمه «الأغر»، فقالت الكبرى: أتعرفن الفتى؟
فقالت الوسطى: نعم، هو عمر.
وأضافت الصغرى، وقد هامت به حبًا: وهل يخفى القمر؟
وقد صاغ عمر بن أبى ربيعة المشهد شعرًا فقال: «قلن، يسترضينها مُنيتنا لو أتانا اليوم فى سرِ عمر بينما يذكرنني أبصرننى دون قيد الميل يعدو بى «الأغر» قالت الكبرى: أتعرفن الفتى؟ قالت الوسطى: نعم، هذا عمر قالت الصغرى، وقد تيمتها قد عرفناه.. وهل يخفى القمر؟»
أى تيه وإعجاب بالذات هذا الذى يدفعه لهذا القول؟
ولكن لا عجب، فقد كان شابًا وسيمًا وثريًا ورفيع الشأن وعريق الأصل.
فهو عمر بن أبى ربيعة، فتى قريش المدلل وشاعرها المنذور للحب والغزل، يطوف بشعره بين بنات العرب فيهمْنَ به وتتمنى كل واحدة منهن أن ينظر إليها «عمر» فيكتب لها الخلود فى مفردات شعره الناعم وديباجته السلسة الرقيقة.
وُلد عمر بن أبى ربيعة ومات فى الحجاز، ولكونه وحيد أمه كان مدللاً تجرى أسباب الثراء تحت رجليه فيخضر منها المداد لينتج شعرًا غير مسبوق بوصف قصصى شيق.
لكن اللافت فى قصة حياة شاعر الحب عمر بن أبى ربيعة أنه حين أتم الأربعين من عمره تبدلت حاله وهدأت نفسه الأمارة بالحب، وهجر أشعار الغزل.
وشخصية عمر بن أبى ربيعة فى شبابه، يمكن أن نجدها فى كل العصور وفى مختلف الثقافات، فقد تحدث عنها الإمام ابن حزم فى كتابه الشيق «طوق الحمامة» قائلًا: «وأهل هذا الطبع أسرع الخلق محبة وأقلهم صبرًا على المحبوب وانقلابهم على الود على قدر تسرعهم إليه».
كما أفرد لها الشاعر الفرنسى «موليير» مسرحية من أجمل مسرحياته، وهى مسرحية «دون جوان»، الذى أصبح وصفًا واسمًا لكل من يحمل تلك الصفة، وقد كتب موليير على لسان دون جوان وهو يصف حالته: «ماذا؟ تريد أن نتقيد بأول حب وننقطع إليه رافضين من أجله العالم، ولا نعود ننظر إلى أى إنسان آخر بسببه؟ جميل منا أن نتباهى بهذا الشرف المزيف إلى الأبد، شرف أن نكون أوفياء فندفن أنفسنا إلى الأبد فى حب واحد».
وفى مسرحية «دون جوان» مشاهد تشبه سلوك عمر بن أبى ربيعة الذى كان يغازل أكثر من فتاة فى وقت واحد.
وكما أن شخصية عمر بن أبى ربيعة أو الدون جوان حاضرة فى مختلف العصور والثقافات، فهى كذلك ليست قاصرة على الرجال، فهناك نساء كعمر بن أبى ربيعة وهن فى سلوكهن يتطابقن مع سلوك الدون جوان.
وعنهن كتب الجاحظ فى «رسائل القيان»: «لا تكاد تخالص فى عشقها ولا تناصح فى ودها لأنها مكتسبة ومجبولة على نصب الحبال والشرَك للمتربطين ليقعوا فى أنشوطتها ، فإذا شاهدها المشاهد رامته باللحظ وداعبته بالتبسم».
ويواصل الجاحظ وصفه لتلك النوعية من النساء الدونجوانات: «وربما اجتمع عندها من مربوطيها ثلاثة أو أربعة على أنهم يتحامون الاجتماع ويتغايرون عند الالتقاء، فتبكى لواحد بعين وتضحك لآخر بالأخرى وتغمز هذا بذاك».
وبين الدون جوان والدونجوانة قصص تروى ربما تأتى الفرصة لنحكيها، لكن الآن علينا أن نسرع إلى مقاعدنا فقد أعلن منظمو المؤتمر أن الرئيس سيدخل بعد دقائق.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved