الباقى من الزمن حقبات ثلاث

تمارا الرفاعي
تمارا الرفاعي

آخر تحديث: الأربعاء 1 ديسمبر 2021 - 9:00 م بتوقيت القاهرة

لم أكن أعرف أن «تحقيب» هى كلمة حتى بحثت عن مفردة تصف عملية تقطيع الزمن إلى مراحل لدراستها أو لدراسة أحداث أعطت للمرحلة بداية ونهاية وعرفت عنها كوقت مستقطع فى التاريخ. أعترف أننى لم أربط بين كلمة «حقبة» وبين عملية تحديد فاصل من الزمن حتى وجدت نفسى أطبقه فى عقلى وأنا أخطط للمستقبل.
•••
بدأت بتحديد منعطفات وأحداث سوف أقرر على أساسها أن مرحلة زمنية تخصنى انتهت ومرحلة جديدة بدأت.. وأننى سوف أكون موجودة وشاهدة على عملية الانتقال. أذكر أستاذ مادة الفلسفة فى المدرسة الثانوية حين طلب منا، أى الطلاب، أن نعرف له مفهوم الزمن والوقت والعلاقة والفرق بينها. طلب منا التفكير بالبعد الزمنى وبإمكانية إما أن نسقط أنفسنا فى المستقبل أو أن نفكر بمستقبل لا يشملنا. وقتها كان تمرينا عجيبا إذ وجدت صعوبة كبيرة فى تخيل المستقبل، خصوصا القريب منه دون أن أتخيل نفسى ومن أعرفهم فيه. كان مطلوبا منى أن أحاول التفكير بخط الحياة وهو يستمر كما أعرفه مع خروجى عنه ومراقبته دون التدخل فى مجراه.
•••
عدت كثيرا إلى درس الفلسفة هذا فيما بعد، خصوصا فى لحظات صعبة كنت أحاول فيها أن أجد حلولا لمصاعب تعترضنى وتعرض مسارا كنت أظن أننى حددته بإحكام للتردد والذبذبة. كنت أعود إلى درس الفلسفة حتى أكاد أشم رائحة المازوت المنبعث من المدفأة فى يوم بارد فى فصل الشتاء فى مدرستى الثانوية فى دمشق. كنت أنظر من الشباك يومها وأنا أحاول أن أتخيل خط الزمن الذى لا يشملنى. كان الأستاذ يحثنا على التفكير خارج الزمان وخارج المكان وأنا أنظر من الشباك إلى سماء كانت يومها ملبدة وأتساءل كيف أخرج عن الزمان والمكان وأنا هنا ألتصق بالمدفأة وأشم المازوت وأسمع أصوات زملائى فى الفصل وبائع المازوت فى الشارع ينقر بعصاه على خزان سيارته ليجذب الزبائن من سكان الحى؟
•••
أضع نفسى خارج الزمان وأراقب غيرى داخله فألاحظ كيف لكل فرد من أفراد عائلتى ركن يتجه إليه عند الاستيقاظ، وكوب يستعمله دونا عن غيره. ألاحظ أن الوالدين الكبيرين يدخلان فى المراهقة فيغلقان باب غرفتهما معظم الوقت. ألاحظ أن فى غيابى عن المشهد يخف التوتر إذ لا أمشى بين من فى البيت أعطيهم ملاحظات لا تنتهى. فى غيابى عن المشهد تسترخى المخدات فوق الأسرة فأنا لم أهزها لأعيدها إلى شكلها الأساسى، أو ذلك الذى قررت أنه شكلها. فى غيابى عن المشهد يأخذ أولادى وقتهم فى الفطور وفى تجهيز أنفسهم وفى الخروج من البيت وأكتشف بذهول أنهم غير متأخرين عن المدرسة. يختار زوجى ما يلبسه دون تدخل منى وأرى بذهول أيضا أن ألوانه متناسقة. ها أنا خارج زمانهم إنما أمورهم سلسة. أنا خارج زمانهم أرى ابنتى تتفتح كالزهرة أمام حياة تلونها بحضورها المرح. أراقب تعابير وجهها فى محاولة منى أن أرى نفسى فيها فأجدنى! يا إلهى أنا خارج زمانهم لكنى معهم.
•••
هم الآن فى حفلة موسيقية حضرت معهم مثلها منذ سنتين لذا فأنا أتعرف على المكان وعلى وجوه الحضور، معظمهم تغير قليلا فى سنتين. فى العودة إلى مكان مألوف الكثير من الأمان والحنان، ما زالت هذه القاعة مزينة باللونين الأحمر والذهبى مع اقتراب السنة من طى صفحتها الأخيرة. أحب زينة آخر السنة حتى إننى متصالحة مع جانبها الصاخب والتجارى. أحب فرح الأطفال حين يرون أضواء احتفالية ملونة كل سنة وكأنهم يرونها للمرة الأولى. أحب العودة إلى هذا المكان ورؤيته كما كان فهو لم يتغير. سهم الزمن يمشى ببطء على الأثاث فتبهت الألوان قليلا ربما أو تخرج بعض الخيوط من أماكنها على المقاعد دون أن يفقد المكان ألفته.
•••
أضع نفسى خارج الزمان والمكان وأنظر إلى حياتى وإلى من أحب يتحركون فى المكان الذى خرجت منه. أريد أن أعيد تحديد مكانى بينهم لأكون أكثر حضورا وأكثر إصغاء وأكثر مرحا وأقل تنظيرا وأقل توزيعا للأوامر. أريد أن أنحت لنفسى مساحة مرنة أعود إليها بينهم تكون أكثر انسيابا وأقل حدة. رأيت أنهم بأمان دون تدخلى الدائم، قد تكون خياراتهم مختلفة عما أفرضه عليهم وهل يهم ذلك أو يغير من حياتهم؟
•••
فى الحقبة القادمة، والتى أخطط أن تكون قصيرة، سوف أخفف من تدخلى فى حياة من حولى وسوف أسحب نفسى خارج حدودهم لأحبهم كما هم وأفرح للتغييرات التى يمرون بها جميعا، كبارا وصغارا. ستكون هذه حقبة أسميها التقبل دون شروط. ستلى هذه الحقبة فترة أطول قليلا أتقبل بها أننى لن أغير الكون ولن أغير من حولى حتى القريبين. سأسمى هذه الحقبة حقبة التواضع وسأرغم نفسى على تقبل حدودى وحدود قدراتى، لست جبارة وعلى التكيف مع ذلك. أما بعد، وإن تخطيت هاتين الحقبتين بنجاح، فأظن أننى سأدخل فى حقبة الرضا، وآمل أن تكون الأطول فأتمكن من البقاء فى مكان وزمان من أحب وأنا بعيدة تماما عن محاولتى تغيير ما حولى. حين أصل إلى هذه الحقبة فسوف أعد نفسى أن أتوقف عن الـ «تحقيب» لأننى سأبقى فى حقبة الرضا.
كاتبة سورية

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved