الشرق الأوسط: استكشاف حدود البراجماتية

العالم يفكر
العالم يفكر

آخر تحديث: الأربعاء 1 ديسمبر 2021 - 9:00 م بتوقيت القاهرة

نشر المعهد الدولى للدراسات الاستراتيجية IISS مقالا للكاتب جون رين، تحدث فيه عن ظهور رؤية سياسية براجماتية جديدة فى الشرق الأوسط تمثلت فى التواصل من جانب الجهات الفاعلة الأكثر نفوذا فى المنطقة، حاول كاتب المقال فحص ما يمكن أن يعنيه ذلك للأمن الإقليمى... نعرض منه ما يلى:
على الرغم من خروج الشرق الأوسط من مستنقع كوفيدــ19، وعودة أجزاء منه إلى النمو الاقتصادى وتجدد الاهتمام من قبل المستثمرين الأجانب وتراجع التوترات الإقليمية، إضافة إلى التفاؤل الذى أوجدته البراجماتية الجديدة (التواصل من جانب الجهات الفاعلة الأكثر نفوذا فى المنطقة)، إلا أن استمرار المشكلات المزمنة فى المنطقة يثير شبح ظهور شرق أوسط ذى سرعتين. ويتمثل التحدى فى ضمان انتشار هذه البراجماتية إلى تلك البلدان المعرضة لخطر التخلف عن الركب.
بداية، شهد العام الماضى موجة من النشاط الدبلوماسى فى المنطقة بهدف تهدئة الخصومات السياسية وتعزيز النمو الاقتصادى. لقد عملت الإمارات العربية المتحدة صراحة على مواءمة سياستها الخارجية مع مصالحها الاقتصادية، وتواصلت مع تركيا ــ المنافسة الإقليمية. استضاف الرئيس السورى بشار الأسد وزير الخارجية الإماراتى عبدالله بن زايد فى دمشق، فى أحدث وأبرز خطوة تهدئة. فى غضون ذلك، تسعى المملكة العربية السعودية بقوة إلى تحقيق أجندتها التحويلية من خلال الشراكات الاقتصادية ومغازلة المستثمرين الأجانب. فى بلاد الشام، قاد الأردن تقاربا مؤقتا مع نظام الأسد الذى يخضع لعقوبات شديدة. وبينما لا يوجد تقدم مادى فى الملف الإيرانى السعودى، تواصل الجانبان فى بغداد وتجنبا التصعيد حتى الآن. فى غضون ذلك، تواصلت مصر مع تركيا بشأن ليبيا وشرق البحر الأبيض المتوسط.
هناك عدة عوامل تكمن وراء هذا التحول. هناك بالطبع اعتبارات أمنية صارمة ضد التهديدات التقليدية للإمارات وإسرائيل والمتمثلة فى (إيران)، ولكن هناك أيضا دوافع اقتصادية. حيث تتعرض الحكومات لضغوط لتحقيق التعافى من كوفيدــ19، مما يفرض إعطاء الأولوية للاقتصاد.
باختصار، الشراكات الاقتصادية والأمنية والسياسية التى لم يكن من الممكن تصورها فى السابق هى الآن ضمن عالم الممكن. هناك فرصة لإعادة تصور محاذاة وحدود المنطقة، بعيدا عن القيود التقليدية.

ثورات الربيع العربى... كيف تنتهى أو تُنسى؟
اتسمت الفترة الأخيرة من الصراع الإقليمى الذى بدأ فى عام 2011 فى شمال إفريقيا برؤى متنافسة للنظام السياسى. كما أنها اجتذبت أطرافا خارجية كروسيا وكذلك الولايات المتحدة وحلفائها وأثارت تحركات خارج الأراضى من دول إقليمية وأبرزها إيران. لم يتم التوصل إلى حل رسمى لأى من نزاعات العقد الماضى، باستثناء ليبيا.
لقد لعب الإرهاق دورا، ولكن لعب الوباء والتحولات فى الاقتصاد العالمى، وتراجع واشنطن عن المنطقة تحت حكم كل من ترامب وبايدن دورهم أيضا.
وفى حين أن التركيز الجديد على النمو الاقتصادى والنهج البراجماتى للتوترات الجيوسياسية أمر مرحب به، لا يزال هناك طريق طويل لنقطعه قبل أن تصبح المنطقة منطقة ازدهار مشترك. ففى حين ستتدفق الفوائد على دول الخليج الأكثر ثراء بالفعل، فإن هذا سيخاطر بتعميق الانقسام بين تلك البلدان وبين تلك العالقة فى الماضى المؤلم. بعبارة أخرى، إن المعاناة فى سوريا واليمن لم تنته بعد، لكنها معرضة لخطر التغاضى عنها حيث تتطلع نظرات القوى الإقليمية إلى آفاق أوسع.
التضامن القائم على الهوية العربية أو الإسلامية حلت محله التحالفات القائمة على المصالح المشتركة. من اللافت للنظر، على سبيل المثال، أن الإمارات العربية المتحدة أبرمت معاهدات مع إسرائيل والهند فى وقت كانت فيه الدولتان معاديتين لسكانهما الأصليين (العرب ومن يدين بالإسلام). كما واصلت العديد من الدول العربية تطوير علاقات تجارية ودفاعية وثيقة مع الصين على الرغم من معاملتها للأويجور المسلمين.
قوة القضية الفلسطينية تراجعت، على وجه الخصوص، فى تشكيل المنطقة. وكانت الجولة الأخيرة من القتال فى غزة بين حماس وإسرائيل معركة بلا نتيجة باستثناء الخسائر. صحيح أن الدول العربية نشطت فى التوسط فى وقف الأعمال العدائية وعبر الكثيرون عن حزنهم على ضحايا الصراع. كما قدمت كل من قطر ومصر مساعدات إنسانية. لكن الصراع لم يؤد إلى أى مبادرة دبلوماسية متجددة ولا إلى زيادة الدعم لحركة حماس والشعب الفلسطينى. أما لبنان، فلم تجتذب الأزمات السياسية والاقتصادية جهات فاعلة أخرى حتى الآن. وأخيرا، حُرم الصراع فى اليمن من احتلال أولويات الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية.

رؤى لنظام جديد: للاقتصاد أم للأمن؟
إن الرؤى التى تهيمن على المنطقة الآن رؤى اقتصادية وليست سياسية. الكثير من التاريخ الحديث للشرق الأوسط لا يحتوى على جاذبية واسعة للهوية العربية أو الإسلامية. هذا مخصص للأحزاب الإسلامية فقط. حتى بين الإسلاميين، عانت رؤية النظام الإقليمى القائم على الإسلام السياسى من الأداء الضعيف للأحزاب الإسلامية فى السلطة. هى لم تختف، ولكن فى الوقت الحالى، الرؤى التى لها قوة دفع موجهة نحو تقديم شكل جديد من الاقتصاد بدلا من المجتمع.
لذلك، ليس من المستغرب أن تظهر منافسات اقتصادية جديدة. ستكون المنافسة الإقليمية على الأعمال التجارية والمواهب والاستثمار شديدة، حيث تحاول الدول تحقيق أهداف اقتصادية تحولية. هناك دلائل واضحة على أن الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية تجدان نفسيهما تدخلان فى ديناميكية أكثر تنافسا. وأصبحت أوجه التكامل التقليدية بين الدولتين هى الآن مصادر للمنافسة حيث تسعى المملكة العربية السعودية إلى تحقيق اقتصاد متكامل ومتنوع، وتسعى إلى رفع مستوى ما تراه على أنه اختلالات تجارية نظامية.
لكن على المدى الطويل، من المرجح أن تدفع هذه المنافسات النمو الاقتصادى أكثر من إتلافه. وستكون جزءا من إعادة تشكيل أوسع للاقتصاد الإقليمى، وكذلك توسيع مجال نفوذها ليشمل شركاء اقتصاديين وأمنيين فى شرق البحر الأبيض المتوسط، مثل اليونان وإسرائيل، وآسيا، مثل باكستان والهند والصين. وبينما سيقدم هذا التوسع متغيرات جديدة فى الاقتصاد، فمن الواضح أن المستفيدين المباشرين سيكونون اقتصادات الخليج القوية. لكن سيكون الأمر أكثر صعوبة على بلاد الشام وشمال إفريقيا، حيث تبدو هذه البلاد عازمة على تحمل الديناميكيات التقليدية للشرق الأوسط، وإدارة المشكلات المحلية الملحة والأجندات المألوفة للفقر والتطرف والإرهاب، والأكثر إلحاحا سوء الإدارة.
لكن هذه الرؤية الجديدة التى يقودها الاقتصاد تفتقد إلى استراتيجية لتسخير «عاصمة» المنطقة، فضلا عن قوتها الابتكارية المتنامية وانتشار نفوذها، لمواجهة التحدى المزدوج المتمثل فى حل النزاعات والتنمية الإقليمية. وستتطلب مثل هذه الاستراتيجية من الاقتصادات الرئيسية فى المنطقة الالتزام باحتواء منافساتها وتعزيز حل النزاعات والتنمية فى البلدان الأكثر تضررا بالصراعات. وهذا بدوره سيتطلب نهجا شاملا يشمل كلا من أولئك الذين يعانون بشكل مباشر من عدم الاستقرار وبشكل غير مباشر، وعلى الأخص الأردن ولبنان.
قصارى القول، مثل هذه المبادرة تشير إلى الحاجة إلى الهياكل الإقليمية للاستثمار والبنية التحتية، فضلا عن المهارات، لنشر الفوائد وبناء المرونة ضد الصدمات المستقبلية، التى تتراوح من الصحة العامة إلى أسعار النفط. وفى ضوء البراجماتية الجديدة والمشهد الجيوسياسى سريع التطور فى المنطقة، قد تمتد هذه المبادرة أيضا لتشمل النظر فى النهج الذى ينبغى وما يمكن أن يتخذه الشرق الأوسط الآن تجاه الأمن الجماعى.

إعداد: ياسمين عبداللطيف زرد
النص الأصلى: هنا

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2022 ShoroukNews. All rights reserved