استعادة حديقة الحيوان

نبيل الهادي
نبيل الهادي

آخر تحديث: الإثنين 2 مارس 2020 - 8:20 م بتوقيت القاهرة

دخلت حديقة الحيوان بعد انقطاع دام ربما لسنوات مع طالباتى وطلبتى نستطلع فيه مكانا يستخدم كملاهٍ وألعاب للصغار وندرس كيف يمكن أن نحوله من خلال تصميم معمارى ذكى لمكان يدمج التعلم باللعب باحترام الطبيعة، وكنت خلال تلك الانقطاعة أكتفى بالتودد لجارتها الشمالية حديقة الأورمان. حتى نتعرف على المكان ككل بدأ كل منا فى جولة غير مخططة تهدف للتعرف ببساطة وعفوية على الحديقة وأجزائها المختلفة. وكانت هذه فرصة لى أستعيد فيها ما أحب فعله ومنه النظر إلى تلك الكائنات الفريدة الجالسة أو المتكئة أو التى تنشغل بأشياء أخرى وخاصة عيونها المليئة بالبراءة وأشياء أخرى.... أو ليس كافيا أن تنظر أو تتأمل فى تلك الكائنات التى ليس بها شر. لم يكن صعبا على العديد منا أن يشعر بأن الكائنات الجميلة الموجودة هنا وهناك تبدو حزينة ربما لأن بعضها لا يجد مكانا متسعا بما يكفى لحركته أو ربما تريد أن تشكو من ظلم أو نقص فى الرعاية ولعلها تتطلع لفرصة للنجاة.

***

قبل أن أدخل هذه المرة عرفت أن «جوستاف إيفل» هو من صمم وبنى الكوبرى الحديدى الرائع فى حديقة الشاى وأسرعت بزيارته وانتبهت لمنع الصعود إليه مع عدم ذكر السبب، ربما لا نستحق أن نعرف. وكان ذلك فى مكان قريب من سور الحديقة الشرقى والذى بمحاذاته عاشت أشجار رائعة وعالية وسكنت الرصيف العريض خارج الحديقة ربما لأكثر من مائة عام وكانت بيوتا حانية لمئات من الطيور المصرية التى لم تكن صديقة للفلاح ولكنها صديقة لكل منا ربما فقط لم تكن صديقة لمن صف سيارته أسفلها ولكنها كانت كذلك للكائنات التى جاورتها وكانت النهاية القريبة المأساوية لتلك الأشجار على من أرادوا أن يوسعوا مكانا سفليا لعبور المزيد من السيارات. استكملت باقى رحلة إعادة الاستكشاف وأنا أتأمل فى باقى الشجر فى الحديقة وما أكثره وأعظمه وتمنيت لو تحظى تلك الأشجار بمن يعرف قدرها ويدافع عنها.

بركها المائية موجودة فى أماكن عدة وبأشكال مختلفة بعضها خالى جزئيا من المياه فلا يكون للطيور إلا أن تتراص فيما تبقى وعلى جوانب بعضا الآخر يجلس بجع أو طير آخر ينشر أجنحته أو يضمها ويبدو غير متأفف من تلك الزجاجات البلاستيكية الفارغة العديدة والمتناثر هنا وهناك أو من القمامة أو حتى من الماء الذى تطفو عليه به أشياء لا ملامح لها. تستهلك الحديقة كمية ماء كبيرة جدا كما يبدو بوضوح لكن هذا النظام المائى برغم ما به من البؤس والمشكلات يمكن إصلاحه بالصورة التى لا تحسن من حال الحديقة وساكنيها فقط ولكن أيضا تمكن من خفض استهلاك المياه بصورة كبيرة فيما لو استخدمت طرق مستدامة تعتمد على تنقية ومعالجة مياه الصرف الزراعى باستخدام نباتات معينة مما يمكن من توفير كبير فى المياه والأهم المحافظة على البيئة ومنح الزوار فرص أخرى للمعرفة.

***

ما يشبه الأكشاك أو ما يشبه المحلات التجارية أو ما يشبه المقاهى أو من يشتغلون برسم وجوه الأطفال كثير وأفهم طبعا أنهم يبحثون عن بعض المال ولكن لا أدرى حقا إن كانوا قادرين على جنى ما يكفيهم وسد ما يدينون به لإدارة الحديقة. انظر إلى جانب منطقة الملاهى حتى ترى تمثالا لغوريلا مسكينة مصنوعا بشكل يمكن تصوره خاصة مع وجود تمثال لإحداها وقد تهشم جزء من بطنها وظهر ما خلفه من أجزاء من الطوب الأحمر الذى يشكل أحشاءها.

وجود تلك الأماكن التجارية بهذا الشكل يأتى للأسف برعاية رسمية ويشير إلى وضع يائس وجدت فيه الإدارة نفسها فأخذت تبحث عن أى مصدر للمال وللأسف يظهر مدى غياب إدراك لقيمة المكان الذى أعتقده كبيرا للغاية ليس فقط لتاريخها ولكن أيضا لمساهمتها اليومية فى توفير هواء نقى فى تلك البقعة العمرانية الكثيفة.

لا يستطيع الكثيرون مغادرة الحديقة بدون أن يعلق فى أذهانهم صورة تلك الكائنات التى تلف وتدور وتلف وتدور وكأنها تقضى عقوبة أبدية لذنب لم تقترفه أو إثم التصق بها ويبدو أنها مستسلمة فى يأس لمصيرها.
***

هل فعلا نريد أن يتعلم أطفالنا أن يستهينوا بالكائنات الأخرى أيما كانت وأن يضحكوا على الحزانى والمظلومين بل يستمتعوا بآلامهم وكيف يمكن لكائن سوى أن يستمد سعادته من بؤس الكائنات الأخرى. أتمنى أن نساعد هذه الكائنات الحزينة وفى نفس الوقت نستعيد لأنفسنا جزءا من الشفقة والرحمة ونرسلها لمن يرعاها ويعيد تأهيلها فربما أمكن تأهيلها للرجوع للبرية مرة أخرى ونستعيد نحن سكان هذه المدينة تلك القطعة الفريدة كمكان ملىء بالتنوع الحيوى ربما بمساعدة إضافية من بعض خلايا النحل والزهور مما يساعد فى بعث المزيد من الحياة ربما فى المدينة كلها. وأن تتحول تلك المنظومة البيئية لحديقة تعليمية كبرى تستوعب طالباتنا وطلابنا قبل أن ينهوا دراساتهم الجامعية كما تستوعب طلاب المراحل الدراسية الأخرى لكى يستمعوا ويستمتعوا بمعرفة قصص الأشجار العظيمة بتلك الحديقة والتى تحكى عن جغرافيا العالم ومواطنها الأصلية وقصصها المرتبطة بالشعوب وثقافتهم وتأثيرها على البيئة وإيقاعها الطبيعى. وربما يتم تحويل بعض مبانيها الخالية إلى متحف يروى قصص تلك الكائنات الرائعة التى عاشت معنا فى هذا الجوار منذ مائة وخمسين عام ولا شك أن هناك المئات إن لم تكن الآلاف من تلك القصص المشوقة.

أتمنى أيضا أن تكون مكانا رائعا مليئا بالهواء الطازج الخالى من الملوثات والمحفز للمشى والرياضات الأخرى وربما أيضا ركوب الدراجات كما أتمنى أن تكون تلك الحديقة وأخواتها بدون رسوم. وربما يتولى دعمها ورعايتها جمعية محبى الحدائق المصرية والتى أتطلع أن أكون من أعضائها.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2020 ShoroukNews. All rights reserved