ليس للمغردين من يكاتبهم

خولة مطر
خولة مطر

آخر تحديث: الثلاثاء 2 أبريل 2013 - 8:00 ص بتوقيت القاهرة

فى أوطان تسقى الدماء فيها الياسمين والورد البلدى لم يعد لما يسمى «مواطنين» سوى البحث عن فضاءات أخرى. كثيرة هى المسافات الفاصلة بيننا وبين فضاء نقى يفتح نوافذ للجميع، كبيرة هى المساحة التى تفصلنا عن هناك.. ولكنهم، أى أولئك الذين بحثوا عن روح المواطنة ليرحلوا بعيدا عن تلك الكلمة شديدة القبح «رعايا» كرروها عليهم مررا «أنتم مجرد رعايا»!

 

هنا حلق هؤلاء بعيد. جاء التطور التقنى لينقذهم وليخلق لهم اوطان بمساحة غيمة فى سماء صافية.. راحوا يغردون هناك يرسلون بأفكارهم بعيدا عن مقص الرقيب أو عينى المخبر أو رصاصة القناص! بعيدا عن الغرف المظلمة ذات الجدران التى تحكى قصص كثيرين مروا من هناك.. كانوا فى وقت ما يخافون الرقيب الجالس فى قلب الجريدة أو المطبوعة.. بعدها تسرب الرقيب ليستوطن عقولهم فاصبحوا يتجولون وهو معهم دون أن يدركوا ذلك.. ثم كان ان جاءهم صديق جديد «جوجل» ففتح لهم نوافذ عدة وتكاثر الأصدقاء فى الفضاء الافتراضى حتى حصلوا على ما كانوا يبحثون عنه. «تويتر» هو المنقذ من كل أنواع الرقابة.. الآن باستطاعة أى منهم أن يرسل بأفكاره فى لحظتها دون تأخير فتنتشر كرائحة العطر النقية فى أرجاء الكون الواسع.. أو هكذا تصوروا حينها.. خلعوا الرقيب من عقولهم ونزعوا الخوف من قلوبهم وبدأوا فى التغريد المستمر.. فالتغريد ليس بحاجة إلى إمكانات واسعة ولا إلى مطابع أو وسائط أو مكان خاص بل أى هاتف نقال يكفى.

 

●●●

 

كلما اشتدت الرقابة بأصنافها وأشكالها كلما ارتحلوا هم إلى هناك ليغردوا. ولكنهم وفى غفلة الانتشاء بالحرية تصوروا إنهم أبعد ما يكونوا عن مقص الرقيب وعن زنانة صاحب الرأى الواحد.. ذاك الذى لا يزال يقول عنهم إنهم مجرد رعايا! كان الوقت قد اشتد والهتافات ملأت الشوارع عندما ازدحم الفضاء بالتغاريد من تونس حتى أصغر مدينة عربية بل تعدى المدن العربية.. لم تعد حتى اللغة حاجز فقد تستعين بصديقك الاقرب ليترجمها.. صار هذا العالم الآخر يجمعهم أكثر يتشاركون فى الأفكار ويتنادون للاعتصامات ويتبادلون التجارب.. يعبرون عن آرائهم تجاه أى تصريح لأى مسئول ويقولون الكثير. لا تخلو بعض التغاريد من تدخل المتطفلين وأعين الرقيب المتنكرة فى شكل مجموعة «محبة للوطن» أو أخرى حريصة عليه، إلا أنه بشكل عام جاء هذا العالم الافتراضى لينقذ المواطنين فى هذا العالم الثائر. أولئك الباحثون عن مساحة مهما كانت بسيطة ليغردوا فيها.

 

ولكنهم لم يعرفوا بأن عالمهم هذا قد اصبح تحت أعين الرقيب وأنهم سيحاكمون يوما لأنهم غردوا فهذه أوطان لا تتحمل حتى التغريد.. هى أوطان تفضل الأفواه والعقول المغلقة فقط، تلك المحكمة الإغلاق بأقفال من العصور الوسطى أو ما قبلها حين التصق الحاكم بالإله ولم يعد هناك أى تمييز. بل هو ممثله على الأرض ثم قالوا ولذلك لا يجوز نقد الحاكم كما لا يجوز نقد الله!

 

●●●

 

جلس المغردون واحدا تلو الآخر كالعصافير على غصن شجرة والصياد واقف ببندقيته كلما اسقط واحدا رحلت المجموعة قليلا. وكلما عادت عاد الصياد أيضا.. هكذا هم المغردون اليوم مطاردون فى أوطانهم تلاحقهم أحكام بسنوات من السجن خلف القضبان فى نفس تلك الغرف المظلمة.. تنوعت الأحكام والضحايا فى المجمل مغردين من هنا ومن هناك من أوطان عرفت كل أنواع وأشكال النمو والتطور المظهرى.. أوطان نقلت ناطحات السحاب والمحطات الفضائية والعربات الفاخرة وحتى الجامعات والمتاحف وتوقفت عند الأفكار فكل من يدخل مطاراتها عليه ان يخلع افكاره ويتركها عند بواباتها.. هى مدن لا مساحة للمغردين فيها سوى أولئك الملتهين بمن يربح اخر برامج الاغانى والمواهب الصاعدة وهى كثيرة! هى سلطات تفضل أن تكون التغاريد مقتصرة على الملذات والتفاهات وربما بعض النقد من هنا وهناك ولكن لا مكان لمغردين ينتقدون المسئول أو الحاكم. هم رسموا الخطوط واضحة فى الداخل وعرفوا شعوبهم انه ليس للمغردين سوى زنازن السجون تنتظرهم أو الارتحال إلى اللجوء القصرى.. لم تتوقف التغاريد حتما ولكن لا تزال الاعين تطار المغردين.. فليس للمغردين من يكاتبهم!

 

 

 

كاتبة من البحرين

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved