صورة مع فان جوخ
داليا شمس
آخر تحديث:
السبت 2 مايو 2026 - 5:05 م
بتوقيت القاهرة
فجأة تتلون القاعة بلون الليل وتجد نفسك تسبح فى سماء فان جوخ، الرسام الهولندى صاحب أول معرض غامر للحواس يقام فى مصر، بمول ديستريكت فايف بالتجمع الخامس. تتبدل من حولك لوحاته الشهيرة، أشكال وألوان تحيط بك من كل جانب، إذ تغطى الجدران والأرضيات بمصاحبة الموسيقى المختارة بعناية، ومن حين لآخر تظهر بورتريهات فان جوخ التى رسمها لنفسه، فتلاحقك عيناه ونظراته الحائرة.
تشير إحدى الأمهات الموجودات بقاعة العرض إلى أذنه اليسرى المضمدة بعد أن قطع الفنان جزءًا منها إثر نوبة ذهانية، شارحة لابنتها أنه كان يعانى من مشاكل نفسية وقضى آخر سنوات حياته فى مصحة سان ريمى دى بروفانس بفرنسا، وهناك أبدع الكثير من لوحاته بعد أن سمح له الطبيب المعالج بممارسة الفن خلال إقامته بعد استقرار حالته نوعا ما. هناك أنتج أفضل أعماله التى تنتمى لمدرسة «ما بعد الانطباعية» ومنها «ليلة النجوم» و«دوار الشمس» إلى أن وصل إلى آخر لوحة وهى «حقل قمح مع غربان» التى انتهى منها قبل 19 يومًا من انتحاره عام 1890 ووفاته عن عمر يناهز 37 عامًا. وكان قد قرر التفرغ للفن فى سن السابعة والعشرين، وخلال عشر سنوات فقط أنجز 900 لوحة زيتية و1100 رسمة. فى فترة ما قبل الرحيل تحولت أعماله جذريًا، وانتقل من الدرجات الداكنة إلى ألوان صاخبة ملفتة للانتباه. ربما لا يسمح المعرض بتتبع مراحل فان جوخ الفنية بشىء من التركيز، خاصة من لا يعرفه من قبل، لكنها تظل فرصة جيدة للاكتشاف بالنسبة إلى العديد من الزائرين الذين يحاولون الالتصاق باللوحات بهدف التقاط الصور كى يضعوها لاحقا على شبكات التواصل الاجتماعى. على سبيل المثال استمرت شابة محجبة فى تحريك كرسيها من زاوية إلى أخرى، تارة يصورها من معها واقفة وتارة تجلس بوضعية معينة تجعلها تبدو أكثر جاذبية ومن خلفها زهرات فان جوخ الصفراء أو لوحات الطبيعة الصامتة، هى وغيرها يهتمون بأخذ الصور وتوثيق اللحظة، فتبدو اللوحات وكأنها مجرد خلفيات ملونة فى استوديو تصوير فوتوغرافى محترف. وفى بعض المرات، كانت تأخذ سيلفى مع فان جوخ نفسه أو بالأحرى إحدى لوحاته الذاتية.
• • •
هذا الحرص على التصوير فى موقع الحدث هو من مظاهر عصر الرقمنة، فالزيارة الثقافية تتحول إلى محتوى قابل للنشر والمشاركة على الشبكات الاجتماعية، كما أن المتلقى يلعب مع اللوحة أو يتواصل معها على طريقته تخليدا للحظة دخوله إلى المعرض أو المتحف، ويكون ذلك بالطبع على حساب تأمل الأعمال ومحاولة فهمها بعمق، فتظل التجربة على السطح دون توغل معرفى. وهى أهم النقاط التى يتوقف عندها منتقدو هذه النوعية من المعارض "الغامرة" التى صممت لاجتذاب فئة مختلفة عن زوار المعارض التقليدية، فهى تحول المعرض إلى فيلم أو عرض بصرى متكامل، تشعر من خلاله أنك تعيش داخل اللوحات وتتسلل إليها مثلما تتسرب الموسيقى إلى نفسك دون أن تدرى. ويتم ذلك بفضل إخراج فنى رائع يهتم بالجماليات ويسمح بتسلسل الأعمال وتدفقها على الحوائط والأسقف والأرضيات بواسطة الأجهزة الالكترونية الحديثة، وعلى نغمات موسيقى لا تكتفى بتتبع حركة اللوحات لكنها ترافقها وأحيانا تحاورها بشيء من الاستقلالية، مقطوعات بعضها كلاسيكى وبعضها ينتمى إلى موسيقى الجاز والبلوز.
تكبير اللوحات على الحائط وتحريكها يسمح أحيانا بإظهار بعض التفاصيل المخفية، لكن تجربة غمر الحواس على هذا النحو تستهدف بالأساس اللعب على المشاعر ومخاطبتها أكثر من العقل والتفكير. لذا يتحول المعرض إلى «خروجة» لطيفة مناسبة للعائلات والأصدقاء، تجربة تشاركها مع من تحب على أنغام الموسيقى لأخذ الصور التذكارية، وفى الوقت ذاته قد تجعل بعض الأفراد يألفون عالم هذا الفنان أو ذاك، لأنهم تجولوا بداخله وغمرتهم صوره ولوحاته، حتى لولم يتتبعوا حياته بشكل جيد.
• • •
الأطفال تبهرهم الألوان والحركة، يرقصون أحيانا على نغمات الموسيقى وينطلقون فى أرجاء القاعة، ما يحدث نوعا من البهجة وقدرا من الإزعاج لمن يرغب فى التمعن فى اللوحات الفنية التى يشاهدها لأول مرة خارج الكتب، إذ لا يتسنى للكثيرين السفر إلى الخارج وزيارة المتاحف المخصصة لفان جوخ أو غيره من الفنانين. وليس من السهولة بمكان إقامة معارض تشكيلية ضخمة لكبار الرسامين فى العديد من البلدان، فالأمر يستلزم إجراءات معقدة لشحن وتأمين الأعمال إلى ما غير ذلك، وهنا تكون تجارب المعارض الغامرة للحواس عملية وأقل تكلفة، حتى لو لم تكن أثمان التذاكر فى متناول الجميع. لكن تظل تجربة تجارية وفنية للاكتشاف وقضاء وقت ممتع متاحة للبعض، وهى آخذة فى الانتشار حول العالم.