٢٠٠ يوم على اتفاق غزة.. أى مستقبل ينتظر القطاع؟

أحمد عبد ربه
أحمد عبد ربه

آخر تحديث: السبت 2 مايو 2026 - 5:00 م بتوقيت القاهرة

فى الثالث عشر من أكتوبر ٢٠٢٥، أعلن الرئيس عبدالفتاح السيسى، وبجانبه الرئيس الأمريكى دونالد ترامب فى شرم الشيخ، توقيع وثيقة وقف إطلاق النار فى غزة. كانت لحظة مهمة أنهت - ولو مؤقتًا - عامين كاملين من القتل والتشريد والدمار والخراب على يد حكومة نتنياهو، التى ارتكبت كل أنواع جرائم الحرب فى هذا القطاع الصغير.


كانت هناك آمال حذرة فى إعادة الإعمار والهدوء، وإعطاء الفلسطينيين فى غزة قبلة الحياة التى غابت طويلًا. لكن اليوم، وبعد مرور ٢٠٠ يوم تقريبًا على هذا الاتفاق، بدأ ظهور واقع جديد، يحول غزة من ساحة حرب مفتوحة إلى مختبر دولى للرقابة التقنية والأمنية. وهذا يطرح سؤالًا مهمًا حول مستقبل القطاع ناهيك عن مستقبل القضية الفلسطينية برمتها.


المشهد الميدانى فى غزة منذ أبريل الماضى وحتى مطلع مايو الحالى يشير إلى تحول واضح فى طبيعة إدارة الأزمة، وخاصة من الطرفين الأمريكى والإسرائيلى. فبينما كانت الطموحات، حتى المتواضعة والمحدودة منها، تتجه نحو وضع بداية لتوسيع الحكم الذاتى فى القطاع على الأقل، وإيقاف الانتهاكات فى الضفة الغربية، نجد أنفسنا أمام واقع تفرضه واشنطن وتستفيد منه إسرائيل على الأرض.


فمن بين عشرات التحليلات حول الموقف فى القطاع، فإن التحليل الأهم الذى يجب التوقف عنده هو ما كشفه موقع «ميدل إيست آى» مؤخرًا، نقلًا عن تقرير لرويترز، حول اتجاه الإدارة الأمريكية إلى إغلاق أو إعادة هيكلة مركز التنسيق المدنى العسكرى الأمريكى المسئول عن مراقبة وقف إطلاق النار فى غزة، ونقل مهامه إلى قوة دولية للاستقرار. وهذا المركز لم يكن مجرد غرفة عمليات صغيرة، بل كان جزءًا من منظومة أوسع تضم متابعة أمنية، وتنسيقًا للمساعدات، ومراقبة لتنفيذ وقف إطلاق النار، من داخل إسرائيل لا من داخل غزة. واللافت هنا أن المشكلة ليست فقط فى وجود المركز أو غيابه، بل فى المنطق نفسه: أن يتحول السلام إلى ملف أمنى تديره الشاشات والخرائط والضباط والخبراء، بينما يبقى الفلسطينى العادى خارج المعادلة.


• • •
هنا تبرز الفجوة الكبيرة بين التوقعات، حتى المتواضعة والمحدودة منها، التى يأملها الناس فى شوارع غزة المهدمة، وبين اللغة التقنية الأمنية الصارمة التى تفرضها واشنطن. الإنسان فى غزة، الذى مر عليه ٢٠٠ يوم وهو يحاول تجاوز الصدمة والعودة إلى الحياة من جديد، يجد نفسه اليوم داخل معادلة لا ترى فيه مواطنًا صاحب حق، بل حالة أمنية يجب ضبطها ومراقبتها وعقابها إن لزم الأمر. فإذا كان الاتفاق قد أوقف القصف الواسع، فإنه لم يمنح الغزيين الحرية؛ بل نقلهم من حالة الموت السريع بالصواريخ إلى الحياة المشروطة بالرقابة، والخطوط الأمنية، والمناطق المقيدة أو المحظورة، والتنسيق الخارجى.


إن وجود هذا المركز الأمريكى، ثم الحديث عن إغلاقه أو دمجه فى قوة دولية للاستقرار، لا يعنى نهاية منطق الرقابة، بل ربما يعنى نقله إلى صيغة أخرى أكثر دولية. فالمشكلة ليست فى اسم المؤسسة، بل فى أن المجتمع الدولى يبدو كأنه قرر تجميد القضية مجددا بدلًا من حلها، وتحويل غزة إلى بقعة جغرافية محكومة أمنيًا وتكنولوجيًا، وهو ما يقتل أى فرصة لسيادة فلسطينية حقيقية على الأرض.


تكشف الأرقام أن ٢٠٠ يوم كانت كافية لإظهار حجم التحدى. فوفقًا لرويترز وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائى، يقدر حجم الركام فى غزة بنحو ٦١ مليون طن، ولم تتم إزالة سوى حوالى ٢٨٧ ألف طن حتى أواخر أبريل ٢٠٢٦. أما التعافى وإعادة الإعمار، تقدر التكلفة بنحو ٧١٫٤ مليار دولار خلال العقد القادم، وهى أرقام تكشف أن ما يجرى ليس مجرد أزمة إنسانية عابرة، بل انهيار عمرانى واجتماعى كامل يحتاج إلى مشروع سياسى قبل أن يحتاج إلى مشروع هندسى - أمنى - تكنولوجى.


أما فى ملف المياه والبنية التحتية، فالصورة أكثر قسوة. فوفقًا للأمم المتحدة، دمر أو تضرر ما يقرب من ٩٠٪ من البنية التحتية للمياه فى غزة، بما فى ذلك محطات التحلية وشبكات الصرف. وتشير تقديرات شبكة المياه والصرف الصحى التابعة للأمم المتحدة إلى أن نحو ٨٠٪ من سكان القطاع يعتمدون اليوم على المياه المنقولة بالشاحنات إلى نقاط توزيع مركزية!


تكشف أيضًا التطورات منذ أبريل ٢٠٢٦ عن أزمة ثقة عميقة. فإسرائيل، التى وافقت على الانسحاب من بعض المناطق تحت ضغط الاتفاق، لا تزال توسع منطق السيطرة عبر الخرائط والخطوط الأمنية. ووفقًا لرويترز، فإن الخرائط الإسرائيلية الجديدة وضعت نحو ثلثى قطاع غزة تقريبًا، أو ما يقدره بعض الباحثين بنحو ٦٤٪ من مساحته، تحت سيطرة إسرائيلية فعلية أو داخل مناطق تحتاج إلى تنسيق أمنى. بمعنى آخر، لم يخرج منطق الاحتلال من غزة، بل عاد فى صورة خطوط صفراء وبرتقالية ومناطق مقيدة لا يعرف السكان أين تبدأ وأين تنتهى.


• • •
إنسانيًا، لغة الناس فى غزة اليوم مليئة بالمرارة رغم توقف القصف الواسع. هناك جيل كامل من الأطفال عاد بعضه إلى خيام تعليمية أو مبان متصدعة، بينما لا يزال كثيرون خارج التعليم أصلًا. ووفقًا لليونيسف، فإن المجتمعات المحلية فى غزة أنشأت فصولًا مؤقتة داخل الخيام والمبانى المتضررة، بينما تستهدف المنظمة إعادة ٣٣٦ ألف طفل إلى التعليم خلال هذا العام. لكن طفلا يجلس فى خيمة تعليمية تحت طائرات مراقبة، وفى مدينة أكثر من نصفها ركام، لا يمكن أن يتعافى من صدمة الحرب وأهوالها. ربما تغير شكل الخطر، لكن ضوضاء الحرب ستظل جاثمة على غزة.


200 يوم كانت كافية لأن يدرك الغزيون أن الجهد المصرى، ومعه مسار شرم الشيخ، وفّر قدرًا مهمًا من الأمان الضرورى، أى وقف القتل على نطاق واسع وفتح نافذة للبقاء على قيد الحياة. وهذا دور لا ينبغى التقليل من أهميته فى لحظة كان فيها القطاع على حافة الانهيار الكامل. لكن المشكلة أن هذا الأمان، رغم أهميته، لم يتحول بعد إلى أمان وجودى كامل؛ أى إلى كرامة وسيادة وحرية حركة وقدرة على الحياة دون خوف. فالسلام الذى لا يستطيع، بسبب الحسابات الأمريكية والإسرائيلية، أن يفتح طريقًا واضحًا لإعادة الإعمار، ولا يضمن حرية الحركة، ولا يضع حدًا حقيقيًا للسيطرة الإسرائيلية، يبقى سلامًا ناقصًا يحمل فى داخله أسباب انفجاره القادم، ولا يمكن لمصر وحدها أن تعدل تلك المعادلة دون دعم سياسى عربى ودولى، وهو أمر كررناه مرارا لكن لا أحد يستمع، لأن نقد الدور المصرى أسهل بكثير لدى البعض من الاستعداد لتقديم دعم حقيقى لا صوتى!


تحليليًا، يمكن القول إن المسار الأمريكى الإسرائيلى فى غزة لا يبدو مستعدًا لفتح باب حل سياسى حقيقى. فالتطورات الأخيرة أظهرت أن واشنطن العالقة فى الحرب الإيرانية غير راغبة فى الضغط الجاد على إسرائيل لتقديم تنازلات تخص القدس أو الدولة أو السيادة الفلسطينية، أو حتى وقف اعتداءات المستوطنين والتوسع الاستيطانى فى الضفة الغربية. وبدلًا من أن يكون وقف إطلاق النار بداية لعودة الناس إلى حياتهم، تحوّل فى جزء كبير منه إلى نظام طويل من التصاريح والخرائط ونقاط التنسيق والتقديرات الأمنية. حتى الحديث عن المركز الأمريكى، وإمكانية إغلاقه أو نقل مهامه، لا يغير جوهر المسألة كثيرًا؛ لأن القرار الفعلى لا يزال يدور حول ما تسمح به إسرائيل، وما توافق واشنطن على تمريره أو تعطيله. وهكذا يجد الفلسطينى نفسه أمام سلام محدود: يخفف من حدة النيران، لكنه لا يفتح طريقًا واضحًا إلى بيت آمن، أو خدمات صحية وتعليمية مستقرة، أو حرية حركة، أو مستقبل سياسى يمكن الدفاع عنه.


٢٠٠ يوم كانت كافية لتقول لنا إن الفلسطينيين فى غزة ما زالوا متمسكين بالحياة رغم كل ما جرى، وإن الجهد المصرى فى وقف القتل وفتح باب الإعمار كان مهمًا ولا يمكن التقليل منه. لكنها كانت كافية أيضًا لتكشف حدود هذا المسار. فالإدارة الأمريكية ما زالت تتعامل مع غزة، فى أغلب الأحيان، باعتبارها مشكلة أمنية مرتبطة بإسرائيل، لا قضية شعب يريد أن يعيش بكرامة على أرضه. غزة لا تحتاج إلى مركز جديد للمراقبة بقدر ما تحتاج إلى أفق سياسى واضح، وإعمار حقيقى، وحياة طبيعية يشعر فيها الناس أن وقف النار لم يكن مجرد استراحة بين حربين!

أستاذ مشارك العلاقات الدولية، والمدير المشارك لمركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة دنفر

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved