التدمير المطلق لغزة يهدف إلى تسهيل انتقال إسرائيل إلى المرحلة التالية.. مرحلة التهجير

من الصحافة الإسرائيلية
من الصحافة الإسرائيلية

آخر تحديث: الثلاثاء 2 يونيو 2026 - 8:05 م بتوقيت القاهرة

توجد لدى إسرائيل خطة من أجل غزة، ومَن ظنَّ أنها ليست لديها خطة لليوم التالى، فقد كان مخطئًا خطأً مريرًا، وليتها لم تملك خطّة. بعيدًا عن الاهتمام العالمى والإسرائيلى، فإن تنفيذ المرحلة التالية فى عقيدة المراحل الإسرائيلية يجرى فعلًا، وفى أَوْجِهِ؛ فبعد أن استنفدت الإبادة الجماعية نفسها، وأدى الخراب شبه الكامل دوره، تتقدم إسرائيل بثقة نحو تنفيذ المرحلة التالية من خطتها: تحويل جميع سكان غزة إلى جمهور من المعاقين والجرحى والمرضى والجياع والمشرَّدين والمحرومين من سبل العيش إلى الأبد.

وعندما يتحول سكان غزة إلى هذا الخليط البشرى، بلا مجتمع منظَّم، أو خدمات أساسية، أو مؤسسات حيوية، وطبعًا بلا قيادة، فإن التحطيم الكامل للمجتمع سيسهّل على إسرائيل الانتقال إلى المرحلة التالية، التى لم تتخلَّ عنها يومًا، وهى مرحلة التهجير، عندها فقط ستُحل مشكلة غزة نهائيًا؛ هكذا فقط.

وقد سُمع صدى واضح لهذه الخطة على لسان اثنين من واضعيها ومنفذيها: رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذى قال إن «هدفه» هو الانتقال من السيطرة على 60% من القطاع إلى 70%، ووزير الدفاع يسرائيل كاتس، الذى كتب: «تعهَّدنا بأن ’حماس‘ لن تحكم غزة مدنيًا وعسكريًا، وهكذا سيكون، وكذلك ستُطبَّق خطة الهجرة الطوعية. كل ذلك فى التوقيت والطريقة المناسبَين». بكلمات أُخرى، سيتحوّل الغزيون إلى «قطيع» يسهل نقلُه بعيدًا من هنا «فى التوقيت والطريقة المناسبَين»، إذ لا بد من الحفاظ على النظام.

لم يكُن هدف القضاء على حكم «حماس» الهدف الوحيد؛ فبما أن إسرائيل عارضت بصورة قاطعة إدارة غزة من جانب أى جهة فلسطينية أُخرى -لا السلطة الفلسطينية، ولا هيئة دولية، ولا أى جهة - وهى أيضًا غير مستعدة لإدارة غزة بنفسها، فقد خرج المِخرز من الكيس؛ إنها لا تريد لأى تنظيم أن يدير الحياة فى غزة، إنما تريد مليونَى إنسان فى خيام، وسيصبح التهجير عندها أكثر سهولة. حين يقول كاتس إن «حماس» لن تدير غزة من الناحية المدنية، فهو يعلم جيدًا أنه لا يوجد - ولن يوجد - مَن سيدير غزة سوى «حماس»، على الأقل فى المستقبل القريب. والبديل الوحيد حاليًا للحكم المدنى لـ«حماس» هو الفوضى، وهذا الخراب والفوضى يخدمان إسرائيل وتنفيذ الخطة.

يمكن للدعاية الإسرائيلية أن تواصل الصراخ بأن غزة كلها «حماس»، وأن كل «حماس» هم مخربون، وهذا طبعًا كذب؛ فليس الأمر فقط أن غزة ليست كلها «حماس»، بل أيضًا ليس كل مَن يُعرَّفون على أنهم «حماس» إرهابيين. إسرائيل تعرف جيدًا أن عشرات الآلاف من المعلمين والأطباء والشرطة وموظفى الحكومة الذين يتقاضون رواتبهم من حكومة «حماس» ليسوا إرهابيين، وتصنيفهم كأفراد «حماس» أتاح لها قتلهم بالآلاف تحت عنوان «مخربين». شرطة المرور، والمحاسبون، والمعلمون ليسوا مخربين، وليسوا ممَّن يستحقون الموت، وبالتالى، قتلهم كان ولا يزال جريمة حرب. وكذلك الصحفيون الذين حصلوا على بطاقة صحفية من «حماس» ليسوا مخربين، بل هم صحفيون، وربما دعائيون كقسم كبير من الصحافيين الإسرائيليين، لكنهم ليسوا مخربين.

وهكذا اصطادت إسرائيل عصفورين بضربة واحدة: شرعية، وإن كانت زائفة، للقتل العشوائى، ومرحلة أخرى فى تنفيذ الخطة الكبرى؛ فمن دون معلمين وأطباء وعاملين اجتماعيين ومهندسين وموظفين، لا يوجد مجتمع يعمل، ومن دون مجتمع يعمل، يصبح من الأسهل تهجير سكان غزة إلى الجهات الأربع من العالم.

نُشر على شبكات التواصل الاجتماعى لقاء مدته ساعتان أجراه تاكر كارلسون مع الجرّاح البريطانى من إكسفورد، الدكتور نيك ماينارد، الذى يتطوع فى غزة منذ نحو سبعة عشر عامًا، فيدخل إليها ويخرج منها. وإن الفظائع التى شهد بها ماينارد مما رآه بعينيه كانت تُسقِط الفك من هولها؛ جثث وصلت مقيّدة، وأطفال أُعدموا بإطلاق النار على أعضائهم التناسلية، ورُضّع ماتوا جوعًا، وخدَّج تُركوا بأمر من الجيش الإسرائيلى داخل الحاضنات، وعُثر عليهم موتى بعد بضعة أسابيع. على كل إسرائيلى - وإنسان - أن يستمع إلى هذا اللقاء، لكن حتى كل هذه الفظائع الرهيبة كانت لها غاية: «الحل» الإسرائيلى للمشكلة التى اسمها غزة.

جدعون ليفى

هآرتس

مؤسسة الدراسات الفلسطينية

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved