ملاحظات سياسية على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى

إبراهيم عوض
إبراهيم عوض

آخر تحديث: السبت 2 يوليه 2016 - 9:30 م بتوقيت القاهرة

كل المهتمين تابعوا عن قرب ما عجت الصحافة فى العالم أجمع به من أنباء ومقالات عن نتيجة الاستفتاء على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى. ومع ذلك، فإنه مازال ثمة مجال لإبداء عدد من الملاحظات على معنى قرار أغلبية البريطانيين وعلى نتائجه بالنسبة لكل من السياسة الداخلية البريطانية والسياسة العالمية وعلى التفاعل فيما بينهما. سواء كانت هذه الملاحظات بشأن السياسة البريطانية أو العالمية فإنها تهمنا إما من ناحية السياسة المقارنة أو من تلك الخاصة بتأثرنا بما يحدث فى العالم.
على المستوى الداخلى للمملكة المتحدة، تلاحظ العلاقة العكسية بين سن المدلين بأصواتهم وتأييد البقاء فى الاتحاد الأوروبى أكثر المجموعات السنية تأييدا للبقاء كانت مجموعة 18ــ24 سنة والتى وصلت فى تقديرين إلى 73% و74% ممن أدلوا بأصواتهم وهو تأييد آخذ فى التناقص فى المجموعات السنية التالية حتى وصل إلى أدناه وهو مجرد 40% عند من زادت أعمارهم على 65 عاما. الكثير من الشباب عبروا عن سخطهم على الشيوخ باعتبار أنهم حرموهم من آفاق رحبة فى أوروبا بعد أن استفادوا هم، أى الشيوخ، من عضوية بريطانيا فى الجماعة الأوروبية ومن بعده فى الاتحاد الأوروبى خلال العقود الأربعة الماضية.
الملاحظة الثانية هى أن من الحجج التى قدمها الداعون إلى الخروج من الاتحاد لعقلنة مسعاهم قبل الاستفتاء أن المهاجرين من وسط وشرق أوروبا يزاحمون البريطانيين على فرص العمل ويتسببون فى بطالتهم، بينما الواقع هو أن البطالة فى بريطانيا منخفضة بل إن معدلها من أدنى معدلات البطالة فى أوروبا. الأدهى من ذلك هو أن من يتخطون الخامسة والستين هم خارج قوة العمل، لا يعرضون قوة عملهم، وبالتالى فهم لا يتأثرون بأى منافسة فى سوق العمل، بينما الشباب الذى يتأثر بالمنافسة نظريا منفتح على الهجرة ومستعد لأن يواجه منافسة المهاجرين.
ملاحظة ثالثة تتعلق بالعلاقة الطردية بين مستوى التعليم وتأييد البقاء فى الاتحاد الأوروبى. المتعلمون تعليما جامعيا فى أغلبيتهم أيدوا البقاء فى الاتحاد الأوروبى، وتراجع هذا التأييد تدريجيا مع انخفاض مستوى التعليم.
***
الملاحظة الرابعة خاصة بالتوزيع الحضرى⁄ الريفى لتأييد كل من البقاء والخروج من الاتحاد. سكان الحضر أيدوا البقاء وسكان المناطق الريفية كانوا مع الخروج. يمكن بناء على ما تقدم رسم النموذج المثالى للمؤيد للبقاء فى الاتحاد الأوروبى على أنه من الشباب مرتفع مستوى التعليم ومن سكان الحضر، بينما النموذج المثالى لمؤيد الخروج من الشيوخ، منخفض المستوى التعليمى، ومن سكان الريف. التوزيع الإقليمى لمؤيدى البقاء والخروج مما يسترعى الانتباه أيضا. لندن، واسكتلندا، وأيرلندا الشمالية صوتت وبقوة فى صالح البقاء بينما أيدت جميع مناطق انجلترا، بخلاف لندن، ومعها ويلز، الخروج. أدى هذا مباشرة إلى إثارة مسألة انفصال اسكتلندا عن المملكة المتحدة من جديد، واحتمال إجراء استفتاء ثانٍ عليه بعد استفتاء عام 2014 بحجة تغير الظروف التى صوت فيها الاسكتلنديون بالبقاء فى المملكة المتحدة، فهذه المملكة بعد الخروج من الاتحاد الأوروبى غيرها وهى داخله. أغلب المراقبين يعتقدون أن خروج بريطانيا سيؤدى فعلا إلى انفصال اسكتلندا وهو ما يعنى استمرار انكماش «الامبراطورية التى لم تكن تغرب عنها الشمس»! بعد تصفية الاستعمار ورجوعها إلى الجزر البريطانية، سيستمر انكماش انجلترا فى هذه الحالة إلى ما كانت عليه عند منتصف القرن السابع عشر، أى عشية الحقبة الاستعمارية، باستثناء بقاء أيرلندا الشمالية معها، وويلز، فيما سيتبقى من المملكة المتحدة.
هذه الملاحظة الربعة لها دلالتها بالنسبة للسياسة الدولية من منظور تاريخى مقارن. الامبراطوريات تنشأ وتتوسع ثم تسقط وتنكمش. انظر إلى الجمهورية التركية وقارنها بالدولة العثمانية. وتأمل فى جمهورية النمسا ذات الثمانية ملايين مواطن فى الوقت الحاضر وقسها بالإمبراطورية النمساوية المجرية ذات السكان الأربعين مليون فى سنة 1900، علما بأن سكان العالم كانوا 1.5 مليار فى سنة 1900 وهم حاليا 7.4 مليار نسمة. فى حالة انفصال اسكتلندا بالفعل، يؤدى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى إلى انكماش المملكة المتحدة واقتصادها، وبالتالى إلى هيكلة جديدة للاقتصادين الأوروبى والعالمى، بل وإلى إعادة هيكلة لتوزيع القوة فى النظام الدولى. المملكة المتحدة، وإن كانت قد فقدت فعلا الجانب الأكبر من وزنها، فهى مازالت من القوى الكبرى، ولكن من يعلم، قد يصبح خروجها من الاتحاد الأوروبى، وتداعياته الاقتصادية والسياسية وعلى تكوينها، مبررا يصعب دحضه لإعادة النظر فى بنية الأمم المتحدة، وخاصة مجلس الأمن وللعضوية الدائمة وممارسة حق الفيتو فيه.
***
الملاحظتان التاليتان اللتان يتداخل فيهما كل من مستوى السياسة البريطانية والسياسة الدولية تتصلان بآثار نتائج الاستفتاء على الحزبين البريطانيين الكبيرين. أولا استقال رئيس الوزراء البريطانى واستقال بعده مباشرة العضو البريطانى فى المفوضية الأوروبية، الجهاز التنفيذى للاتحاد الأوروبى، وهو ما يعبر عن استشعارهما بمسئولية سياسية لابد أن يؤديها المسئول الأعلى فى السلطة التنفيذية البريطانية وذلك الذى يشارك فى صياغة وتنفيذ السياسة الأوروبية، من جانب، وبأنه لا يمكن لمسئول سياسى من الناحية الأخلاقية ومن حيث العقل والمنطق أن يقوم على صياغة وتنفيذ سياسة يوما وعكسها فى اليوم التالى. لعل هذا يكون درسا فى السياسة لمن يتولون العمل العام فى بلادنا. على أن الملاحظة الأخرى فى هذا الشأن ربما كانت أكثر أهمية وهى تتعلق بتصور دور بريطانيا فى العالم من جانب، وبحقيقة تأثر نصف البريطانيين بالسياسات الاقتصادية والاجتماعية المطبقة فى بريطانيا وأوروبا والعالم، من جانب آخر. فى حزب المحافظين، التنافس بدأ على من يخلف رئيس الوزراء الحالى فى زعامة الحزب وفى رئاسة الوزراء. هذا هو منتهى الانتهازية السياسية وهى إن ثبت صحتها لن تبقى فرصة للحياة السياسية لجونسون. غير أن الحجة التى راجت بين ناخبى حزب المحافظين والتى اجتذبت من بينهم أغلبية من صوتوا للخروج هى تلك الخاصة بأن العالم هو الذى يليق ببريطانيا كمسرح لدور لها، وهى حجة قد يتبين خواؤها تماما خاصة إن انفصلت اسكتلندا عن المملكة المتحدة مع ما يرتبه على ذلك على وضع بريطانيا فى النظام الدولى، كما سبق بيانه.
أما بالنسبة لحزب العمال فالوضع أكثر تعقيدا. الكثيرون من ناخبى حزب العمال تجاهلوا نداءات قياداتهم وصوتوا للخروج من الاتحاد. قيادات الحزب ألقوا باللوم أساسا على الزعيم اليسارى للحزب، واتهموه بأنه كان فاترا فى حملته الداعية إلى البقاء فى الاتحاد، مذكرين بأنه كان دائما متشككا فى جدوى عضوية الاتحاد. ها هو زعيم الحزب هذا يواجه تمردا عليه من نواب الحزب فى مجلس العموم ودعوة له إلى مغادرة منصبه. المسألة تتعلق بأن الحزب لم يستطع الحفاظ على أصوات الطبقة العاملة المؤيدة له تقليديا والتى تأثرت بالحجج الخاصة بالمهاجرين وأثرهم على التشغيل. إذا كان هذا الأثر غير ذى بال كما تبين أعلاه، فما هو عسى الذى دفع جانبا يعتد به من الطبقة العاملة إلى التصويت من أجل الخروج من الاتحاد؟ فى رواية من الروايات هى آثار العولمة الوخيمة على الطبقة العاملة فى بريطانيا وفى غيرها، وفى رواية أخرى أكثر تحديدا هو التراجع فى مستوى شروط العمل وظروفه، وفى مستوى معيشة الطبقة العاملة. الخلط حدث بين توافر فرص العمل، من جانب، ونوعية هذا العمل كما تعبر عنها الأجور وغيرها من شروط العمل وهى التى تؤثر فى مستوى المعيشة. المناصرون المتزايدون للأحزاب القومية الشعبوية اليمينية، المعادون للأجانب، كل الأجانب، من الاتحاد الأوروبى، ومن باب أولى من خارجه، يتزايدون يوما بعد يوم. السبب الحقيقى لانتقال أصوات اليسار إلى مناصرة حجج هذه الأحزاب ليس العولمة فى حد ذاتها وإنما السياسات التى صاحبت العولمة. ألا تصح عملية اندماج الاقتصاد العالمى، والعمليات التكنولوجية والمعرفية والاتصالية المصاحبة والميسرة لها، غير بسياسات تؤدى إلى سوء توزيع الثروة والدخل وإلى تركزهما فى مجموعات أصغر فأصغر من المستفيدين على حساب الأغلبية فى كل مكان؟ إعادة النظر فى السياسات الاقتصادية والاجتماعية ضرورى لأن هذه الأحزاب لا تقوض فقط الأنظمة السياسية فى بلدانها وفى تجمعات مثل الاتحاد الأوروبى، بل هى بعدائها للأجانب وبالنزعات العنصرية للكثير من بينها خطر على السلام العالمى.
تبقى ملاحظتان تخصانا نوردهما بحد أدنى من التعليق. إنتاج المعلومات عن الاستفتاء ومعالجتها وتحليلها وتداولها كان متاحا، لم يعرقله أحد، فالمعلومات وحدها هى التى تمكن من الفهم الصحيح ومن صياغة السياسات السليمة. أما الملاحظة الأخيرة فهى أن أحدا لم يصرخ بأن الخروج من الاتحاد مؤامرة على الاتحاد الأوروبى لتفكيكه كما أن أحدا غيره لم يزعق بأن احتمال انفصال اسكتلندا مؤامرة على المملكة المتحدة لتفتيتها.
المعلقون والخبراء انصرفوا إلى التحليل.

أستاذ السياسات العامة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة


اقتباس
إن المتعلمين تعليما جامعيا فى أغلبيتهم أيدوا البقاء فى الاتحاد الأوروبى، وتراجع هذا التأييد تدريجيا مع انخفاض مستوى التعليم.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved