مرة أخرى وبكل حب واحترام.. عن الذين يسيئون إلى مصر!

إبراهيم العريس
إبراهيم العريس

آخر تحديث: الخميس 2 يوليه 2026 - 8:10 م بتوقيت القاهرة

أواسط سنوات الثمانين من القرن الماضى، وكنت حينذاك أقيم فى باريس رئيسًا للقسم الثقافى لمجلة "اليوم السابع" الثقافية الصادرة باللغة العربية عن منظمة التحرير الفلسطينية - ويتألف فريقها من عدد من الكتّاب اللبنانيين برئاسة الكاتب الفلسطينى والمناضل الكبير بلال الحسن، الذين بارحوا وطنهم تضامنًا مع تلك المنظمة، وتحديدًا مع الزعيم ياسر عرفات الذى كان يرعى المجلة شخصيًا، وصلتنى ذات يوم رسالة من القاهرة أثارت حنقى. فالرسالة مرسلة من الصديق مصطفى نبيل، رئيس تحرير «الهلال» العريقة حينذاك، والمسئول عن شتى مؤسساتها، يطلب منى فيها أن أتصل بالكاتب اللبنانى - الفرنسى أمين معلوف لأخبره بأن دار الهلال أنجزت ترجمة روايته «ليون الإفريقى»، وتطلب منه الإذن بنشرها فى إحدى سلاسلها.
يومها، وأثر اتصال مع الصديق معلوف، كتبت مقالة صغيرة أنعى فيها على الدار المصرية العريقة تصرفًا يتناقض مع حقوق المؤلفين، أولًا لأن الدار تخبر صاحب الرواية بأنها أنجزت ترجمة لم تستشره قبل الإقدام عليها، وإلى لغة لا تعرف ، ربما، أنها لغته الأم، وكان الأجدر سؤالُه أولًا عما إذا لم يكن يفضل أن يقوم هو، أو شخص من طرفه، بالمهمة، وما إلى ذلك.
كان المقال عبارة عن معاتبة بسيطة تحمل كل مستويات الود والمحبة للمؤسسة المصرية الكبيرة، وكنت أعتقد أن تلك المعاتبة من حقى. لكنى فوجئت بعد أيام بمقال يُنشر على خمسة أعمدة فى يومية «الجمهورية» القاهرية تحت عنوان عريض، فحواه: «هؤلاء الذين يسيئون إلى مصر!». أذهلنى المقال، لا سيما أن اسمى ذُكر فيه كجزء، كما يبدو، من سلسلة أسماء لكتّاب متهمين بالعدوان «على مصر وثقافتها وتاريخها». غير أن ما أذهلنى أكثر من ذلك هو أن المقال حمل توقيع الكاتب الكبير جلال السيد، الذى حتى وإن لم أكن أعرفه شخصيًا، فإننى أكنّ له قدرًا كبيرًا من الاحترام. أقرأه منذ زمن بعيد، ولم أكن لأتصوره كاتبًا لمقال من ذلك النوع، خاصة أنه يذكر اسمى فيه بكونى "واحدًا من الذين اعتادوا الإساءة لمصر فى كتاباتهم المضللة والمأجورة".
للوهلة الأولى، اعتقدت، وأملت، أن يكون ثمة خطأ طباعى ما. لكنى أعدت قراءة المقال، وقطعت الشك باليقين، ولا سيما حين رن جرس هاتفى فى باريس لأجد الصديقين يوسف القعيد وجمال الغيطانى يحدثاننى متسائلين عما إذا كنت قرأت مقال جلال السيد. بكل حزن أجبتهما أننى، أجل، قرأته، ولم أفهم شيئًا. بل إننى، كما أخبرتهما، "كتبت ردًا عليه من بضعة سطور سأنشره بعد يومين". قال لى جمال: "أرجو أن يكون ردًا هادئًا، لأن مصطفى نبيل سيسوى الأمر". «متى ستأتى إلى القاهرة؟» سألنى القعيد، الذى اعتاد أن يكون أكثر عملية من الغيطانى فى مثل تلك المواقف. قلت له إن عندى مشوارًا قريبًا. فقال: «حسنًا، اعمل حسابك أننا سوف نتغدى معًا فى مطعم فلفلة حال وصولك». ثم، بعد أن صمت ثوانٍ، أضاف: "وسيكون معنا جلال السيد، الذى يحب أن يتعرف عليك". سألت الصديقين بغضب عما إذا لم يكن من الأفضل أن نتعرف على بعض قبل كتابته مقاله؟ فقال القعيد بهدوء: «صحيح، لكنه سوف يعتذر منك».
أخبرتهما بأن هذا لن يمنعنى من كتابة ردى. فقالا: «بالطبع.. ولكن أرجو أن تقدر فيه قيمة الرجل وحبه لمصر.. وكونه ينطلق مما يراه افتراءً على مصر خلال السنوات الأخيرة، لا سيما على صفحات المطبوعات المعادية لمصر، والتى يشارك فى حملاتها، فى بعض الأحيان، مصريون يتحركون لحساب أطراف خارجية، وبخاصة فى الأوساط الثقافية».
والحقيقة أننى كنت مدركًا، مثل الصديقين الكبيرين، لذلك الواقع، بل أساهم من خلال عملى الصحفى والكتابى فى التصدى له. ومن هنا كان ما يغيظنى أن كاتبًا له وزن جلال السيد لا يعرف شيئًا عن كل جهودى تلك، فيعتبرنى من المسيئين إلى مصر!
المهم أننى بالفعل كنت فى القاهرة بعد أيام، ولكن بعد أن نشرت مقالًا فى «اليوم السابع» الفلسطينية أتحدث فيه عن «الذين يسيئون حقًا إلى مصر، ومنهم أمثال الكاتب نفسه، من الذين يخطئون الهدف والمرمى فى دفاعهم عن وطن لا يحتاج أصلًا لمثل ذلك الدفاع، ففى النهاية، كررت، أن مصر أكبر من أن يدافع عنها بتلك الطرق والأساليب، وأن أسوأ ما قد يحدث لهذا البلد الكبير، الذى تعلمنا جميعًا على يدى كبار مفكريه ومبدعيه، أن يجد نفسه فى وضعيات دفاعية، هى ما يسىء إليه حقًا»، وكلامًا آخر من هذا الطراز.
نشرت المقال، ولما انتظرت أيامًا ولم يرد أى رد عليه فى «الجمهورية» القاهرية، تنفست الصعداء، وبخاصة حين هاتفنى الصديق القعيد بعد نشر مقالى ليخبرنى بأن جلال السيد قرأه، وهو يوافق على كل كلمة فيه، وأن دعوة مصطفى نبيل للغداء فى انتظارنا، وسيكون فيها آخرون أيضًا سيشاركوننى حبى لمصر وعتبى على من اتهمنى بالإساءة إليها، فى حضوره وبرضاه.
وبالفعل، تناولنا الغداء معًا فى مطعم «فلفلة»، وأتبعناه بجلسة فى بيت الراحل، مأسوفًا عليه، مصطفى نبيل، بحضور الجامعى والمفكر نبيل فهمى، الذى بات الآن، ، يشغل منصب الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية، وكانت واحدة من تلك الجلسات التى لا تُنسى.
لقد خرجت حينها من تينك الجلستين القاهريتين بصداقات جديدة، لعل أهمها بالنسبة إليّ كانت تلك التى أقمتها مع جلال السيد فى آخر سنوات حياته، ووجدته لا يتوقف عن الشكوى من أولئك الذين يسيئون إلى مصر، لا سيما فى باريس، فلا يطربه إلا أن أؤكد له، مرة بعد مرة بعد مرة، أن ما من أحد يمكنه أن يسىء إلى «مرجعيتنا العربية الكبرى» هذه، وأن الإساءة الأكبر لمصر قد تكون فى الاعتقاد الواهى أن فى إمكان أحد أن يسىء إليها حقًا، لا سيما بصغائر سرعان ما يجد نفسه متراجعًا عنها.
والحقيقة أن أشد ما استفزنى فى هذه الحكاية أن كاتبًا كبيرًا من نمط جلال السيد، ساهم فى صنع الوجدان العربى، سواء اختلفنا معه أم اتفقنا، كان يمكنه أن يعتقد أن فى وسع أحد، بمقال أو بمجلدات، تشتم منها رائحة الأجر المدفوع سلفًا، أن يسىء حقًا إلى ذلك البلد الكبير، مهما قست عليه الظروف ودالت دوله، فيقيم الدنيا ويقعدها، لينتهى الأمر معه حول طاولة غداء لطيفة فى مطعم مثل «فلفلة».. ترى، أوليس هذا، فى حد ذاته، أكبر إساءة فى حق مصر، وأسوأ تعبير عن أن ثمة محبين لوطن ما، يستصغرون من قيمة بلدهم إلى درجة يعتقدون معها أن البلد ضعيف إلى درجة قد تهزه مواقف من هذا الطراز؟

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved